أحمد فهمي
واكب العاشر من ديسمبر/كانون الأول، ذكرى مرور 65 عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ففي مثل هذا اليوم من العام ،1948 اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور 56 دولة، وأصدرت هذا الإعلان، بمقتضى القرار 217 أ .د-،3 بموافقة 48 دولة وامتناع 8 دول عن التصويت .
كان هذا القرار أول إجماع دولي على الواقع والمصير الإنساني الواحد، عندما أقر بعالمية حقوق الإنسان، وبحق المجتمع الدولي في صياغة هذه الحقوق، وتدبيجها في الإعلان الدولي، من دون استسلام لأي عوائق ثقافية أو موانع جغرافية أو تاريخية . وكان هذا الإعلان إيذاناً بالحق الدولي في إعادة تشكيل الدساتير والقوانين الوطنية، بما يتوافق مع هذا التوجه الدولي الجديد . إذ كانت حقوق الإنسان قبل هذا الإعلان مجرد اجتهادات محدودة، لتجارب تاريخية وجغرافية محدودة، حسب خبرة كل شعب وكل دولة، ولكن جاء الإعلان بما نص عليه من مواد ليوحد المفاهيم والمصطلحات والرؤى والمصير للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، فجمع كل التجارب والخبرات البشرية ضمن 30 مادة، استهلها بديباجة أقرت الاعتراف بالكرامة الإنسانية، والحقوق المتساوية الثابتة لجميع أعضاء الأسرة البشرية، كأساس للحرية والعدل والسلام في العالم .
وإذا كان الدين الإسلامي الحنيف، قد سبق هذا الإعلان بما يزيد على 1400 عام، في النص على المساواة والعدل بين الناس، فإن ما يحسب للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه أسس هذه الحقوق وقننها عالمياً، فنص -بكل لغات العالم- على أن الناس يولدون أحراراً متساوون في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان الحق في التمتع بكافة الحقوق والحريات، من دون أي تمييز، بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الأصل أو الثروة أو الميلاد، من دون أية تفرقة كذلك بين الرجال والنساء . كما قدم هذا الإعلان للبشرية أول نص قانوني يحظر الاسترقاق والاستعباد .
ويحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضاً أنه أول تشريع إنساني يتناول حقوق الأمومة والطفولة على المستوى العالمي، ويقر لكل البشر بالحق في التقاضي، وعدم جواز القبض أو الحجز أو النفي تعسفاً، وبأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة علنية . وبأحقية كل فرد في حرية التنقل، وعدم جواز الحرمان من الجنسية تعسفاً، أو إنكار الحق في تغييرها . كما أقر حق الرجل والمرأة في التزوج، وتأسيس أسرة، وألا يبرم عقد الزواج إلا برضا الطرفين الراغبين في الزواج رضا كاملاً لا إكراه فيه .
كما أقر الإعلان بحقوق الناس في التملك والتعليم والعمل والأجر، وحرية الرأي والتعبير والتفكير والضمير والدين، وحرية ممارسة وإقامة الشعائر واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها . وأكد الحق الجماعي للشعوب في إدارة أوطانها، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطة . وأقر الإعلان بعالمية حق اللجوء الإنساني إلى أي دولة أخرى هرباً من الاضطهاد .

