تسعى إيران منذ اندلاع ثورة «الخميني» عام 1979 إلى تنفيذ استراتيجيتها التوسعية عبر إحياء «وهم» الإمبراطورية، مستخدمة في ذلك سلاح الطائفية، الذي وظفت به العديد من الميليشيات، بعد تدريبها وتمويلها مالياً وعسكرياً، كأدوات رئيسية لسياستها ومؤامراتها في المنطقة، كما سعت إيران إلى توظيف الحرب على الإرهاب لترسخ نفوذها في العراق وسوريا لتغيير صورتها من دولة داعمة للإرهاب إلى شريك في مجابهته.
.. هذا التوجه الإيراني بدأ بتشكيل الحرس الثوري من مقاتلين شاركوا في الحرب العراقية - الإيرانية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ممن اكتسبوا خبرات قتالية، حتى أصبح هذا الحرس قوة عسكرية موازية للجيش النظامي والشرطة، كما أصبح المتحكم في القرار الأمني والاقتصادي، وله اليد الطولى في الخارج لتنفيذ مطامع إيران.
وبرز من هذا الحرس «فيلق القدس» الذي يقوده الآن اللواء قاسم سليماني، ومنوط به تنفيذ العمليات الخارجية، في لبنان مع حزب الله، والعراق مع ميليشيات الحشد الشعبي، وسوريا الفصائل الشعبية، وفي اليمن مع جماعة «الحوثي».
ويعد الحرس الثوري، وفق المحللين والخبراء، هو المسؤول عن التخطيط لحروب العصابات والتحركات العسكرية غير التقليدية في خارج إيران، ويستخدم لذلك واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية، لتغطية نشاطه الخارجي.
وأشاروا إلى أن نجاح إيران في تأسيس حزب الله اللبناني في ثمانينيات القرن الماضي وتوظيفه سياسياً، جعلها تركز على إنشاء ميليشيات عسكرية شعبية في العديد من دول المنطقة، كأداة لتنفيذ أهدافها ومخططاتها في الدول التي تستهدفها.
كما سعت إيران إلى استنساخ تجربة حزب الله في لبنان بمنطقة الخليج العربي، حيث دعمت الجبهة الإسلامية لتحرير مملكة البحرين، والتي اتخذت من طهران مقراً لها، وقامت بعمليات تخريبية ما بين عامي 1994 - 1996، وعملت في منتصف الثمانينيات على إنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، وأسمته وقتذاك بـ«حزب الله الحجاز»، ليتولى العمليات الإرهابية في السعودية بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، وبث الفتنة في المملكة، خاصة في موسم الحج، من خلال افتعال المظاهرات بغرض القتل والتخريب، كما امتدت يد إيران إلى الكويت بإنشائها «حزب الله الكويت»، الذي اتخذ العديد من الأسماء الوهمية له مثل «طلائع تغيير النظام للجمهورية» و«صوت الشعب الكويتي الحر»، و«منظمة الجهاد الإسلامي»، و«قوات المنظمة الثورية في الكويت».
وبدأ التدخل في سوريا مع الأزمة الداخلية السورية، عبر تقديم الدعم اللوجستي والمادي لنظام بشار الأسد، وبعض الميليشيات والتجمعات الطائفية الموالية لها، ومع استمرار الأزمة وتصاعدها وتعقيداتها، دفعت إيران الميليشيات الموالية لها إلى أتون الصراع المسلح للسيطرة على سوريا، حيث اعتبرت أن بقاء «الأسد» ضمان لمصالحها الإقليمية، فدعمت الأسد في عام 2014 بأكثر من 15 مليار دولار، فضلاً عن مشاركة قوات خاصة إيرانية، وميليشيات حزب الله، وميليشيات عراقية، في الصراع المسلح في سوريا.
وأكد المحللون والخبراء أن أحداث اليمن كشفت بما لا يدع مجالاً للشك عن الأطماع الإيرانية في المنطقة، ودفعها نحو إحداث الفوضى وعدم الاستقرار، فضلاً عن تنفيذ استراتيجيتها للتحكم في مضيق باب المندب، وسواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان فإن إيران تخطط بشكل منهجي لتعليم مذاهبها ونشر أفكارها من خلال المعاهد والمدارس التي تنشئها لتحقيق أهدافها وفي مقدمتها تخريب الدول العربية واستعادة وهم الإمبراطورية.

إيران تزرع ألغام الفتنة وتشوّه عقول الأطفال بأفكار متطرفة

الحوثيون ذراع طهران لتدمير اليمن شعباً وحضارة

صنعاء: «الخليج»

