خاض رحلة الحياة بعزم وإيمان، ففاز وانتصر، وذاق آلام اليتم وصبر، وفتح عليه الباري بشرح البخاري فشكر، وكتب تلميذه السخاوي ترجمة حياته وسماها الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر.
الإمام ابن حجر العسقلاني 1372 - 1449م الحافظ العلامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ بن محمد بن محمد بن عليّ بن أحمد الكناني العسقلاني، محدث شهير ومؤرخ قدير وفقيه شافعيّ كبير.
ينتسب إلى عسقلان بفلسطين، ولد بالفسطاط مصر القديمة بالقاهرة في شعبان 773 ه وتوفي بها سنة 852 ه.
رحل في طلب الحديث إلى مدن الشام والعراق والحجاز واليمن، وحفظ القرآن الكريم، ودرس الفقه واللغة والنحو والأدب.
سمع صحيح البخاري في طفولته ودرس كتبا في مختصرات العلوم المختلفة كما اهتم بتاريخ الرواة.
ذاق مرارة اليتم في سن مبكرة، حيث مات والده وهو في الرابعة من عمره، وتوفيت والدته قبل والده فيسّر الله له من يساعده في رحلة العلم والحياة حتى أصبح إماماً كبيراً من أئمة الإسلام.
قاضي القضاة
تفرغ لعلوم الحديث ونبغ فيها حفظاً ورواية وشرحاً، وألقى دروسه في الحديث والتفسير والفقه بالأزهر الشريف وجامع عمرو بن العاص ومدارس القاهرة، تولى القضاء أكثر من 20 سنة وأصبح قاضي القضاة بمصر.
صنف عدداً كبيراً من المؤلفات معظمها في الحديث الشريف ورواته ومن أشهرها فتح الباري بشرح البخاري.
تتلمذ على عدد كبير من الأئمة والشيوخ منهم: البلقيني وابن الملقن والفيروزابادي والحافظ العراقي والشيخ شمس الدين القطان المصري، ونجم الدين بن رزين وزين الدين بن الشحنة.
أقبل عليه طلاب العلم من كل حدب وصوب للاستماع إلى دروسه بمساجد القاهرة ومدارسها، دخل الكتاب لحفظ القرآن في سن الخامسة وأتم حفظه وعمره 9 سنوات وصلى التراويح بالناس وعمره 12 سنة.
قال عنه تلميذه السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته فتهادتها الملوك وكتبها الأكابر.
اهتم بالشعر منذ فجر شبابه، يحفظه ويرويه ويكتبه، وله ديوان مطبوع بالهند منه نسخة في مكتبة الاسكوربال بإسبانيا، كما نظم المدائح النبوية وتحول اهتمامه إلى دراسة الحديث وأخبار الصحابة والتابعين.
بدأ رحلته في التصنيف والتأليف وعمره 23 سنة، وكان مشرق الوجه، فصيح اللسان، حسن البيان ونال شهرة واسعة، وأصبح شيخ الإسلام بمصر، وأخذ علوم اللغة في اليمن على العلامة مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس، نالت مؤلفاته شهرة واسعة واحتراماً كبيراً، وكانت من الكتب المعتبرة في الأزهر الشريف، وعند علماء العالم الإسلامي.
شرح عدد كبير من أئمة الحديث كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري، يقول حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون وهو مرتب على الأبجدية: من أعظم شروح البخاري شرح الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ويقع في 10 أجزاء غير المقدمة التي تحمل اسم هدي الساري جمع فتح الباري الطرق والوسائل التي تساعد على فهم الأحاديث وشرح الأحاديث المكررة في كل موضع وما يشير إلى مقصد البخاري منها.
بدأ ابن حجر في تأليفه أوائل سنة 817 ه على طريقة الإملاء وكان قد انتهى من المقدمة سنة 813 ه. وقد كتب الشرح في صورة كراسات يكتبها عدد من الأئمة الكبار وتتم مناقشة ما يكتب كل أسبوع حتى اكتمل في أول رجب سنة 842 ه بعد 25 عاما من العمل وظل يضيف إليه حتى وفاته، وأعد الإمام وليمة كبرى بهذه المناسبة في شعبان 842ه حضرها عدد كبير من الأئمة والعلماء.
