يقول الزركلي في «الإعلام»: أبوبكر الصديق عبدالله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي، أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الرجال، وأحد أعاظم العرب. ولد بمكة، ونشأ سيداً من سادات قريش، وغنياً من كبار موسريهم، وعالماً بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، وكانت العرب تلقبه بعالم قريش. وحرم على نفسه الخمر في الجاهلية، فلم يشربها. ثم كانت له في عصر النبوة مواقف كبيرة، فشهد الحروب، واحتمل الشدائد، وبذل الأموال. وبويع بالخلافة يوم وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، سنة 11ه فحارب المرتدين والممتنعين عن دفع الزكاة.وفتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق.
«اللهم أغفر للصحابة»
وعن فوز أبي بكر بدعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول توفيق عمر في كتابه «الفائزون بدعاء النبي»، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستغفر لأصحابه، ويدعو لهم بالرحمة، أفراداً وقبائل وجماعات، ومنهم المبشرون بالجنة، وعلى رأسهم أبوبكر، فعن سهل بن سعد، رضي الله عنه، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للصحابة، ولمن رأى من رآني».وعن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية «من يعمل سوءاً يجز به» (النساء) 123 فقال: «رحمك الله يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك الأواء؟ فذاك ما تجزون به»، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب ومن دعا له النبي بالرحمة لا يشقى أبداً.
وجاء في «فضائل الصحابة ومناقبهم» للدارقطني: عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، قال: ولينا أبوبكر الصديق، رضي الله عنه، خير خليفة الله، وأرحمه بنا وأحناه علينا. وعن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي، ما قولك في حلية السيف؟ قال: لا بأس به، قد حلى أبوبكر الصديق، رضي الله عنه، سيفه، قلت: وتقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة استقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق: فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا ولا في الآخرة.
«أخي وصاحبي»
وجاء في «فضائل الصحابة» لأحمد بن حنبل: عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة» فطلع أبوبكر الصديق، وعن ابن عمر قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وأبوبكر عن يمينه، وعمر عن يساره، فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة». وعن ربيع بن أنس قال: مثل أبي بكر الصديق في الكتاب الأول مثل القطر، أينما وقع نفع. وعبدالله بن يونس قال: سمعت وكيعاً يقول، ونحن في طريق مكة: لولا أبوبكر الصديق لذهب الإسلام.
وجاء في «الرياض النضرة في مناقب العشرة» لمحب الدين الطبري: عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً»، وعن أبي سعيد قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من حجة الوداع على المنبر فقال: «إن عبداً خيره الله - عز وجل - بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وعزها والخلد فيها ثم الجنة وبين ما عنده والجنة فاختار ما عند الله والجنة»، فبكى أبوبكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، ولكن لم يفجعنا وكان أبوبكر أعلمنا بالأمور، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبوبكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام».
أخلصهم إيماناً
ويصور لنا الخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق» مكانة وفضل أبي بكر الصديق في الأمة: إنه لما توفي أبوبكر ارتجت المدينة بالبكاء ودهش الناس كيوم قبض رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجاء علي بن أبي طالب مسرعاً باكياً مسترجعاً حتى وقف بباب البيت الذي فيه أبوبكر، رضي الله، عنه ميت مسجى، فقال: «رحمك الله يا أبابكر كنت أول القوم إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشهدهم يقيناً وأخوفهم لله وأحوطهم على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأحدبهم على الإسلام وآمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأشرفهم مناقب وأكثرهم سوابق وأشرفهم منزلة وأكملهم وأكرمهم عليه وأشبههم به، هدياً وخلقاً وسمتاً وكنت أوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن المسلمين والمؤمنين خيراً..إلخ. وعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله، وما نفعني مال في الإسلام ما نفعني مال أبي بكر».
وعن أنس قال: «لما كان (ليلة الغار) قال أبوبكر: يا رسول الله، دعني أدخل قبلك فإن كانت فيه حيّة أو شيء كانت لي قبلك. قال: أدخل، فدخل أبوبكر فجعل يلتمس بيديه، فكلما رأى جحراً جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الجُحر، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع. قال: فبقي جُحر فوضع عقبه عليه، ثم أدخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فلما أصبح قال له النبي، صلى الله عليه وسلم: فأين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بالذي صنع، فرفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يديه وقال: «اللهم اجعل أبابكر معي في درجتي يوم القيامة، فأوحى الله تعالى إليه إن الله قد استجاب لك».