في نهاية شهر يناير/كانون الثاني من العام المنصرم احتجزت الأجهزة الأمنية بمنفذ «شحن» بمحافظة المهرة الحدودية شرق اليمن شحنة كتب إيرانية تروج للمذهب «الاثنا عشري»، كانت في طريقها إلى ميليشيا الحوثي الانقلابية بصنعاء، في واقعة لم تكن الأولى من نوعها، وقطعاً ليست الأخيرة لكنها تمثل جزءا من مشهد التعبئة والشحن الفكري الطائفي الذي دأبت إيران على ممارسته بشكل سافر في اليمن، منذ وقت مبكر، لانسلاخ ما يسمى بتنظيم الشباب المؤمن عن حزب الحق ذي التوجه الشيعي بمحافظة صعدة، وتأسيس جماعة الحوثي بزعامة حسين بدر الدين الحوثي الذي قتل في 10 سبتمبر/أيلول 2004م.
في مطلع العام 1994م شهد عدد من القرى الجبلية الموزعة بين منطقة «مران» مسقط رأس زعيم جماعة الحوثي الراحل والراهن وجبال الرزامات، بمحافظة صعدة الظهور الأول لشعار «الصرخة» بنسخته العربية، كترجمة حرفية لشعار ما يسمى بالثورة الإسلامية التي تزعمها «الخميني» للإطاحة بنظام شاه إيران، قبيل أن يطرأ تطور دراماتيكي لافت، تمثل في انتقال ذات الشعار الذي يتضمن عبارات متطرفة تختزل ثقافة العنف والموت في قالب من التحايل اللغوي لاكتساب زخم شعبي وحشد التأييد لحركة فكرية ناشئة، تتبنى توجهات معادية لما دأبت أدبيات الجماعة المتمردة المقتبسة من على وصفه بـ«الشيطان الأكبر» أمريكا وربيبتها «إسرائيل».
واعتبر الباحث في تاريخ الجماعات المتطرفة في اليمن عبد الباري لطف الحزورة أن التحول الخطير في مسار أنشطة جماعة الحوثي من حركة فكرية، تتبنى توجهاً مذهبياً يتماهى مع التوجهات المذهبية الإيرانية، إلى ميليشيا مسلحة تستخدم السلاح ولغة القوة لفرض توسعها الجغرافي ونشر توجهها العقائدي، الذي لا يحظى سوى بدعم وتأييد محدود من تجمعات قبلية، غير مؤثرة مثل تتويجا لسنوات سابقة من التعبئة والشحن الطائفي الذي مارسته إيران في جبال صعدة وتمكنت من خلاله من خلق ذراع عسكرية لها في اليمن، كجزء من مخططها التوسعي الهادف إلى استعادة نفوذ الإمبراطورية الفارسية وزعزعة استقرار دول الجوار وبخاصة السعودية.
وأشار إلى أن اليمن مثلت جزءا لا يتجزأ من خريطة التمدد الإيراني الطموحة في المنطقة، والتي اعتمدت بشكل محوري على مخطط مدروس يستهدف نشر الفتنة والعنف الطائفي كوسيلة لخلق بيئة مواتية لتقويض الدول من الداخل وإشاعة الفوضى والفرقة وثقافة الكراهية بين المكونات المجتمعية، وصولا إلى الدفع بخيارات قسرية من قبيل الرضوخ لهيمنة سلطة الأمر الواقع الموالية لنظام «الملالي» المتطرف، وتقديم كافة أوجه الدعم والإسناد السياسي والعسكري واللوجستي والإغاثي والإعلامي لتعزيز سيطرة وحضور الميليشيا في مفردات المعادلة الطارئة والناشئة كنتاج لتقويض مؤسسات الدولة والتغير في توجهات الثقافة المجتمعية السائدة.

الدعم السياسي للحوثيين

في الثامن عشر من أكتوبر/‏‏تشرين الأول 2014م وبعد اقل من شهر على سيطرة الحوثيين بدعم من الرئيس الراحل علي عبدالله صالح على العاصمة اليمنية صنعاء، حضر الأمين العام للمجمع العالمي للصحوة الإسلامية الإيراني، علي أكبر ولايتي، ملتقى علماء الزيدية في اليمن، الذي عقد بطهران، ليعلن بشكل صريح في كلمة له أن إيران «تدعم النضال العادل لأنصار الله في اليمن»، معربا عن أمله «في أن تقوم حركة أنصار الله في اليمن بالدور نفسه الذي يقوم به حزب الله في لبنان»، والمتمثل في تعطيل الحياة السياسية وافتعال الأزمات المتعاقبة لإعاقة مسار الاستقرار السياسي.
كما سارعت إيران إلى تقديم الإسناد السياسي لجماعة الحوثي المتمردة، عقب نجاح الأخيرة بدعم من الرئيس الراحل «صالح» في اجتياح العاصمة اليمنية صنعاء، 21 سبتمبر/‏‏أيلول 2014م، وتقويض مؤسسات الدولة، ليظهر نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والإفريقية «حسين أمير عبداللهيان»، عبر وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية في 22 فبراير/‏‏شباط 2015م أي بعد يوم واحد فقط من فرار الرئيس الشرعي للبلاد عبدربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن ـ بعد فترة احتجاز قسري من قبل الميليشيا بمنزله ـ بتصريح سافر اعتبر فيه أن حركة أنصار الله في اليمن تتحرك في ثلاث جبهات، هي مكافحة الفساد، ومحاربة الإرهاب، واستكمال العملية السياسية، وهي خطوات مهمة في طريق السلام والاستقرار، وفي التعاطي مع الأطراف اليمنية ودول المنطقة، على حد تعبيره.
كما لم تتردد إيران في إعلان استمرار دعمها لجماعة الحوثي عقب انطلاق عملية عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية في اليمن بقيادة السعودية والإمارات في 26 مارس/‏‏آذار 2015م، حيث أكد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي في 6 أبريل/‏‏نيسان 2015م أن إيران ستواصل مساعيها بالتعاون مع الدول الصديقة لوقف العدوان على اليمن، مشيراً إلى أن كل الاحتمالات مطروحة في حال استمرار الحرب، قبيل أن يبادر لاريجاني في 22 أبريل من ذات العام، وبعد يوم واحد من إعلان اختتام المرحلة الأولى من عاصفة الحزم، بشن هجوم حاد على السعودية ويكشف عن دعم إيراني صريح قدم للميليشيا الانقلابية لتتمكن من السيطرة على عدد من المحافظات اليمنية».
من جهته اعتبر اللواء «قاسم سليماني» قائد فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري في سبتمبر 2015م أن جماعة الحوثي تمثل «حركة وتياراً شعبياً واكبه الكثير من أبناء الشعب اليمني»، فيما أكد نائب القائد العام للحرس الثوري، العميد «حسين سلامي» في نوفمبر/‏‏تشرين الثاني من العام ذاته، أنه «ببركة الثورة الإسلامية الإيرانية وبثها روح الجهاد، يواصل أنصار الله الحرب في اليمن».