مواثيق أخرى

وقد أعقبت الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتسع معاهدات دولية متخصصة، وعدد آخر من البروتوكولات المكملة . وتنوعت هذه المعاهدات لتغطي الميادين الإنسانية كافة لمواجهة أشكال التمييز العنصري، وحماية الحقوق المدنية والسياسية، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومواجهة التمييز ضد المرأة، ومناهضة التعذيب، وحماية حقوق الطفل، وحماية حقوق العمال المهاجرين، والحماية من الاختفاء القسري، وحماية حقوق ذوي الإعاقة .
وشهدت السنوات العشرين الماضية، ازدهار حركة حقوق الإنسان، مع نمو منظمات المجتمع المدني، كما أنشأت نحو 100 دولة مؤسسات لحقوق الإنسان، سعت إلى نيل الاعتراف الدولي من جانب الأمم المتحدة، وذلك بالتزامن مع تكوين المجلس الدولي لحقوق الإنسان، وبدء المحكمة جنائية دولية مهامها .
وهكذا قدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتوابعه، إطاراً نظرياً جامعاً وشاملاً للحقوق والحريات الأساسية الفردية والجماعية . وكان من المفترض أن تكون حقوق الإنسان مصانة عملياً بعد 65 عاماً من صدور الإعلان، إلا أن هذا لم يحدث بالكيفية والطموح المنشودين، فلا يزال واقع حقوق الإنسان مؤلماً وسوداوياً في كثير من دول العالم .
وتقر بهذا الواقع السوداوي المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في المجال، ومنها منظمة العفو الدولية، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، بل والأمم المتحدة ذاتها . فقد أقرت نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في كلمة لها أمام مجلس العموم البريطاني في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأن الأمور كلها ليست على ما يرام . فالجهود الدولية لم تنجح بعد في جعل حقوق الإنسان مضمونة عالمياً، أو موضع احترام، حتى من الدول المصدقة على الإعلان وعلى الاتفاقيات .
وتتنوع الانتهاكات لتشمل الدول المتقدمة، ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية لعام ،2012 فإن المفوضية الأوروبية لم تضع بعد التشريعات المتعلقة بالتمييز العرقي موضع التنفيذ، رغم استمرار الخروق على المستويين الوطني والأوروبي العام . وتكشف المنظمة أن العديد من الحكومات الأوروبية تواطأت مع وكالة الاستخبارات الأمريكية في الترحيل والاعتقال السري، كما أسهمت سياساتها وممارساتها في مكافحة الإرهاب في تقويض ضمانات حماية حقوق الإنسان، خاصة في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة .
وفي عدد من دول آسيا لا تزال العديد من الشعوب تعاني القمع بحق المعارضة (الصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وتايلاند)، ووضع قيود على حرية الإعلام (ماليزيا والهند وباكستان)، والتمييز ضد الأقليات (الصين والهند وباكستان)، والعنف المذهبي (باكستان وأفغانستان والعراق)، مما أدى لحدوث عنف مسلح وعمليات تمرد لدى الأقليات، ووسط ذلك انتشرت ظاهرة الإفلات من العدالة .
وفي إفريقيا أدى القمع السياسي إلى احتجاجات (السودان وأوغندا أنغولا وبوركينا فاسو وغينيا وليبيريا ومالي وموريتانيا، ونيجيريا والسنغال وسيراليون وجنوب السودان)، ما أسفر عن سقوط كثير من الضحايا . وتشهد القارة صراعات مسلحة، أدت لنزوح مئات الآلاف من السكان، وتعرض اللاجئين للتمييز . كما يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون والسياسيون للاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل .
وتعد القارة الأمريكية الجنوبية في المجمل هي الوحيدة التي شهدت تحسناً خلال العام ،2012 وإن كان بطيئاً، فتم وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب التي كانت شائعة بدولها، بينما استمرت انتهاكات قوات الأمن تحت مبررات الخوف من الجريمة، كما عجز كثير من دول المنطقة عن حماية النساء والفتيات من الاغتصاب والتهديد والقتل .

القضية الفلسطينية

وتبقى قضية فلسطين شاهدة على الفشل المطلق للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في إنصاف الشعب الفلسطيني، حيث يشكل الاحتلال أكبر جريمة ضد الإنسانية وضد حقوق الإنسان، بكل ما يستجلبه من انتهاكات وجرائم بحق الإنسانية، فقطاع غزة لا يزال محاصراً للسنة الخامسة على التوالي، والحصار في جوهره حالة منهجية مستمرة من العقوبة الجماعية، مما يشكل انتهاكاً واضحاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، على حد ذكر المنظمة العربية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2013 . وفي الضفة الغربية تواصل قوات الاحتلال "الإسرائيلي" سياسة العزل عبر جدار الفصل العنصري، على حساب السكان والأراضي الفلسطينية، مما يزيد القيود على حركة وحقوق الفلسطينيين، ويفاقم المعاناة الفلسطينية في الضفة وغزة ما بين الحصار والجدار .
ويوماً بعد يوم تتوسع "إسرائيل" في ارتكاب المزيد من الجرائم الاستيطانية في أراضي الضفة، واقترفت "إسرائيل" مزيداً من تصعيد جرائم القتل العمد، وانتهاك الحق في الحياة والسلامة الشخصية، في ظل التعذيب المنهجي بحق الأسرى .

