إعداد: محمد هاني عطوي
تاريخ الإنسان مملوء بحضارات سريعة الزوال، وبشعوب غامضة اختفت جراء كوارث طبيعية وحروب وأوبئة.. إلخ. وفي بعض الأحيان يكون الأمر غامضاً بعض الشيء، و يسعى المؤرخون جاهدين بطريقة أو بأخرى لفهم كيف يمكن لمجتمع زاهر أن يختفي من الخريطة في طرفة عين. اخترنا 10 مجتمعات ضمت 10 حضارات ذات هندسة معمارية مختلفة، ولغة خاصة، 10 ثقافات، اختفت من دون أن يعلم أحد السبب.

لا شك أن هناك موضوعات أكثر إثارة من غيرها، ولكن موضوع الحضارات القديمة، ربما يكون أكثرها إثارة، ويمكن القول إن أصغر قطعة من العظام وجدت في صقلية، أو أي قطعة فخّار عثر عليها في إثيوبيا، ربما تثير على الفور خيال العامة والخاصة، ولكن ما السبب ؟
وقد يكون هناك سبب آخر لهذه الهواية المحببة، وهو أن التدقيق بشيء من الشغف والصبر، حول تلك الشعوب المختفية، يعتبر في الواقع أمراً مطمئناً للغاية، فهو يسمح لنا أن ندرك أننا لم نزل على قيد الحياة، ولكن التلوث والاحتباس الحراري، وانقراض الأنواع، كل ذلك ربما يجعلنا ندرك أيضاً أننا ربما نكون على حافة الهاوية، وهذا ما كتبه عالم الأحياء الأمريكي جاريد دياموند، في كتابه الأكثر مبيعاً، «الانهيار»، فقد عمل فيه على تحليل السبب في سقوط الحضارات العظيمة، وإيجاد بعض أوجه التشابه مع وضعنا، بدءاً من حضارة المايا، إلى الفايكنج، ومن جزر الفصح، إلى الأناسازي، وثمة أمر مشترك يتكرر بشكل مستمر وهو: استنزاف الموارد الطبيعية التي تقوم عليها الحضارة، سواء أكان من الخشب أوالماء أوالأسماك أو الطيور.
وحسب رأي ديامون، فإن المجتمع لا يختفي كلياً، ولكنه يتحول، ففي العام 2005، صدر كتابه «الانهيار»، الذي أسال الكثير من الأقلام، بل وجرى التشكيك بصحة معلوماته، من قِبل العديد من الخبراء، وخصوصاً حول نقطة واحدة، وهي مفهوم الانهيار على وجه التحديد؛ فالحضارة لا تزول أبداً بل تستمر كما يقول أريك تالادوار، أستاذ علم الآثار في جامعة باريس1، ومؤلف كتاب «حضارات ما قبل كولومبوس -PUF، 2016»، ويضيف تالادوار: الحضارة تتحول إلى شيء آخر، أي أنها تننشر في شيء آخر، فالمايا لم تختف كلياً، فاليوم هناك حوالي 4 إلى 5 ملايين شخص يعتبرون أنفسهم من المايا في أمريكا اللاتينية.