الدعم بالسلاح
أكد تقرير سري قدم من قبل خبراء في الأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن الدولي في مايو 2015م، أن إيران تواصل تقديم أسلحة إلى الحوثيين في اليمن منذ العام 2009م على الأقل، وأن «حادثة السفينة الإيرانية جيهان 1، والتي ضبطتها الحكومة اليمنية في يناير/‏‏كانون الثاني 2013م، وهي محملة بالأسلحة والمتفجرات في طريقها لجماعة الحوثي، لا تمثل إلا ما نجحت الحكومة في ضبطه».
واعتبرت المصادر أن تعزيز القدرات التسليحية للحوثيين يمثل جزءا محوريا من مخطط إيران التوسعي القائم على خلق أذرع عسكرية تابعة للنظام الإيراني في دول كسوريا والعراق واليمن ولبنان، لاستخدامها كأدوات لتحقيق الطموحات الإيرانية باستعادة نفوذ الامبراطورية الفارسية، مشيرة إلى أن تقوية نفوذ وقدرات الحوثيين التسليحية في اليمن يمثل قوة الدفع اللازمة لضمان نجاح مخطط تقويض الدولة ونشر العنف الطائفي.


أسست مدارس مذهبية وسيطرت على مواقع دينية

إيران خططت لتدمير لبنان.. وتحاول تفتيت سوريا

ماهر عريف:«الخليج»

