إعداد: محمد هاني عطوي
عرفت الحياة على الأرض منذ ظهورها قبل 5 .3 مليار سنة كوارث هائلة كان بإمكانها القضاء عليها تماماً ولكن من حكمة الخالق أنه حفظها ومن عليها والكوارث التي كانت تحل بها كانت في كل الأحوال مشيئة إلهية ولا يعلم أحد أبدا متى ستنتهي الحياة على الأرض إلا خالقها .
ولكن متى وكيف تعرضت الحياة على الأرض لكوارث كبرى عبر تاريخها الطويل؟ الواقع أن العلماء يقولون إن 9 .99% من الأنواع التي ظهرت على الأرض يوماً ما اختفت وكل ما نراه اليوم من أشكال الحياة يمثل ذلك الجزء البسيط المتبقي من هذه النسبة .
ويرى هؤلاء أن اختفاء تلك الأنواع الحية عن الأرض كان لصالحها لأنه أتاح ظهور أنواع أخرى من الحياة أكثر ملاءمة للمخلوقات التي ظهرت فيما بعد عليها مثل الإنسان .
وفقاً للمشاهدات التاريخية فإن انقراض نوع ما يحدث حسب وتيرة متوسطة وبمعدل نوع من مليون نوع سنوياً ولكن في بعض الأحيان يختل هذا التوازن لسبب ما فتضرب الأرض كوارث مدمرة تهدد كل اشكال الحياة عليها . وعلى مدى تاريخها تعرضت الحياة خمس مرات للفناء جراء انفجار بركان هائل أو الاصطدام بنيزك كبير أو التعرض لعصر جليدي طويل، ومن حسن الحظ أن بعض الانقراضات كانت إيجابية، فقبل 65 مليون سنة أدى اختفاء الديناصورات إلى انتشار الثدييات على مساحات كبيرة .
يقول العلماء إنه قبل أقل من 500 مليون سنة كان الطقس على الأرض حاراً جداً حيث بلغت حرارة مياه المحيطات أكثر من 30 درجة مئوية وكانت المياه حينها تغطي جزءاً كبيراً من القارات والحياة كانت تقريباً مستقرة في المياه قليلة العمق التي كانت تغطي اليابسة المطمورة والغابات الكثيفة تنمو تحت المياه وتمتد على مسافات تصل إلى الآف الكيلومترات .
وفجأة بدأ زحف الجليد من القطبين خلال مئات الآلاف من السنين وكان ذلك فاتحة ما يعرف بالعصر الجليدي الذي أفنى مع ظهوره 80% من الأنواع الحية البحرية . ولكن لماذا انقلب كل ذلك بهذه السرعة وتحولت الأرض إلى ثلاجة كبيرة ؟ الحقيقة أن الشمس كانت خفيفة السطوع نظراً لوجود كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لأن هذا الغاز يعمل كما لو كان بيتاً زجاجياً فهو يترك المجال للحرارة بالدخول ولكنه لا يدعها تخرج .
ولكي يبقى الجليد ويستقر لفترة طويلة على الأرض كان لا بد من كسر هذا الحاجز . ويعتقد العلماء أن أحد أسباب هذا التغير بقاء سلسلة جبال شاهقة اختفت منذ فترة طويلة . فقبل 15 مليون سنة وقبل حلول الكارثة وبينما كانت الحياة تزدهر في المحيطات اصطدمت صفيحتين قاريتين ببعضهما ونتج عن ذلك صعود إحداهما فوق الأخرى وإحداثها فتحة في سطح المحيط ووصولها إلى ارتفاع بلغ عدة كيلومترات مكونة سلسلة جبلية على طول الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية وهي سلسلة جبال الأبالاش .
تعرضت لعمليات النحت منذ تكونها وانتزعت منها بفعل التعرية الكثير من القمم التي كانت تسقط حتى تبلغ قاع البحر . ويقول العلماء إن هذه الصخور المكونة من السيليكات تمتص ثاني اكسيد الكربون من الجو عندما تنتزعها الأمطار وتسقطها في قاع البحر حيث ظلت هناك متشبعة بهذا الغاز .
وعلى مدى 7-8 ملايين سنة تحولت هذه الجبال العالية إلى ما يشبه التلال فقط ولذا يرى الباحث الجيولوجي الأمريكي "سيت يونغ" أن نصف ثاني أكسيد الكربون في الجو تم امتصاصه خلال تلك العملية ولم تستطع الشمس الضعيفة بسطوعها تعويض ذلك النقص في ظاهرة الاحتباس الحراري وبالتالي فإن الكوكب برد وأخذ الجليد يستقر في القطبين وهنا كانت بدايات الكارثة ففي الجنوب تكونت كتلة جليدية تزيد حجماً بمرتين على الكتلة الجليدية الحالية وأسهم وزنها في تفتيت الصخور تحتها وتغيير شكلها وهذا ما نشاهده في النيجر مثلاً .
