وأوضحت الدراسة التي حصل بها الباحث «محمد خليل» على درجة الماجستير أن 92% من الجماهير التي تتعامل مع أجهزة حكومية لديها قناعة بأن تقديم المال والهدايا يسهل إنجاز أعمالهم ويقضي لهم مصالحهم، ولذلك يقدمون المال والهدايا العينية مضطرين لسرعة إنجاز الأعمال ويعتقدون أنهم خارج إطار المساءلة الشرعية والقانونية!!
هذه المفاهيم الخاطئة وتلك الأوراق المختلطة تحتاج إلى توضيح وتدقيق لوضع الخطوط الفاصلة بين «الهدية» المرغوبة شرعاً و«الرشوة» المجرمة بالشرع والقانون.. وهذا ما حاولنا أن نفعله من خلال نخبة من كبار العلماء، حيث طرحنا عليهم تساؤلات مهمة أبرزها: هل حظر الإسلام تقديم هدايا للموظفين على اختلاف مستوياتهم الوظيفية؟ وهل يجوز لمسؤول أن يتلقى هدية؟ وما الخطوط الفاصلة بين الرشوة والهدية في المنظور الإسلامي؟ ومتى يتقي المسلم الشبهات ويرفض قبول هدايا حرصاً على دينه وسمعته بين الناس؟
العالم الأزهري، د. أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد بداية أن نتائج هذه الدراسة متوقعة في ظل الخلط الفاضح بين الحلال والحرام في عقول كثير من الناس وبحث من يستحلون الحرام عن مبررات واهية تبرر لهم ما يأكلون من سحت.
ويوضح د. هاشم أن الإسلام لم يجرم التهادي «البريء» بين الناس بل يحث عليه ويدعمه، وهو يستهدف من وراء ذلك إشاعة روح المودة والمحبة بينهم، ولذلك يؤيد الإسلام ويساند ويدعم كل وسيلة تحقق هذا التفاهم وتزيد من مساحة الوئام والتوافق بين كل أفراد المجتمع من مسلمين وغير مسلمين.
توجيه نبوي
ويضيف: لا شك أن من أبرز وسائل التقارب والتآلف بين الناس «الهدية» فلها فعل السحر في النفوس، وترسي مبادئ الألفة والتواصل بينهم.. ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يقبل الهدية ويثيب عليها» وفي هذا توجيه نبوي كريم بضرورة قبول الهدية الخالصة لوجه الله، والبعيدة كل البعد عن شبهة الرشوة، وذلك احتراماً لمشاعر من يقدمها، وحرصاً على حسن العلاقة معه.. والأمر لا يقتصر هنا على قبول الهدية بل جاء الحديث الصحيح ليوضح لنا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه من كان يقدم له هدية، حيث كان يكافئه على هديته، والدافع إلى هذا السلوك النبيل واضح وهو أن تظل أسباب المودة موصولة بين الناس.
ويشير عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى أن الحكمة السامية التي ينشدها الإسلام من التهادي تظهر في إزالة الغل والضغينة والتأليف بين القلوب وغرس المحبة، ومواجهة رذيلة الشح التي ابتلي بها كثير من الناس.
وقد وجهنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى تقديم الصدقة على شكل هدية احتراماً لمشاعر من نتصدق عليهم، فواجب المسلم أن يحافظ على مشاعر الناس حتى ولو كانوا فقراء يحتاجون الصدقة.. ولذلك يدين الإسلام سلوك هؤلاء الذين يؤذون الفقراء بكلمات أو سلوكيات أو ردود أفعال على إلحاحهم وتطفلهم ومطاردتهم.. فإما أن يعطيهم المسلم ما يطلبونه من صدقة أو مساعدة من دون تجريح أو إهانة، أو ينصرف عنهم من دون أن يؤذي مشاعرهم.
الهدية البريئة
وما دامت الهدية بريئة ولا يستهدف صاحبها أية مصلحة من ورائها فمن واجب المسلم - كما يقول د. هاشم - قبولها لأن رفضها يعني إيذاء مشاعر من يقدمها، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراع إحدى رجلي الحيوان الأماميتين أو إلى كراع وهو ما دون الركبة من الساق لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت».
ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يعلمنا بذلك سلوكاً حضارياً ينبغي أن يحرص عليه كل مسلم، لأن إجابة دعوة من يدعونا إلى شيء على سبيل الهبة أو الهدية أمر يجبر القلوب ويغرس أسباب المودة والألفة بين الناس.. لكن الهدية التي يحثنا على قبولها رسول الله صلى الله عليه وسلم- كما يقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- هي الهدية المعهودة بين المسلم وأصحابه أو أصدقائه أو زملاء العمل أو الجيران، التي يتقدم بها المسلم لأخيه المسلم وهدفها زيادة مساحة المودة والتآلف لا غير.. أما الهدايا الأخرى التي يصطنع تقديمها بعض أصحاب الأغراض وصولاً لمآربهم الشخصية فتلك محرمة تحريماً قاطعاً لأن هدفها واضح حتى ولو كان المسلم صاحب حق فيما يطلبه، وذلك لأنه يريد الحصول على حقه بأسلوب محرم وهو تقديم رشوة لموظف عام تشجعه على أكل الحرام.
خطوط فاصلة
ويتحدث الفقيه الأزهري د. محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: عن كيفية التفريق بين الهدايا «النظيفة» الخالصة لوجه الله التي يقدمها الإنسان طمعاً في المودة والرحمة وحسن العلاقة مع خلق الله.. وبين الرشوة المغلفة برداء الهدية فيقول: الإسلام وضع خطوطاً فاصلة بين الهدية المرغوبة شرعاً لتأليف القلوب وتعميق التواصل الإنساني والاجتماعي بين الناس، والرشوة المحرمة شرعاً لأنها تستهدف إهدار حقوق آخرين أو عدواناً على المال العام.. فكل مسؤول يمتلك قرارات وفي يده صلاحيات لا ينبغي له أن يتقبل هدية إلا من أهله وأقاربه وتكون في مناسبات اجتماعية تعارف الناس على تبادل الهدايا فيها.
ويضيف: فقهاء الإسلام تحدثوا بالتفصيل عن الفرق بين الرشوة والهدية، وأوضحوا الحالات التي يجوز فيها لإنسان أن يتقبل هدية، أي أن الفرق بين الحالتين واضح إلا أن المرتشين يتجاهلونه، وملخص ذلك كله هو أنه لا يجوز لحاكم أو قاض أو مسؤول أن يتلقى هدية حتى يجرد قراراته وأحكامه من الهوى الشخصي والمصالح الشخصية، حتى ولو كان يثق في نزاهته وعدالة أحكامه.
خلط عجيب
ويرى عضو هيئة كبار العلماء أن نتائج هذه الدراسة طبيعية خاصة في ظل الخلط العجيب بين الحلال والحرام، فهناك تعاملات عديدة محرمة بين الناس وهي من كثرة شيوعها أصبحت ثقافة راسخة ولابد من مواجهتها بتعاليم الإسلام الصحيحة، لأن معظم ما يقدم للناس الآن من عطايا يدخل في باب الرشوة المحرمة لأنها تستهدف تقديم منفعة، وليست هدايا خالصة.
ويقول د. عثمان إن المواجهة هنا لا ينبغي أن تقتصر على ردع المتعاطين للرشوة بل يجب أن نقف جميعاً في وجه الطامعين الراشين الذين يستهدفون تحقيق مصالحهم وتحقيق أهدافهم بكل الوسائل.. فالرشوة التي تأخذ شكل الهدية آفة خطيرة وهي من الرذائل التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكم ضاعت حقوق وأهدرت أموال عامة وتأخرت مصالح أناس أو توقفت نتيجة انتشار هذا الوباء.
نتائج صادمة
أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، د. يوسف إبراهيم، يؤكد من جانبه أن نتائج هذه الدراسة صادمة، لأنها تؤكد مدى شيوع ثقافة الرشوة واستحلال الحرام في كثير من بلادنا العربية والإسلامية، ويطالب بتشريعات رادعة لمواجهة كل صور الفساد المالي والإداري والأخلاقي في بلادنا العربية والإسلامية.
ويضيف: معظم هؤلاء الذين يستحلون الحصول على رشاوى في صورة هدية أو إكراميات أو غير ذلك يعلمون أنها محرمة أو على الأقل تحمل شبهة حرام، ومع ذلك تزينها شياطين الجن والإنس لهم.
وعن الفرق بين الهدية والرشوة يقول أستاذ الاقتصاد الإسلامي بالأزهر: هناك خيوط دقيقة تفصل بين الهدية والرشوة، والعبرة فيها بالنوايا، لكن لو اختلطت الأمور في نفس المسلم فإن واجب المسلم - موظفاً كان أو مواطناً صاحب مصلحة - أن يتقي الشبهات، ويتجنب كل ما فيه شبهة فساد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «...فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».