لم يكن الإعلان، مطلع العام الحالي، عن موافقة النظام السوري على مقترح إيراني بفتح فروع لجامعة إيرانية في دمشق غير إجراء إضافي جديد لمخطط طهران؛ بنشر مذهبها الطائفي؛ بحثاً عن وهم «إمبراطورية» وجودها في المنطقة؛ من خلال تفتيت جوانب سكانية وإعادة تشكيلها ديموغرافياً؛ عبر فتنة واسعة.
عشرات المعاهد افتتحت في السنوات الأخيرة في سوريا، تُدرّس «التشيّع» على الطريقة الإيرانية، وجاءت الجامعة الجديدة في قالب أوسع هذه المرة تحت ترخيص أكاديمي يمنح درجات عُليا تصل حتى الدكتوراه في تخصص أُعلن عنه تحديداً في دمشق دون فروع أخرى في دول عربية للجامعة نفسها، يرتكز بوضوح على «اللغة الفارسية والثقافة الشيعية».
«طهران لا تريد حلاً سلمياً ينهي الأزمة السورية»؛ لأن ذلك حسب إبراهيم الشوابكة أستاذ العلاقات الاستراتيجية وعضو مركز «تكوين» المتخصص في دراسة الجماعات والتوجهات الدينية المتطرفة، يعطّل توسع نشر الفتن المذهبية والسيطرة بالكامل على مواقع وأضرحة دينية، وفتح المزيد من دور الممارسات الطائفية على غرار المتبعة في إيران.
ويشير الشوابكة إلى كتاب أعدّه الباحث السوري عبد الرحمن الحاج بعنوان: «البعث الشيعي في سوريا» صدر عام 2009 يلخص البعد الديني المذهبي وطقوساً طائفية أظهرت مساعي توغلها في الشام منذ خمسينات القرن الماضي.
ويقول: وصول «الملالي» إلى حكم إيران عام 1979 جعل العلاقة ملتبسة؛ لكنها غير منقطعة مع النظام السوري حينها حتى أحدث انتهاء حرب الخليج عام 1991 وموت الخميني انعطافة كبرى في تمدد النشاط الشيعي داخل المدن السورية، وإلقاء الدروس والمحاضرات؛ بناء على لعبة توازنات ومصالح سياسية متبادلة، وظهرت شخصيات تنتسب إلى «حزب الله» مدعومة من إيران في «حوزة السيدة زينب» في سوريا، وتحوّلت في جزء منها إلى مكتب للفتاوى.
على مدار سنوات لاحقة انتشرت حركة الطائفة الدينية في القرى والأرياف السورية، وأُعيدَ تأسيس «مقامات» وفقاً للطابع المذهبي الإيراني؛ مثل: «السيدة رقية» و«حجر بن عدي» وأصبح ظهور «التبشيريين الإيرانيين» على شاشة التلفاز السوري اعتيادياً، ووصل تلامذتهم بدعم رسمي أو على الأقل عدم صدّهم إلى قرى صغيرة.
ويرصد الشوابكة تدفق أموال إيرانية وقيام مرجعيات شيعية معروفة بجولات واسعة في مدن سورية، وعقد ندوات مكثفة بعد منتصف تسعينات القرن الماضي، وصاحب ذلك تأسيس ست «حوزات علمية دينية» خلال أقل من خمس سنوات، وأصبحت مدينة «السيدة زينب» مثلاً في سوريا مطلع الألفية تشبه على صورة مصغرة «قُم» الإيرانية.
تزامناً مع ذلك، اكتسح الوجود الطائفي الديني الإيراني المناطق المحيطة بالمقامات على اختلافها؛ من خلال إعادة توزيع «الجذور السكانية» ضمن مشروع «هندسة التخطيط العمراني»، وفتح ذلك المجال على مصراعيه أمام عمليات تنقيب إيرانية تحت شعار البحث عن «مقامات دينية»، وإحياء شعائر ذات صلة، وأقيمت مدرسة قرب مقام «السيدة رقية» بعد تخريب بيوت مجاورة؛ من أجل تخريج أفواج مذهبية، وشهدت مدينة داريا في الغوطة الغربية تبدلاً عقائدياً توشّح بلافتات تشير إلى تشييد مقام حديث حمل اسم «سكينة بنت علي» لم تذكر مصادر التاريخ وجوداً له أساساً في المنطقة، وكذلك المقام الذي شيّد باسم «محسن بن الحسين» في حلب.
هذه المقامات كما يؤكد الشوابكة استناداً إلى دراسات متخصصة كان الهدف من إنشائها هو تحويلها إلى مزارات للتوافد ثم استدعى الأمر بناء سوق يلبي احتياجات المترددين ويتحول المكان بعد إعادة تعميره وفق الرؤية المذهبية إلى مركز تبشير يستقطب إقامة «المرجعيات» الدينية، واستقبال أطياف ونشر اللغة الفارسية و«الحوزات» ودور تقام فيها طقوس طائفية وتعميمها على نطاق أوسع وهذا ما حدث.
ويذكر الشوابكة أن الحكومة والمرجعيات الدينية الإيرانية المدعومة أخذت تتوسع في سوريا، وصار الباب مشرعاً أمامها ولو ضمنياً؛ بحيث لم تكتف بالحصول على موافقات وتسهيلات أمنية غير اعتيادية لإقامة «الحوزات» و«الحسينيات» على الطريقة الفارسية؛ لكنها راحت تتمادى حتى دون موافقات وخلال عقدين فقط انتشرت عشرات المعاهد والمدارس الحاصلة على تصاريح أو دونها، وكذلك بؤر العبادة على المنهج الإيراني.
ويحدد الشوابكة مطلع أغسطس/آب عام 2001 وفقاً لما سرده الباحث السوري الحاج في كتابه لإطلاق أول «منظمة تبشيرية دينية إيرانية» بغطاء اجتماعي حملت مسمى «هيئة خدمة أهل البيت» ونظمت «موكب عزاء» بمناسبة يحتفى فيها عند «شيعة إيران» انطلق من «حوزة الزينبية» وانتهى عند «مقبرة الباب الصغير» واشتمل على هتافات «رثائية» وأخرى «ثأرية وقتالية» وأصبــح يتكــــرر كل سنة بحماية أمنية.
بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، واتهام أياد سورية وإيرانية توطدت العلاقات بين دمشق وطهران على الصعيد الرسمي، وتحول الاندفاع السياسي إلى فرصة إضافية للتوغل الطائفي، وتحقيق فتنة خلافية على صعيد أكبر تقودها إيران في سوريا؛ من أجل توسيع نفوذها المذهبي، وتحقيق تغيير ديموغرافي يتوافق مع «جنون الإمبراطورية» المزعومة.
استغلت إيران التعاطف الشعبوي العاطفي مع «حزب الله» في أعقاب «حرب 2006» وجعلت مــن مرجعيات مذهبية «رموزاً» في شوارع وميادين سوريا، وصــار التمدد الطائفي الديني على أشده في السنوات الخمس التالية، وشهدت قرية «السيدة زينب» وحدها أكثر من اثنتي عشرة «حوزة شيعية» على الطريقة الإيرانية، ونالت أول جامعة فارسية ترخيصاً لتدريس العلوم الدينية، وأنشئت ثلاث كليات أخرى على الغرار ذاته.
ويذكر الباحث في الشؤون الإيرانية أمجد العتوم، أنه قبيل الأزمة السورية الأخيرة شهدت البلاد خلال سبع سنوات ثلاثة أضعاف ما أنشأ من معاهد مذهبية ودور دينية إيرانية مقارنة بربع قرن سابق حتى أن مجموعة من علماء الشام أصدرت بياناً لأول مرة تنتقد فيه بشدة ذلك وتدعو لإغلاق «هيئات تبشيرية» تقودها طهران وتتساءل عن مصادر تمويلها وتوسعها.
يقول العتوم: الأحداث التي اندلعت في سوريا كانت مرتعاً لاستغلال إيران وفي مطلع عام 2012 تحديداً قام قائد الحرس الثوري الإيراني بزيارة خاصة إلى مقامي «السيدة زينب» و«السيدة رقية» وتحدث عن وجوب الدفاع عما أطلق عليها «حرمة الأسياد» وعقد اجتماعاً في دمشق لإدارة العملية المذهبية الجديدة، وتوجه إلى حمص وشكّل أولى الميليشيات الطائفية العلنية، وتكونت وقتها من مئات المنظمّين تحت مسمى «قوات الدفاع الوطني».
ويشير إلى حصول «حزب الله» ذراع طهران الدينية والسياسية على موطئ قدم استراتيجي في بلدة القصير في ريف حمص السورية منتصف عام 2013 بحجة المساندة الأمنية والعسكرية للنظام، ومع تصاعد القصف والمجازر والقتل والحصار والفقر تمددت عمليات موازية تنطوي على «تطهير عرقي» على الطريقة الإيرانية.
تزايدت عمليات الإخلاء للمدن والقرى وفي حلب جرت عمليات تبادل سكان على أسس طائفية برعاية إيرانية، وعملت طهران بشكل موسع على إعادة تكوين المجتمع السوري وشمل ذلك درعا ودمشق وحمص وحماة ومناطـــق ساحلية خصوصاً في ظل خروج أكثر من مليونين ونصف المليون لاجئ سوري أغلبــــهم لا ينتمـــي للطائفة الإيرانيــة المذهبية، وأسهم ذلك في تغيير ديموغرافي في السكان.
ويـؤكد العــتوم، أن إيران لــم تكتف بذلك لكنها دعمت إشعال الفتن الطائفية في سوريا وإيقاد نار حرائق الحرب عبر ميليشيات مدعومة من أهدافها قتل من لا ينتمي للمذهب الإيراني وحُشدت الميليشيات وفق معــايير طائفـــية بحـــجة حمــاية «المقامات» و«المراقد» الدينية واتخذت من ذلك سبيلاً لتجنيد منتمين لها، وأعادت تسكينهم في مناطق محددة بعد هجرة أو حتى طرد سكانها.
ويلفت د. محمد المجالي أستاذ الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية إلى تطلع إيران في نهاية مشروعها القائم على الفتن والطائفية إلى ربط سوريا مع العراق واليمن ولبنان ضمن خط ديني تتزعمه بحثاً عن «إمبراطورية» كبرى.
ويشير إلى تحذيرات رسمية أردنية صدرت مبكراً، وتكررت من «الهلال الشيعي» في المنطقة ولم تكن مبنية على هواجس وهمية وهذا المشروع الخطر ينطوي على ممر من طهران إلى البحر المتوسط يقوم على تفتيت كل من يعارضه؛ وذلك عن طريق اتباع مساع دبلوماسية مبطّنة بأهداف مذهبية وأخرى ميدانية تقودها الميليشيات الطائفية.