ولتكوين هذه الكتلة الهائلة التي يبلغ حجمها 60 مليون كيلومتر مكعب كان الأمر يحتاج إلى كميات هائلة أيضاً من المياه وكان هذا المورد يأتي من المحيطات . ولذا وعلى مدى مئات الآلاف من السنين انخفض مستوى المحيطات 80 متراً وبالتالي فإن هذا العصر الجليدي ضرب الحياة البحرية بطريقتين: البرودة المفاجئة التي تمثلت برياح زمهريرية وتجفيف البحار قليلة العمق ما يعني أن غابات المرجان وساكنيها من الكائنات البحرية أصبحت في العراء وهنا كانت الكارثة التي كادت تودي بحياة كل تلك الكائنات .
قبل 250 مليون سنة وبمجرد أن بدأت الحيوانات الفقارية تستعمر الأرض تحول سطحها إلى صحراء جرداء حيث يمكن القول إن 90% من الأنواع البحرية و70% من الكائنات الأرضية اختفت في غضون بضعة آلاف من السنين كما أن الحشرات لم تفلت من المجزرة، إذ انقرض 30% من رتبها مُحدِّدة بذلك الانقراض الجماعي الوحيد الذي تعرضت له .
هذه الكارثة التي أحدثت تغيراً جذرياً في تطور الحياة، اُطْلِق عليها اسم الانقراض الجماعي في نهاية العصر البرمي . ولذا دعاها علماء (الأحافير)
"أُمُّ كوارث الانقراضات الجماعية" لأنها سبّبت هلاكاً مذهلاً حقاً ولكن ما سبب الكارثة؟
وفقا للباحث "نيكولاس أرنت" الجيولوجي في جامعة "جوزيف فورييه" بغرونوبل بفرنسا فإن دراسة علمية مهمة ترجح أن تكون الغازات المنبعثة من البراكين مسؤولة عن سلسلة الانقراضات الجماعية للكائنات الحية على مدى 545 مليون سنة مضت، بما في ذلك انقراض الديناصورات .
ويقول أرنت إن سلسلة الانفجارات البركانية التي شكلت منطقة "ديكان ترابس" التي أصبحت الآن الهند أطلقت كميات هائلة من الكبريت في الغلاف الجوي للأرض قبل 65 مليون سنة، ومن المرجح أن لذلك عواقب مدمرة على مناخ الأرض .
ويقول الباحث أرنت إن الدليل الشاهد على ذلك هو المدرجات السيبيرية (traps ) وهي طبقات متصلبة من اللافا (الحمم البركانية) القديمة التي يصل عددها إلى 45 مدرجاً بركانياً منفصلاً ويتراوح سمكها ما بين 400 إلى 3700 متر . وهي تكوِّن نحو 5 .1 مليون كيلومتر مكعب على الأقل وربما أكثر لأنها من الممكن أن تمتد نحو الغرب تحت صخور أحدث حتى جبال الأورال .
ويوضح التحديد الحديث بالقياس الإشعاعي لأعمار كمية اللافا في المدرجات السيبيرية أن هذه الحمم البركانية اندفعت ضمن فترة تقل عن مليون سنة وربما 600 ألف سنة فقط، وهي تمتد ما بين حدود عصري البرمي-الترياسي وحتى الجزء السفلي من الترياسي . ووجد باحثون من مركز بركلي للتأريخ الجيولوجي أن هذا التقدير يتلاءم تماماً مع الاندفاعات الأخرى الكبيرة التي رسّبت الرماد البركاني في جنوب الصين .
وخلص الباحثون إلى أن ضخامة كميات كل من غازي الكبريت والكلور المقذوفة ربما كان لها أثر خطير على البيئة آنذاك إضافة إلى ذلك فإن الكثير من التأثيرات البركانية، مثل كمية الكبريتات المقذوفة في الستراتوسفير، يصعب الاستدلال عليها من الاندفاعات التي حدثت منذ 250 مليون سنة ولذا فمن الممكن أن تكون الاندفاعات قد أسهمت في الانقراض . وثمة دليل جديد موثوق يدل على الانقراض الجماعي جاء من حقل الجيولوجيا الكيميائية ويشير هذا الدليل إلى أن كمية المواد العضوية التي دُفِنت في العصر البرمي المتأخر كانت أكبر مما دُفِن منها في الأزمنة السابقة . وعلى الرغم من أن هذا الدفن للكربون يدلنا على شيءٍ ما يتعلق بالتغيرات الجيوكيميائية في أثناء الانقراض الذي حدث في نهاية البرمي، فإنه ليس من الواضح تماماً ما هو هذا الشيء لكنه من المرجح أنه يتعلق بالانخفاض المفاجئ والمميت لمستوى سطح البحر . فلقد خرب هبوطُ مستوى البحر . ومع زيادة تعرض الرفوف القارية إلى التكشف في قارة "بانجيا" حدث على الأرجح انجراف أوسع وأكسدة للمواد العضوية والتي أنقصت نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي وزادت من نسبة ثاني أكسيد الكربون والتي ربما رطبت الكوكب ورفعت حرارته .