ويعرفنا د. يوسف بحقيقة الرشوة فيقول: الرشوة عرفها الفقهاء بأنها «بذل المال للتوصل به إلى باطل إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه أو بإعفائه من حق هو واجب عليه». ويضيف: تترتب على الرشوة أضرار كثيرة أبرزها: أكل أموال الناس بالباطل، فالمرتشي يحصل على مكسب حرام، والراشي يحقق مصلحة من وراء تقديم المال أو الرشوة العينية، ومن المؤسف أن تتعدد وتتنوع الرشاوى في هذا العصر، فنحن نقرأ ونسمع عن الرشاوى الجنسية، ومن المخجل أن تكون الرشوة رحلة حج أو عمرة.. فهذا الأمر المؤسف يؤكد مدى ضعف نفوس وسذاجة بعض المرتشين والراشين.
تحريم قاطع
ويوضح د. يوسف أن الشريعة الإسلامية حرمت الرشوة تحريماً قاطعاً ولا يجوز لمسلم أن «يتحايل» على الحرام أوأن يفسره على هواه أو كما يزين له شيطانه، والنص القرآني في تحريم الرشوة واضح وهو قول الله تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون».. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها من الكبائر، والكبيرة ما ورد فيها لعن من الله أو من رسوله، وحرمة الرشوة - كما صنفها الفقهاء - من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ولا تحتاج إلى كثرة استدلال أو بينة، بل إنها محرمة في كل دين، والذي يقبل على نفسه أخذ الرشوة فإنما يقبل على نفسه أخذ المال الحرام وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيب المطعم من شروط استجابة الدعاء فقال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء».
مصيبة أخلاقية
وينتهي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر إلى التأكيد أن الرشوة من المصائب والرذائل الاقتصادية والأخلاقية التي ابتليت بها كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ويجب على المجتمع كله مواجهتها، ولا فرق هناك بين رشوة ضخمة ورشوة بسيطة، فالمصائب التي ابتليت بها اقتصاداتنا العربية تأتي من التهاون مع تجاوزات صغار الموظفين، حيث تكبر جريمة الرشوة معهم ويتحول الصغار إلى «حيتان» مع مرور الأيام.
ويطالب أستاذ الاقتصاد الإسلامي بضرورة تطبيق القانون المجرم لكل صور الرشوة على الجميع.. ويقول: تذكروا تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمييز بين الفاسدين في تطبيق القانون، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنما هلك الذين من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
حجج مرفوضة
ويوضح د. علي جمعة مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء موقف الشرع مما يردده بعض الناس من أنهم يقدمون رشاوى مضطرين للحصول على حقوقهم وليس حقوق الآخرين قائلاً: هذه مبررات واهية وحجج غير مقبولة، فالقانون ينصف كل صاحب حق، ولكن الناس تعودت على أقصر الطرق، ولو أن كل صاحب حق دافع عن حقه وحصل عليه بالقانون لكان في ذلك خير رادع للمرتشين الذين ينتشرون في كل مكان.
ويضيف: الإسلام يرفض أن يقضي المسلم مصالحه المشروعة بوسيلة محرمة، ومثل من يبرر لنفسه ذلك كرجل له مال عند إنسان وبدلاً من مطالبته بحقه يذهب ليلاً ليسرقه. إن الحصول على الحقوق له طريق واضح الحقوق واضح وهو المطالبة بها والإصرار على اكتسابها وليس اغتصابها.
وهنا ينبه مفتي مصر السابق على عدم استخدام القاعدة الشرعية (الضرورات تبيح المحظورات) إلا في أضيق الحدود.. ويقول: مراعاة لاكتساب الحقوق والمصالح والالتزامات بصورة عادلة أجاز بعض الفقهاء لمن تعطلت مصالحه ولم يجد نصيراً له يساعده على استرداد الحق أن يقدم الرشوة للفاسق الذي يطلبها ارتكاباً لأخف الضررين ودفعاً لأشد المفسدتين.
لكن هذا الاستثناء ينبغي أن يكون في أضيق الحدود.. والضرورة هنا يقدرها العلماء ولا يقدرها كل إنسان لنفسه، لأن نفس الإنسان أمارة بالسوء والشيطان يزين للإنسان ما حرمه الله ورسوله.