«الميليشيات».. اختراع إيراني لتهديد الأمن القومي العربي

القاهرة:غريب الدماطي

تعمل إيران على إشعال الحرائق في المنطقة العربية، وتستخدم لذلك الميليشيات، كما حدث في اليمن، الذي نشرت فيه الفتن؛ عن طريق اختراع ميليشيات الحوثيين، الذين جعلوا من أنفسهم حصان طروادة الإيراني لتدمير اليمن، وتخريب الدولة والمجتمع، سواء من خلال الحروب أو من خلال سلاح الطائفية.
الخبراء يؤكدون هذه الحقيقة، ومنهم الدكتور نجاح الريس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف، بقوله: إن دعم إيران لميليشيات الحوثي الإرهابية باليمن يأتي في إطار استراتيجية التمدد والتوسع الإيراني في المنطقة، التي كانت بديلاً لما ذهبت إليه إيران في الثمانينات من سعيها لتصدير الثورة الإيرانية إلى دول المنطقة، وهما يتطابقان في الهدف.
وأشار إلى أن إيران سعت إلى توظيف الحوثيين سياسياً في اليمن منذ عام 1986، متخذة في ذلك نهجاً طائفياً، كون الحوثيين يرتبطون بعلاقات تاريخية مع مرجعية «قم»، واعتبرت إيران تلك الجماعة أداة في يدها وجزءاً جوهرياً لحركتها وصراعها الإقليمي والدولي، كما استخدمت «حزب الله» في لبنان في هذا الشأن.
وأوضح الريس أن إيران استغلت الأزمة الداخلية في اليمن، وعززت من دعمها لحركة الحوثيين، حتى تعاظمت قوتها وأصبحت تمثل ميليشيات موازية للجيش اليمني في ضوء استغلال الفراغ الذي خلفه نظام علي عبد الله صالح، الذي قُتِلَ على أيدي الحوثيين، بعد تحالفه معهم وانقلابه معهم على الحكومة الشرعية الحالية في اليمن، وأكد الريس أن إيران سعت إلى توظيف الحوثيين؛ لخطف اليمن ضمن مشروعها الطائفي، إلى أن جاءت عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات في مارس/‏آذار عام 2015، لمواجهة المشروع الحوثي الطائفي، الذي انقلب على الشرعية، وبات يهدد أمن المنطقة وأمن المملكة العربية السعودية مباشرة؛ حيث وقفت إيران وراء تسليح ميليشيات الحوثي، وأرسلت دعماً مادياً وعسكرياً لهم، وأمدتهم بخبراء من الحرس الثوري، و«حزب الله»، وصواريخ متطورة وتكنولوجيا أخرى؛ مثل: الألغام البحرية والقوارب المتفجرة، التي تهدد حرية الملاحة في باب المندب.
وأكد الدكتور أحمد دراج، المحلل السياسي، أن تواجد إيران في اليمن عبر الحوثيين الذين يرتبطون باستراتيجية إيران في التحكم في مضيق باب المندب وخليج عدن، الذي يعد أحد أهم المنافذ على العالم لتتحكم في الملاحة البحرية المؤدية إلى آسيا وإفريقيا، ومن ثم فإن تواجد إيران في هذا المكان الاستراتيجي يعزز من حضورها الإقليمي، ويساعدها على السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية، وإطلاق تهديداتها بعرقلة الملاحة في هذه الممرات، كوسيلة للضغط على دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن التهديدات الحوثية المتكررة بشأن عرقلة الملاحة في مضيق باب المندب لا تنفصل عما تذهب إليه إيران من استراتيجية.
ورأى الدكتور حسن أبو طالب، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ارتباط الحوثيين بإيران يشكل خطراً على استقرار الإقليم في أكثر من ناحية، منها: تهديد الملاحة والهوية العربية لليمن، وتفتيت وحدته، فضلاً عن استخدام إيران لميليشيات الحوثي في تنفيذ مشروعها التوسعي؛ لإيجاد موطئ قدم لها على البحر الأحمر والمتوسط، لاسيما أن إيران لديها مشروع لإنشاء ممر بري يمتد من إيران إلى العراق ثم شمال سوريا وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط.
وأوضح أبو طالب أن مخطط وخطر إيران التوسعي غير قابل للشك، ومن ثم فإن الأمر يستدعي من النظام الدولي التصدي له، خشية من أن يستفحل الدور الإيراني ويشكل تهديداً للأمن الدولي، كما هو الحال مع كوريا الشمالية، الأمر الذي يصعب التعامل معه فيما بعد.