وعندما ارتفع مستوى البحر ثانية، ربما بعد عدة مئات من آلاف السنين على الأرجح، حدث تخريب لاحق . فمياه المحيط المرتفعة غمرت المآهل وطغت على اليابسة . ومثل هذا الطغيان قتل من دون شك الكثير من المجتمعات الشاطئية .
في العام 1980 نشر الفريق العلمي المكون من والتر الفاريز من جامعة كاليفورنيا ووالده الفيزيائي الشهير لويس الفاريز الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1968 نتائج بحثهما الذي استنتجا فيه أن نيزكاً ضخماً أو كويكباً صغيراً ارتطم بالأرض وأدى إلى انقراض معظم الأنواع الحية قبل حوالي 65 مليون سنة . ومنذ ذلك الوقت اكتشفت طبقات تسمى بشذوذ الإيريديوم (Iridium anomaly ) وأصبحت تسمى في أماكن كثيرة من العالم بهذا الاسم وظلت هذه النظرية محل شك لدى بعض الجيولوجيين لكن هذا الشك لم يفت في عضد المناصرين لنظرية نيزك الانقراض (أو قاتل الديناصورات كما أسموه) فبدأ البحث المحموم عن أي أثر يمكن أن يدل على مكان الارتطام . وبالفعل عثر هؤلاء على ضالتهم في الشاطئ الشمالي لشبه جزيرة "يوكوتان" في المكسيك حيث اكتشفت مجموعة من الجيوفيزيائيين من شركة النفط المكسيكية فوهة ضخمة على عمق يزيد على 1100 متر تحت سطح الأرض واعتقدوا آنذاك أن ذلك مجرد انخساف دائري الشكل يمثل فوهة بركانية لكن قطر تلك الفوهة الذي تراوح بين 200-300 كيلو متر أضخم بكثير من أي فوهة بركانية معروفة، جعل الباحثين في السنوات الأخيرة يبذلون جهوداً استكشافية جبّارة لإزالة الغموض حول أصل تلك الحفرة الضخمة .
ودلت نتائج الحفر العميق على أن الفوهة مملوءة بالصخور المفتتة والزجاج الطبيعي الناتج عن انصهار الصخور وتبرّدها السريع . ومثل هذه الصخور نواتج طبيعية لارتطام النيازك بسطح الأرض أما الصخور البركانية فلم تكن موجودة البتة . تلك الفوهة كانت فعلاً مكان سقوط نيزك ضخم منذ فترة زمنية بعيدة ولكن متى؟
دل تحديد العمر بالنظائر المشعة في الزجاج الصخري في تلك الفوهة أن زمن الارتطام كان فعلاً قبل 65 مليون سنة .
واكتشف بعد ذلك المزيد من حبيبات الزجاج الصخري في مناطق أخرى من البحر الكاريبي وأمريكا الشمالية على الحد الفاصل بين العصرين الطباشيري والثلاثي حيث يبدو أنها نُثرت لمسافات بعيدة نظراً لشدة الارتطام .
منذ ذلك الوقت سمي ذلك المنخفض ب(فوهة تشيكشولوب نسبة إلى المدينة الساحلية التي تقع فوق مركز الفوهة) . ويقدر العلماء حجم ذلك النيزك بحوالي 20 كم وهو من النوع الصخري وليس الحديدي نظراً لتركيز الإيريديوم العالي فيه . وتشير تقديرات العلماء إلى أن سرعته بلغت عند اصطدامه بالأرض ما يزيد على000 .100 كلم/ساعة مما أدى إلى ارتفاع المواد المقذوفة من وسط الفوهة إلى ما يزيد على ارتفاع قمة أفرست .
عصر القرش
قبل 360 مليون سنة بدأت مكونات كارثة جديدة تحل بالأرض وتمثلت باختفاء75% من الكائنات البحرية التي كانت لم تزل سائدة في العصر الديفوني الذي يعتبر رابع العصور في حقب الحياة القديمة ويلي العصر السيلوري ويليه العصر الكربوني . وامتد هذا العصر الى ما يقرب من 50 مليون سنة واشتق اسمه من منطقة ديفون بانجلترا حيث درس هذا العصر لأول مرة في هذه المنطقة .