أسباب الفشل

ويعود الفشل الدولي في حماية حقوق الإنسان إلى أسباب متعددة:
* أولاً: العوامل التاريخية: فقد صدر الإعلان وسط صراع دولي حاد، امتنعت فيه دول الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفييتي عن التوقيع، حيث رأته معبّراً عن قيم الفردية الغربية، أكثر من قيمها الجماعية، إلى جانب الخشية من التدخلات الدولية في شؤونها، ومن إخضاع حقوق الإنسان للتوازنات والتحالفات الدولية، بأكثر من التجريد القانوني المطلوب .
* ثانياً: الأزمة البنيوية: أدت حدة الصراع الدولي إلى تعطيل قدرة الأمم المتحدة على إنشاء مؤسسات فاعلة قادرة على إلزام الدول بالمبادئ المتضمنة في الإعلان، كما أدت كذلك إلى تغييب آليات المحاسبة على الانتهاكات، وكذلك العجز عن إنزال عقوبات ملزمة بأي دولة تمتنع عن التنفيذ أو تخالف هذه المبادئ . وعلى الرغم من إنشاء المجلس الدولي لحقوق الإنسان، الذي حل في مارس/آذار ،2006 محل لجنة حقوق الإنسان، فإن المجلس لا يزال عاجزاً عن التصدي لكثير من الانتهاكات لذات الأسباب، وظهر هذا جلياً في أزمات: سوريا وميانمار والصومال ومالي .
* ثالثاً: التوظيف السياسي: منذ أن ظهر الإعلان الدولي لحقوق الإنسان حرص الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية على توظيف حقوق الإنسان في التشهير بالخصوم الدوليين مثل الصين وروسيا، وكذلك توظيفه للتدخل في شؤون الدول، بعيداً عن المبادئ المجردة والمثل العليا لحقوق الإنسان، فبينما كانت واشنطن تغطي على جرائم "إسرائيل" بحق الفلسطينيين، وتبررها دولياً على مدى 65 عاماً، فإنها استخدمت الذرائع نفسها لمعاقبة دول أخرى .
* رابعاً: تناقض المصالح: صدر الإعلان العالمي كي يحمي حقوق الأفراد من طغيان الدول، فعدته بعضها قيداً عليها، خاصة الديكتاتورية منها، فناصبته العداء على مستوى التشريع والتطبيق، مستغلة عدم وجود قوة جبرية ملزمة . وعلى الرغم من تشكيل المحكمة الجنائية الدولية كقوة ردع للجرائم ضد الإنسانية، فإن قيود عدم التصديق عليها تحد من قدرة المحكمة كقوة ردع دولية .
* خامساً: الفهم الفئوي: وفي هذا لا تعد الحكومات وحدها هي مصدر الخطر، وإنما بعض النخب الوطنية كذلك، لأنها تعلي من شأن حرية التعبير على حساب بقية الحقوق، ومن ثم فرطت في المحتوى الاجتماعي، مما أهدر الكثير من الحقوق العامة كالتعليم والصحة والتوظيف وغيرها، وبالتالي فقد العامة إيمانهم بواقعية الإعلان العالمي . ويمكن القول إن ذلك ينطبق أيضاً على عدد من المنظمات الوطنية العاملة في حقوق الإنسان، خاصة تلك التي تمول من وراء الحدود، لأن كثيراً منها سقطت في هوة التوظيف الدولي لحقوق الإنسان، وسقطت كذلك في تناقض ثقافي مع مجتمعاتها، عندما تبنت في كثير من الأحيان المفاهيم الغربية لحقوق الإنسان . وعلى الرغم من أن مؤسسات وهيئات وأطر حقوق الإنسان على المستوى الدولي تثير الغضب من البطء والعجز عن تحقيق الأهداف، فإن الفكر الإنساني لم ينتج بعد البديل المناسب .

* باحث مصري