هدفها احتلال عقائدي وفكري ومذهبي للمجتمع العربي

آليات إيران لتخريب العراق..الميليشيات والمؤسسات الدينية والإعلامية
 

بغداد:زيدان الربيعي

إيران لم تكن بحاجة لفتح مدارس أو معاهد أو منظمات مجتمع مدني في العراق؛ لأنها استخدمت الورقة الطائفية لتحقيق ذلك، ونجحت بشكل أو بآخر في تفتيت اللحمة الوطنية العراقية، بعد أن رفض الكثير من العراقيين التمدد الإيراني في العراق، وتأثيره على القرار السيادي؛ لكن اللاعب الإيراني يلعب على تلك الورقة؛ لتحقيق بعض غاياته، إلا أن الوعي الجمعي للمجتمع العراقي بدا عارفاً بتلك التفاصيل؛ إذ أكد رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع غيث التميمي، أن «تعقيدات العلاقات العراقية الإيرانية كبيرة لدرجة يصعب تقديمها في سياق نقدي واحد، بعضها بسبب غياب تعريف واضح للدولة العراقية يسهل علينا تقييم تلك العلاقات! فحكم البعثيين بنزعتهم القومية تسبب بحرب مدمرة ما تزال آثارها ماثلة، وفي المقابل وصول جماعات إسلامية (شيعية) موالية لإيران أدى لحضور إيراني غير طبيعي في العراق، لا يخضع للأعراف السياسية التقليدية بين الدول، لدرجة أن إيران باتت تهيمن بشكل كبير على العراق، ولا يمكن وصف النفوذ الإيراني في العراق على أنه علاقات جوار متكافئة بناءة؛ بسبب الانحياز الطائفي والفرض الأيديولوجي على المشهد السياسي».
وأضاف، «واضح أن الاستراتيجية الإيرانية في العراق مبنية على الهيمنة؛ من خلال الميليشيات والمؤسسات الدينية والإعلامية، التي انتشرت في العراق بشكل لا يهدد أمن المواطنين العراقيين ويقضم السيادة الوطنية فحسب؛ بل يهدد الأمن في المنطقة أيضاً».
وتابع، «لا أملك إحصاءات دقيقة عن حجم الخراب، الذي ألحقته الهيمنة الإيرانية في العراق؛ لكن نظرة سريعة للدمار، الذي أصاب المصانع العملاقة والزراعة والأمن تكشف أن الصناعات الإيرانية هي البديل، كما أن العراق أصبح أكبر مستهلك للمحاصيل الزراعية الإيرانية وخردة الأسلحة الإيرانية».
وأردف، «يناضل العراقيون؛ من أجل استعادة سيادتهم على أرضهم؛ وتنظيم العلاقات مع إيران وغيرها من دول المحاور المتصارعة على الأراضي العراقية، وسينجح العراق في تجاوز محنته في نهاية المطاف؛ لكن الضريبة كانت قاسية جداً هذه المرة؛ لذا ينبغي على إيران أن تتقبل فشل استراتيجيتها في العراق، وعلى دول جوار العراق دعم القوى المجتمعية المدنية والسياسية؛ للنهوض بالبلد بشكل أسرع».

