د. رشاد سالم

قال تعالى في‮ ‬سورة الفجر‮: «‬وَجِيءَ‮ ‬يَوْمَئِذٍ‮ ‬بِجَهَنَّمَ‮ ‬يَوْمَئِذٍ‮ ‬يَتَذَكَّرُ‮ ‬الإِنسَانُ‮ ‬وَأَنَّى لَهُ‮ ‬الذِّكْرَى‮ * ‬يَقُولُ‮ ‬يَا لَيْتَنِي‮ ‬قَدَّمْتُ‮ ‬لِحَيَاتِي‮» ‬

تصور الآية جهنم وهي‮ ‬تُجَرُّ‮ ‬وتُقَرَّب إلى الكفار وحال الإنسان الكافر في‮ ‬تلك اللحظة وهو‮ ‬يراها قادمةً‮ ‬إليه تريد أن تلتهمه ولا مفرَّ‮ ‬له منها ، عندها‮ ‬يستيقظ من سُباته العميق ، وتتفجر من أعماق نفسه الحقيقة التي‮ ‬كان‮ ‬يتعامى عنها، ثم‮ ‬يقول مُظهراً‮ ‬كل تحسر وندم‮: «‬يَا لَيْتَنِي‮ ‬قَدَّمْتُ‮ ‬لِحَيَاتِي‮»!! ‬ولات ساعة مندم‮.
وإذا تأملنا قوله‮: (‬لِحَيَاتِي‮) ‬لوجدنا أن هذه المفردة قد تجاوزت المعنى المعجمي‮ ‬للحياة الذي‮ ‬هو ضد الموت إلى معانٍ‮ ‬كثيرة أثارتها في‮ ‬الخيال منها‮: ‬أن الحياة الدنيا إنما هي‮ ‬سرابٌ‮ ‬ماضٍ‮ ‬ليس حياةً‮ ‬على الحقيقة وأن الحياة الحقّة هي‮ ‬الحياة الآخرة وأن ما حصله الإنسان في‮ ‬الدنيا من مال وولد وجاه ليس شيئاً‮ ‬على الحقيقة لأنه ظلُّ‮ ‬زائل ولعملٌ‮ ‬واحدٌ‮ ‬للآخرة خيرٌ‮ ‬من الدنيا وما فيها ولذا قيل‮: ‬لو كانت الدنيا ذهباً‮ ‬فانياً والآخرة تراباً‮ ‬باقياً لكان على العاقل أن‮ ‬يختار التراب الباقي‮ ‬على الذهب الفاني فكيف والدنيا تراب فانٍ‮ ‬والآخرة ذهب باقٍ؟‮!
وهذه المعاني‮ ‬التي‮ ‬أثارتها كلمة‮ (‬لِحَيَاتِي‮) ‬تجعل قارئ الآية‮ ‬يرى نفسه‮ ‬يعيش تلك اللحظة وهو‮ ‬يسمع صيحات النادمين فيحذر أن‮ ‬يكون واحداً‮ ‬منهم ويسعى ليتدارك نفسه قبل أن‮ ‬يفوت الأوان‮.‬

ويضاف إلى ما سبق أن في‮ ‬القرآن مفردات جديدةً‮ ‬يعرف العرب اشتقاقها ومعناها لكنهم لم‮ ‬يستعملوا من قبل صيغتها الموحية التي‮ ‬جاءت في‮ ‬القرآن العظيم‮.‬

من ذلك المفردات الآتية‮: (‬تضحى - متكأ - الحرور - المقوين - أغطش‮)‬

قال تعالى في‮ ‬سورة طه‮: (‬فَقُلْنَا‮ ‬يَا آدَمُ‮ ‬إِنَّ‮ ‬هَذَا عَدُوٌّ‮ ‬لَّكَ‮ ‬وَلِزَوْجِكَ‮ ‬ فَلا‮ ‬يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ‮ ‬الْجَنَّةِ‮ ‬فَتَشْقَى* إِنَّ‮ ‬لَكَ‮ ‬أَلاَّ‮ ‬تَجُوعَ‮ ‬فِيهَا وَلا تَعْرَى* وَأَنَّكَ‮ ‬لا تَظْمَأُ‮ ‬فِيهَا وَلا تَضْحَى‮).‬
وعد الله تعالى آدم في‮ ‬الجنة بضمانات مما‮ ‬يحتاجه في‮ ‬حياته وجمعت هذه الضمانات في‮ ‬جملتين فقط‮: ‬هما قوله تعالى في‮ ‬سورة طه‮: (‬إِنَّ‮ ‬لَكَ‮ ‬أَلاَّ‮ ‬تَجُوعَ‮ ‬فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ‮ ‬لا تَظْمَأُ‮ ‬فِيهَا وَلا تَضْحَى‮) ‬