ظهرت في هذا العصر بدائيات من الاسماك العظمية كما زادت أسماك القرش بصورة كبيرة جدا على حساب لوحيات الأدمة أو ذوات الصفائح مما حدا بالعلماء لتسمية هذا العصر باسم عصر القرش! وشهد العصري الديفوني بداية ظهور نوع جديد من المحاريات يسمى
(الأمونيتات) والتي يرجع اليها الفضل في معرفة التاريخ الجيولوجي بدقة .
استمرت الكائنات الحية التي كانت تعيش في العصر السيلوري بالبقاء في العصر الديفوني كالشعاب المرجانية وذوات القوائم الذراعية والأصداف والترايلوبيتا ولوحيات الأدمة أو ذوات الصفائح التي كانت رؤوسها وأقفاصها الصدرية مغطاة بألواح مدرعة مزودة بمفاصل، أما باقي جسمها فكان مغطى بالحراشف أو عارياً حسب النوع .
بدأت أعداد لوحيات الأدمة بالتعرض للانحدار الشديد خلال فترة انقراضات العصر الديفوني المتأخر، واختفت تماماً بحلول نهاية العصر الديفوني مع انقراض معظم الكائنات البحرية .
ويعتبر العصر الديفوني من أهم عصور الزمن الجيولوجي من حيث نوعية الأحداث الجيولوجية حيث بدأ حدوث حركات انفصالية للقارة الكبيرة "جوندوانا" وانفصلت منها سيبيريا واقتربت القارة الأوروأمريكية من جوندوانا لتكون ما يعرف بقارة "بانجي" . وفي نهاية هذا العصر انحسر الماء عن غالبية بقاع الأرض مهلكاً غالبية الأحياء المائية التي كانت تعيش في المحيط آنذاك . . وبدأت عمليات النحت والتعرية بالحدوث لتكون سطحاً من عدم التوافق مع العصر الكربوني الذي جاء بعده .
مشهد كارثي
لا شك أن المشهد بعد ارتطام النيزك بالأرض كان جهنمياً فقد اخترق غلافها الجوي خلال ثلاث ثوانٍ ليصطدم بسطحها مطلقاً كمية من الطاقة قدرها 100 مليون ميجا طن من مادة ال شخش أي ما يعادل عشرة مليارات مرة قوة انفجار قنبلة هيروشيما النووية . ارتجت الأرض بزلازل عنيفة وغمرت السواحل بمياه الأمواج الهائلة أما الفتات الملتهب المقذوف من فوهة الارتطام فقد عمّ الأرض بمطر من النار أحرق الغابات والحيوانات الكبيرة .
لم ينج بعد الساعات الأولى من الكارثة سوى الكائنات البحرية وبعض الحيوانات الصغيرة التي لجأت إلى جحورها ولكن كل ذلك لم يكن سوى البداية، فقد امتلأ الغلاف الجوي للأرض بالأدخنة السوداء الناتجة عن حرائق الغابات الهائلة والتي ربما حجبت أشعة الشمس لمدة سنة كاملة . ونتج عن ذلك عصر جليدي مصغّر أتى على أغلب الكائنات البرية التي نجت من الاحتراق .
أما في البحر فقد هلكت أغلب الطحالب نتيجة لانعدام أشعة الشمس وكان ذلك بداية للانقراض الكبير للكائنات البحرية . بعد عدة سنوات انقلبت الآية حيث انجلت سحب الدخان وبقى غاز ثاني أكسيد الكربون بكثافة عالية في الغلاف الجوي مما أدى إلى تسخين الأرض جراء الاحتباس الحراري إلى أكثر بكثير من المعدلات الطبيعية .
هذا التغيير المناخي الأخير ربما كان الضربة القاضية لبعض الكائنات التي نجت بطريقة ما من الأهوال السابقة . وفي نهاية الأمر وبعد عشرات من السنين بدأت الأرض تسترد عافيتها ولكن عهد الديناصورات ولى فقد انقرضت تماماً وحلت محلها كائنات أقدر منها على تحمّل تلك التقلّبات المناخية التي مرّت بها الأرض وبدأ بذلك عصر الثدييات .
انقرض خلال سنوات قليلة حوالي 70% من أنواع الكائنات الحية كان أشهرها الديناصورات ولم ينج من الزواحف الكبيرة سوى الأنواع المائية مثل السلاحف والتماسيح حيث كانت بمنأى عن كوارث الحرق والتجمّد الذي أعقبه .