قال تعالى في سورة الفجر: «وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي»
تصور الآية جهنم وهي تُجَرُّ وتُقَرَّب إلى الكفار وحال الإنسان الكافر في تلك اللحظة وهو يراها قادمةً إليه تريد أن تلتهمه ولا مفرَّ له منها ، عندها يستيقظ من سُباته العميق ، وتتفجر من أعماق نفسه الحقيقة التي كان يتعامى عنها، ثم يقول مُظهراً كل تحسر وندم: «يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي»!! ولات ساعة مندم.
وإذا تأملنا قوله: (لِحَيَاتِي) لوجدنا أن هذه المفردة قد تجاوزت المعنى المعجمي للحياة الذي هو ضد الموت إلى معانٍ كثيرة أثارتها في الخيال منها: أن الحياة الدنيا إنما هي سرابٌ ماضٍ ليس حياةً على الحقيقة وأن الحياة الحقّة هي الحياة الآخرة وأن ما حصله الإنسان في الدنيا من مال وولد وجاه ليس شيئاً على الحقيقة لأنه ظلُّ زائل ولعملٌ واحدٌ للآخرة خيرٌ من الدنيا وما فيها ولذا قيل: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة تراباً باقياً لكان على العاقل أن يختار التراب الباقي على الذهب الفاني فكيف والدنيا تراب فانٍ والآخرة ذهب باقٍ؟!
وهذه المعاني التي أثارتها كلمة (لِحَيَاتِي) تجعل قارئ الآية يرى نفسه يعيش تلك اللحظة وهو يسمع صيحات النادمين فيحذر أن يكون واحداً منهم ويسعى ليتدارك نفسه قبل أن يفوت الأوان.
ويضاف إلى ما سبق أن في القرآن مفردات جديدةً يعرف العرب اشتقاقها ومعناها لكنهم لم يستعملوا من قبل صيغتها الموحية التي جاءت في القرآن العظيم.
من ذلك المفردات الآتية: (تضحى - متكأ - الحرور - المقوين - أغطش)
قال تعالى في سورة طه: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى).
وعد الله تعالى آدم في الجنة بضمانات مما يحتاجه في حياته وجمعت هذه الضمانات في جملتين فقط: هما قوله تعالى في سورة طه: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)