الإصابة والتقريب
ومن مصنفات الإمام ابن حجر ومؤلفاته، بالإضافة الى فتح الباري: الإصابة في تمييز الصحابة، تقريب التهذيب (أسماء رجال الصحابة)، القول المسدد في الذب عن مسند أحمد، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لسان الميزان (تراجم)، الأحكام لبيان ما في القرآن، (ديوان شعر)، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، ألقاب الرواة، أسماء رجال الحديث، تهذيب التهذيب، تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، تعريف أهل التقديس (طبقات المدلسين)، بلوغ المرام من أدلة الأحكام، الجمع المؤسس بالمعجم المفهرس، أسانيد وكتب، تحفة أهل الحديث، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ديوان الخطب، تسديد القوس في مختصر الفردوس، تبصير المنتبه في تحرير المشتبه، رفع الإصر عن قضاة مصر، إتحاف المهرة بأطراف العشرة، الإعلام في من ولي مصر في الإسلام، نزهة الألباب في الألقاب (مخطوط بجامعة الرياض)، الديباجة في الحديث، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، سبل السلام في شرح بلوغ المرام، انتقاض الاعتراض، تغليق التعليق.
كتب الأمالي
والأمالي جمع الإملاء، وهي كتب يمليها العالم على تلامذته في الحديث وغيره من العلوم مثل الفقه واللغة وتسمى عند علماء الشافعية كتب التعليق.
ومن هذا النوع من الكتب في الحديث الشريف: أمالي ابن حجر للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني وأكثرها في الحديث وأملاها بمدينة حلب، أمالي ابن شمعون أبو الحسين محمد بن أحمد، أمالي ابن عساكر وهو أبو القاسم عليّ بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، أمالي أبي بكر يوسف بن القاسم بن يوسف بن فارس القاضي، أمالي أبي جعفر محمد بن القاسم البختري، أمالي أبي طاهر محمد بن محمد بن خمش الزيادي، أمالي أبي طاهر المخلصي، أمالي أبي عبدالله حسين بن هارون بن جعفر الضبي، أمالي أبي عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد الأصفهاني الحافظ، أمالي أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي، أمالي أبي القاسم بن بشران، أمالي أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحق بن حبابة البزان، أمالي الزعفراني للإمام أبي عبدالله حسن بن أحمد، الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة للإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد الرافعي الشافعي، أمالي القاضي المارستاني وهو أبو بكر محمد بن عبدالباقي، أمالي القضاعي وهو أبو عبدالله محمد بن سلامة الشافعي، أمالي المنذري ونظام الملك وهو أبو علي الحسين بن علي بن اسحق، وأمالي النقاش أبو سعيد، أمالي ولي الدين أبي زرعة ابن الحافظ العراقي.
أشهر الشروح
وأشهر شروح صحيح البخاري، شرح العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني الحنفي ت 855ه وسماه عمدة القاري واستعان فيه بشرح ابن حجر، أعلام السنن للإمام الخطابي، شرح ابن بطال المغربي المالكي وينتسب إلى قرطبة بالأندلس ت 444ه، شرح ابن المنير الإسكندراني ومعه تراجم عنوانه: المتواري على تراجم البخاري، شرح الإمام الحافظ علاء الدين مغلطائي بن قليج، التركي المصري الحنفي ت 792 ه، شرح الكرماني، للحافظ شمس الدين الكرماني وسماه الكواكب الدراري شرح البخاري ت 786 ه، شرح الإمام ابن الملقن، سراج الدين ابن الملقن الشافعي ت 804ه وسماه شواهد التوضيح، ويقع في 20 مجلدا، شرح الزركشي للإمام بدر الدين بن محمد بن بهادر الزركشي الشافعي وهو شرح مختصر ت 794ه، شرح العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب العسقلاني المصري الشافعي ت 392ه وسماه إرشاد الساري، شرح العلامة شمس الدين أبي محمد بن عبدالله محمد بن عبدالدائم بن موسى البرماوي الشافعي ت 831ه وسماه اللامع الصبيح، شرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، شرح الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، شرح الحافظ زين الدين عبدالرحمن بن أحمد الحنبلي وسماه فتح الباري أيضا، شرح العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، وسماه فيض الجاري، شرح المهلب الأزدي.
يقول عنه الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر: كان الحافظ ابن حجر مرجعا في الحديث النبوي حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث، له أكثر من 150 مؤلفاً ومصنفاً، وترك القضاء بمحض إرادته بعد سنوات طويلة.
توفي الحافظ الكبير والمحدث الشهير الإمام ابن حجر العسقلاني ليلة السبت 28 من ذي الحجة 852ه، وتم تشييع جنازته في موكب مهيب يتقدمه السلطان، وصلى عليه الإمام البلقيني ودفن بالقرب من إمام مصر الفقيه العلامة الليث بن سعد.