الحضارة الثانية التي لم تزل تمثل لغزاً، هي الأناسازي؛ فقد كان الأناسازي شعب هندو أمريكي، يحتل جنوب غرب الولايات المتحدة، ونظراً لعدم توفر شواهد مكتوبة؛ فإنه من الصعب للغاية حتى الآن التأريخ على وجه الدقة لهذا المجتمع، الذي يقدر أنه بلغ ذروة حضارته حوالي العام 1200 قبل الميلاد، وعمل شعب الأناسازي في الصيد، وجمع الثمار، وعندما وصل كولومبوس، كان شعب الأناسازي اختفى، ويعتقد أن الزيادة السكانية والصراعات الداخلية العنيفة هي السبب في انهيار الحضارة، التي لا تزال أطلالها المعمارية المثيرة للإعجاب قائمة حتى الآن.
ومن الحضارات القديمة التي انطفأت، إمبراطورية الخمير، فنحن جميعاً نعرف معبد «أنغكور وات» الضخم في كمبوديا، ولكن ما لا يعلمه الكثيرون، هو أنه لا يمثل إلّا جزءاً صغيراً من امبراطورية ضخمة كانت تهيمن على منطقة الهند الصينية، من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر.
أما جزيرة الفصح «الهوماكا»، لم يبق منهم الكثير، وحتى اليوم يتساءل علماء الآثار، كيف استطاع سكان هذه الجزيرة نقل التماثيل الحجرية الضخمة الرائعة المسماة المواي، إلى مسافات بعيدة، فبعد قرون على بناء أكثر من 900 من هذه «المغليث»، والإبحار من جزيرة إلى أخرى على مدى عدة أسابيع للبحث عن الغذاء والمؤنة، فإن المرء يتساءل كيف اختفى المستوطنون البولينيزيون من دون أن يتركوا أي أثر، وتقول النظرية الأكثر انتشاراً، إن نمط حياة السكان الأصليين، لم يكن يتماشى مع موارد الجزر، وأنهم استنفدوها تماماً.. أمر غريب، ولكن هذه هي الحقيقة.
وما أبقاه الهوماكا عبارة عن 800 من التماثيل الغامضة جداً.
والآن نصل إلى ثقافة لا تقل غرابة عن اسمها وهو ثقافة كيوكوتيني، أو حضارة كيوكوتيني، حسب التسمية باللغة الرومانية، وتُعرف أيضاً بحضارة كيوكوتيني-تريبيليان، بالإنجليزية، وحضارة تريبيليان بالأوكرانية، وحضارة تريبولي بالروسية، ومع اسم غريب من هذا القبيل، لا نجد أنفسنا إلاّ أن نأسف على أنها اختفت، لأنه لا بد أن شعبها كان صاحب ثقافة ظريفة بالفعل، فهذه الثقافة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، ظهرت في أوروبا الشرقية، بين 5500، و 2750 قبل الميلاد، وكانت المسؤولة عن أكبر المدن في العصر الحجري الحديث، والتي كانت تضم ما يقرب من 15 ألف شخص. وتعتبر حضارة كيوكوتيني مهد الحضارة الأوروبية، والغريب، أن هذه الحضارة الأمومية كانت تحرق جميع قراها كل 70 سنة، لإعادة بناء كل شيء من جديد، وربما يرجع اختفاؤها إلى غزو ما، على الرغم من أن الاكتشافات الأثرية الأخيرة، تشير إلى حدوث تغير مناخي مفاجئ وقاتل بالنسبة للحياة الزراعية، أما ما أبقته لنا، فلا شيء.