التمدد الفارسي

المحلل الأمني والخبير الاستراتيجي والضابط في الجيش العراقي السابق إحسان القيسون، ذكر، أن «الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى السيطرة على العالم العربي؛ حيث إن وسيلتها في ذلك هي المذهب؛ لكن الغاية هي إعادة أمجاد الدولة الساسانية؛ لذلك الآن هناك من يقاتل عن إيران بالوكالة؛ كالحوثيين في اليمن، «حزب الله» في لبنان، الميليشيات في العراق، فإذاً إيران لم تدخل في حرب، إنما تقاتل في الدول العربية بالوكالة؛ فلذلك إيران دائماً نراها تحاول أن تفكك اللحمة العربية؛ من خلال محاولتها إنهاء الانتماء العربي وتثبيت الانتماء الطائفي، الذي يفكك اللحمة العربية، ويضعف الدول كما أضعف العراق واليمن ولبنان؛ لتحقيق غايتها في إعادة الدولة الساسانية».
وأضاف، «نحن دائماً نقول على أمريكا إيقاف هذا التمدد الإيراني في الدول العربية؛ لكن أمريكا هي معنية بمقاتلة «داعش» فقط، وأعلمنا الكثير من المسؤولين العسكريين والسياسيين الأمريكيين بأنهم يهتمون بمقاتلة «داعش»، وغير معنيين بالتمدد الإيراني في سوريا أو لبنان، علينا نحن كعرب أن نواجه هذا التمدد الفارسي في الدول العربية، وأن يكون هناك تحالف عربي ضد الأطماع الفارسية في الوطن العربي، وألّا يكون اعتمادنا على أمريكا بأنها تعيد حقوق العرب، التي سرقت من قبل إيران، الاتكال على أمريكا يدل على ضعف العرب في الوقت الحالي، وهذا التحالف سواء أكان تحالفاً عسكرياً، أو سياسياً بات ضرورياً؛ لكن إيران استطاعت أن تفرق العرب، كما قلت؛ حيث بدأت تبث الانتماء الطائفي في الوطن العربي، وأصبح الانتماء الطائفي أقوى من الانتماء القومي ـ العربي؛ لأن إيران تقوم بفك اللحمة العربية؛ من أجل تحقيق أهدافها، في تنمية الانتماء الطائفي وأن يكون (الشيعة) العرب هم من الموالين لولي الفقيه في إيران؛ لتنفيذ غاياته في الوطن العربي».
وحذر القيسون من، أن «أخطر أنواع الاحتلال هو الاحتلال العقائدي والفكري وهذا ما تعمل عليه إيران، الاحتلال العسكري يخرج خلال سنة أو سنتين أو من خلال مقاومته؛ لكن ما تقوم به إيران هو احتلال عقائدي، فكري، مذهبي للمجتمع العربي، وهذا هو أخطر أنواع الاحتلال، يجب مواجهته وأن يكون هناك تحالف عربي كبير من المغرب العربي إلى الخليج؛ لمواجهة هذا التمدد الفارسي في الوطن العربي».
ولفت إلى، أنه «لو عدنا إلى الوراء قليلاً سنجد أن إيران دائماً تقول إننا أصحاب فضل لأننا شاركنا بقتال «داعش» في العراق، هذا كلام خاطئ، وهذا تدليس فارسي؛ لأن كل العتاد والأسلحة التي استلمت من إيران تم تسليم أموالها نقداً من قبل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في عام 2014 وليس هناك أي فضل يذكر لإيران على العراق، الذي انتصر على «داعش» هو الشعب العراقي بدمائه وتضحياته، إلا أن هناك سياسيين يروجون ويطبلون لهذا التدليس الفارسي، بأن إيران كان لها دور كبير في انتصارنا على «داعش» وهذه أكذوبة كبيرة».
وختم القيسون، بالقول، «نرى الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي، الاقتصادي، الأمني والعسكري وأيضاً حتى على القرار التربوي لغاية الآن الهيمنة على القرب هي لإيران؛ لذلك هناك تخوف كبير بأن يكون تأثير إيران على نتائج الانتخابات المقبلة في العراق، وهذا التأثير قد يكون كبيراً، وأنا أتوقع لن يكون هناك أي تدخل من المجتمع الدولي لإيقاف هذا التأثير الفارسي على الانتخابات العراقية المقبلة».

الحاضنة العربية

الدكتور حميد السعدون، رئيس «مركز الدراسات الدولية» الأسبق في جامعة بغداد : أغلب الدول العربية ابتعدت عن العراق منذ عام 1990، وتحديداً بعد أحداث الثاني من أغسطس/‏آب وإلى عام 2003 وبعد العام المذكور أيضاً تركت غالبية الدول العربية الساحة العراقية فارغة من أي وجود فاعل لها؛ لذلك وجدت إيران الساحة العراقية خالية أمام أي معادل لها، وعليه فإن إيران استحوذت على نفوذ كبير جداً في الساحة العراقية واستغلته لتنفيذ مصالحها الخاصة، وهنا لابد من سؤال يطرح نفسه في هذا الصدد، وهو من أدى إلى تأخر الدول العربية عن تأسيس نفوذ قوي لها داخل الساحة العراقية بعد أن سقط النظام العراقي السابق الذي كان على خلاف مع أغلب الدول العربية بعد عام 1990؟؛ لذلك أقول إن الذنب ليس ذنب العراقيين أو العرب في العراق؛ بل هذا الذنب يقع على المحيط العربي، الذي تجاهل العراق في وقت حرج جداً، وعليه أتمنى أن يفتح العرب من جديد أبوابهم أمام العراق حتى يعود إلى الحضن العربي بكل قوة؛ من خلال إجراءات ملموسة بأسرع وقت ممكن».
وأضاف، أن «الشعب العراقي بشكل عام حاضنته الأساسية هي الحاضنة العربية، قد تكون الدول الأخرى لها نفوذ ومصالح في العراق، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا؛ لكن هذا النفوذ الأجنبي هل يجبرنا على التخلي عن عروبتنا أو عن عراقيتنا؟ بالتأكيد هذا أمر مرفوض مطلقاً من العراقيين، والدليل على ذلك مباراة المنتخبين العراقي والسعودي، التي جرت في البصرة نهاية شهر فبراير/‏ شباط الماضي، وكيف استقبل العراقيون المنتخب السعودي والوفد السعودي بكل حفاوة ومحبة وقد شهد بذلك الإعلام السعودي قبل غيره، ما يعني أن الحاضنة العربية لا يمكن أن تنزع من العراق من قبل أي طرف؛ لكننا الآن في مرحلة مخاض عسير، وإذا لم ينجدنا العرب في الظرف قد تكون في قادم الأيام مخاطر على العروبة في العراق».