ونصل في رحلتنا إلى الحضارة المينوية، هذه الحضارة سميت نسبة للملك العظيم مينوس، الذي طاف في جميع أنحاء كريت بين عامي 3000، و1000 قبل الميلاد، وما زلنا نجد بعض آثار الحضارة المينوية، في أنقاض مدنها القديمة، ويبدو أن المينويين دفعوا حياتهم أثناء ثوران بركاني هائل، إلا أننا نعتقد أن الانفجار ألحق أضراراً بالغة بأسطولهم البحري، محدثاً إعاقة كبيرة في العمليات التجارية، وتعرض شعب هذه الحضارة إلى عدة غزوات، مما قضى عليه تماماً.

مملكة أكسوم.. الحضارة الإفريقية الأكثر ثراءً

مملكة أكسوم بإثيوبيا، هذه المملكة، كانت عصب التجارة في المنطقة، وكل من كان يمر عبر البحر الأحمر، يجب أن يمر من خلالها، مملكة أكسوم، كانت تُعرف سابقًا باسم الحبشة، والتي كان مقرها في مدينة أكسوم، على سفح جبال عدوة شرق إقليم تجراي، في إثيوبيا. تأسست مملكة أكسوم عام 325 ق.م، بقيادة السلالة السليمانية، التي ترجع حسب بعض الأساطير، إلى الملك سليمان وملكة سبأ، وفي القرن الرابع الميلادي، اعتنق «إيزانا» ملك إثيوبيا الديانة المسيحية، فأصبحت كنيسة إثيوبيا كنيسة الدولة، وفي القرن السابع الميلادي، بدأت مملكة أكسوم في الأفول، أمام انتشار الإسلام.
كانت هذه المملكة من أثرى الحضارات القائمة في إفريقيا في ذلك العصر، وقد تم التنسيق بينها وبين القوى الحاكمة بحرياً في منطقة بحر القلزم حالياً، وكانت تجارتها نشطة ضمن نطاق شبه الجزيرة العربية وميناء زيلع حالياً في الصومال، وكان عرش أكسوم بمنطقة تيجراي، وكانت تتكلم التجراي وهي لغة سامية حامية، ومزيج من اللغات، فيها الكثير من المفردات العربية.

وتاريخ أكسوم متداخل مع الثقافة العربية حيث إن الملك إيزانا هو نتاج لتزاوج عربي حبشي، بالمعني الحالي، وفي عهد الإسلام وقعت حروب كثيرة بين الإمام أحمد، حاكم الصومال صاحب النفوذ في ذلك الوقت، والملكة اليهودية حاكمة الحبشة «يوديت». وثمة فرضية، تقول إن الملكة أحرقت كل الكنائس، في حين تقول فرضية ثانية أن تغيراً مناخياً، أدى إلى إحداث مجاعة هائلة في البلاد، ما قضى على جل السكان، وتوجد في القرآن الكريم سور وروايات عن النجاشي وأصحاب الفيل.

غزو أم وباء؟

ي جنوب اليونان، ظهرت حضارة أخرى، عرفت بالموكيانية، وهذا المصطلح يشير إلى أواخر العصر البرونزي لليونان القديم 1600-1100 ق.م، وأخذ اسمها من الموقع الأثري في اليونان «موكناي أرغوليذا، في بيلوبونيز» في اليونان، ولهذه الحضارة مناطق أخرى هي: هيتيرينس وبيلوس وأثينا وثيفا وأورخومينوس بويوتيا وآيولكوس، كما أن لها مواقع أخرى في بحر إيجة وآسيا الصغرى وبلاد الشام وقبرص وكريت وإيطاليا. في العام 1600 قبل الميلاد، كان الشعب الموكياني نتاجا مباشرا للأمينويين، وكان يعيش في العديد من الجزر، ولم يتردد في امتلاك جزر أخرى بالقوة، وبما أنه كان يفتقر إلى الموارد الطبيعية، فقد عمل على إنشاء نظام استيراد كبير، ولكن ليس من الواضح لماذا اختفى الشعب الموكياني فجأة، المؤرخون وضعوا العديد من الفرضيات منها: الزلازل المدمرة، والغزوات، حتى أنه نوقشت فرضية ثورة الفلاحين، التي يمكن أن تكون غزواً أجنبياً، أو أن السكان تعرضوا حينها لوباء الإنفلونزا القاتل آنذاك.

محطة استراتيجية

حضارة الأنباط، أوالنبط، فالأنباط «169 ق.م - 106 م»، مملكة عربية قديمة، قامت في صحراء النقب وسيناء والأردن، وأجزاء من شمال شبه الجزيرة العربية، «في بلاد العرب الحجرية أو الصخرية- Arabia petraea»، عند الإغريق والرومان، وكان الأنباط يطلقون على أنفسهم اسم «النبط»، وهي قبيلة بدوية كانت تنتشر في سيناء والنقب والأردن، والجزء الشمالي من الحجاز، وتنسب إلى نابت بن إسماعيل «عليه السلام»، وكانت عاصمتهم مدينة البتراء في الأردن، وكانت محطة استراتيجية واقعة على طريق البخور، إذ كانت تقع على مفرق طرق القوافل القادمة من اليمن، وتربطها بالشام ومصر والبحر الأبيض المتوسط.
وكان اهتمام النبط قليلاً بسلسلة الواحات المنتشرة، التي كانت ضمن مملكتهم، ومارسوا الزراعة بشكل محدود، ولم تكن حدودهم مع الصحراء مؤمنة بشكل فعال، وفقدت مملكة النبط استقلالها، في عهد الإمبراطور الروماني تراجان، وتمكن الأنباط من استغلال موقع بلادهم، لمرور شرايين التجارة بين الشام واليمن، وكذلك قاموا بالوساطة في نقل التجارة بين مصر والشام، وأماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية، وفرضوا ضرائب على التجارة والتجار، وكان ميناء غزة المفضل لدى الأنباط، لقربه من البتراء، إضافة إلى أنهم شقوا قنوات الري، واهتموا بالزراعة، واستغلال أرضهم، وما فيها من موارد طبيعية، وتعلموا وأتقنوا استغلال مناجم النحاس والحديد، كما ضربوا النقود على الطريقة الشامية، وجمعوا ثروات عظيمة، نتيجة لازدهارهم الاقتصادي.
ويمكن للمرء أن يجد آثاراً لهذه الحضارة السامية، التي يصفها بعضهم بالمجنونة، لأن سكانها كانوا ينحتون مدنهم مباشرة في الصخر، أما مدينتهم الرئيسية البتراء، فهجرت في القرن الرابع دون أن يعرف السبب الحقيقي لذلك، لكن الحفريات الأثرية، تثبت أنهم رحلوا بطريقة منظمة، وهو ما يستثني الكارثة المناخية أو الغزو، والإجابة عن ذلك بسيطة؛ حيث لم تعد التجارة توفر لهم ما يكفي من الموارد، فرحلوا جميعهم إلى مكان آخر.

أنصاب مزخرفة

«الأولمك»، أول حضارة متقدمة قبل عهد الاكتشاف في أمريكا الوسطى، وأهم مدنها تقع الآن في ولايات «فيراكروز وتاباسكو»، في المكسيك، وأهم المناطق تقع في لا فيستا وسان لورنزو وتريس زابوتيس، وأهمها في إل تاخين، ويظهر أن حضارة الأولمك بدأت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وانتهت حوالي العام 800 ق.م تقريباً، ويظهر تأثيرها حتى وادي مكسيكو، وجمهورية السلفادور، ما يدل على الأغلب عن وجود امبراطورية، أو شبكة تجارية، أو طوائف دينية واسعة المدى، وبالرغم من عدم معرفة ظروف انتشارها، لكن أغلب الرسومات والأديان في أمريكا الوسطى والمكسيك، يمكن إرجاعها لعهد الأولمك، وتظهر فنون الأولمك في أنصاب مزخرفة وقطع اليشم المحفورة والخزفيات وغيرها، أما المقابر، فتظهر على شكل تلال صغيرة مع شواهد محفورة ومذابح وتماثيل، يظهر منها أن مجتمع الأولمك كان معقداً.
واشتهر بناة الأولمك بمواهب هندسية ويظهر ذلك في العديد من المدن والآثار والرؤوس الحجرية العملاقة، وهي إن صح القول العلامة التجارية الخاصة بهم، وعلى الرغم من أنها تعتبر الأب لجميع ثقافات أمريكا الوسطى الأخرى، فإن هذا لم يمنعها من الزوال ، خصوصاً بسبب تغير المناخ، وتشير إحدى النظريات إلى الغزو، ولكن ليس من المعروف من قبل، من هو صاحب هذا الغزو.