شبح التدخلات الخارجية

أما المحلل السياسي العراقي أمير الساعدي، فقال، إنه «من الملاحظ أن هناك الكثير من محاولات فرض مصالح دول إقليمية ودولية على الساحة العراقية؛ لذلك يحاول العراق جهد الإمكان أن يبعد نفسه عن عملية التناحر، وبالعودة إلى الدائرة الأولى التي ابتدأت بها صراعات السلطة والسياسة ولاسيما تحريك أوراق كانت جامدة في المياه الراكدة للسياسة العراقية ومنها موضوع الطائفية، الأثنية والعرقية والقومية؛ إذ اجتهدت بعض الأطراف الإقليمية في محاولة منها لإعطاء غطاء أو لباس يجعل العراقيين كأنهم يتبعون لدولة جارة، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إذ كنا نتطرق إلى إيران نرى بأن هناك الكثير من الأطراف التي تتهم العراقيين، ولاسيما بعض الأحزاب السياسية بأنها تتبع جدولة الأجندة الإيرانية، وهي من تفرض نفسها في الساحة العراقية وتتغلغل بعيداً عن المسحة الأصلية للجذر العراقي؛ وهو العرب، في حين أن الساحة العراقية هي ساحة أقليات وفيها الكثير من الأقليات الدينية والأثنية، فهناك الأكراد، وهنا لا يمكن أن نختصر الساحة العراقية فقط بالعرب، بينما تجد على أرض الواقع الإنسان العراقي هو بعيد عن هذه الاتهامات وهو الطرف الذي يحاول جاهداً اليوم أن يعيد هذه المياه إلى مجاريها الطبيعية؛ للحفاظ على مصالحه إذا كانت مع إيران أو تركيا أو أي بلد آخر بالوقت الذي يحاول النأي بنفسه عن سياسة المحاور والتجاذبات الإقليمية؛ لذلك نرى بأن على السياسي العراقي والمواطن العراقي ألّا يجعلا نفسيهما أداة فاعلة في خضم هذا الصراع الطائفي أو المذهبي في بعض الأحيان، ويحاول العراق جاهداً أن يحافظ على مصالحه؛ لذلك ينبغي أن يكون لدينا مصالحنا الوطنية وإرادتنا الوطنية التي يمكن أن تبعد شبح التدخلات الخارجية عن الشأن الداخلي العراقي سواء كانت من أطراف صديقة أو شقيقة بالحفاظ على الهوية الجامعة لكل العراقيين؛ وهو العراق بعروبته أو بأقلياته».

تطوير المواطنة

أما الباحث السياسي الدكتور جمعة عبد الله مطلك فقد أوضح، أن «قضية استخدام الورقة الطائفية بالسيطرة قليلة، وموضوع استخدام الإيرانيين لهذه الورقة هو بسبب اعتقادي بالأصل من ثقافة متكلسة لا تشتغل كثيراً على حقوق الإنسان، ولا على المواطنة وهذا دائماً يفتح الأبواب أمام أي مشاريع أخرى سواء كانت قومية أو طائفية («إسرائيلية») أو إيرانية أو أمريكية؛ لذلك فإن الأصل في الموضوع ليس نوايا الإيرانيين؛ بل الأصل هو طبيعة العقدة الاجتماعية العربية ـ الإسلامية، وطبيعة الانفتاح العراقي السياسي على الآخر سواء كان وطنياً أو مذهبياً؛ لذلك هناك حقيقة طاردة بالثقافة العربية ـ الإسلامية تؤكد بأن هناك أغلبية (سنية) إزاء أقلية (شيعية) وحتى عندما تغير النظام السياسي في العراق عام 2003 تم الحديث عن أن على الشيعة ألا يفرحوا كثيراً بحكمهم؛ لأن الأغلبية (السنية) ضد الأقلية (الشيعية) تستلم السلطة، وهذا فتح الباب والمجال كثيراً ليس أمام مشروع الدولة؛ بل أمام أي مشروع آخر؛ لذلك فإن الموضوع لا يتعلق بنوايا الإيرانيين ولا بنوايا (الإسرائيليين) ولا نوايا الأمريكيين؛ بل يتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي العراقي ومدى قدرته على تمكين العراقيين ومدى قدرته على الصمود أمام المتغيرات الحقيقية الكبيرة وهذه المتغيرات هي في بروز الإنسان العام والمواطنة والبروز الشعبي، هذه كلها ثيمات حاكمة على المجال السياسي؛ لذلك إذا لم يطور العراقيون نظرية مواطنة عراقية يبقى للجميع إمكانية استخدام المجال العراقي للتأثير على غيره والدفاع عن خطه من الإيرانيين وغيرهم».
وأضاف، أن «الخطأ في الموضوع يتمثل بالنظر للعروبة في العراق وكأنها نظرية أيدلوجية قومية وليست ثقافة، والعروبة هي ثقافة اللغة العربية، الإحساس الأخلاقي بالحياة والنظر إلى المجموعة بقيمة أخلاقية، أما النظرية القومية الألمانية التي جاء بها البعثيون على أساس أن العراق عربي بنظرية روسية قوية، والعراق روسيا العرب، ونصبوا صدام حسين «ماركس العرب»، وهذه أخلت كثيراً بالقيم الثقافية الحقيقية للعروبة، العراق عربي وسيبقى عربياً، وإن أبناءه يفتخرون بعروبتهم، وقد أرسلوا أكثر من رسالة إيجابية في هذا الشأن لأشقائهم العرب».