أمل سرور

تمتلك رائحة تمنحها القدرة على اختراق صدور محبيها دون أي استئذان، ليست كيود البحر، ولا تلك التي تنبعث من الندى الذي يبلل الزراعات، إنما هي رائحة الحنين للهدوء والسكينة، لون رمالها الصفراء يثير شيئاً ما في صدرك، ربما شجوناً أو جنوناً أو حكمة، والحقيقة أنها وحدها تستأثر بكل تلك الصفات.
إنها الصحراء التي يجسد تفاصيلها ساكنوها، من خلال خيامهم في أيام الشارقة التراثية.
تلك التي تعود بنا إلى أيام معاناة الأجداد في الإمارات، في زمن لا يحمل معه سوى رائحة الأصالة، محملاً بتاريخ لم نعشه، ولكننا ما زلنا نعيش على أطلاله.
ها هي بيوت الشعر لدى بدو الصحراء تلوح لي من بعيد، والخيام الصغيرة التي تحوي حيواناتهم وأغنامهم، وها هو سفينة الصحراء يتوسط الرمال، ويبدو أنه يعرف قدره وقيمته عند أصحابه.
أفقت من تأملي للبيئة البدوية التي تجبرك على الشرود في عالم الصحراء على صوت الوالد سالم بن ركاض العليلي، يدعوني لدخول مجلس الرجال؛ للتعرف عن قرب إلى تفاصيل حياتهم في الصحراء. استقبلني المجلس بفناجين من القهوة الأصيلة، التي انطلق العليلي في الحديث عنها قائلاً: «هي الأساس في تراثنا البدوي الإماراتي، القهوة كلمة واحدة ولكنها تشمل كل شيء ومعناها كبير جداً، يمكن أن تنطلق الذبائح مع كلمة (قهوتك عندنا) ويمكن الاكتفاء بها فهي تقدير كبير للضيف، واستخدم أجدادنا قديماً لصناعتها أدوات مختلفة منها (التاوة) وهي من الحديد، التي تستخدم لتحميص حبات البن، وهي نوعان منها الكبير والعميق، والثاني الصغير وذو العمق المتوسط، التي تستخدم تحديداً في تحميص البن، ولأن التحميص يحتاج إلى تقليب الحبات، فصنع (المحماس) وهو عبارة عن قطعة طويلة من الحديد أو النحاس، صنعت لتقليب القهوة وتحميصها، كما يمكن استخدامها في رفع الخبز عن التاوة».

الهيف والسيف

يصمت الوالد فلا يستطيع أحد أن يقتحم حالته ليعطي الأمر لولده سلطان العليلي بإكمال الحديث عن أنواع القهوة البدوية. يقول: «الهيف» هو الفنجان الأول الذي يحتسيه المضيف قبل الضيف، وهذه العادة قديماً عند البدو ليتأكد الضيف أن القهوة نظيفة، أما الثاني فهو «الضيف» وهو الأول في واجب الضيافة، والثالث «الكيف» وليس مجبراً على شربه ولا يضير المضيف، ولكنه مجرد تعديل للمزاج، بينما الفنجان الرابع وهو «السيف» الذي يقدم للضيف ولا يحتسيه؛ لأنه أقوى فنجان عند عرب البادية؛ إذ إنه يعني أن من يحتسيه فهو مع المضيف في السراء والضراء، ومجبر على الدفاع عنه بحد السيف، بل وشريكه أيضاً في الحرب والسلم. عالم كبير يختفي وراء ذلك الفنجان الصغير الذي تحتسيه، هكذا شردت بذهني إلى أن غيّر راشد العليلي مجرى الحديث تماماً، ليشرح لي طبيعة بيوت الشعر عند أهل الصحراء.
يقول العليلي: «هي تلك التي تجسد حياة البدو في القديم، ويصنع من الجلد بكامل تفاصيله، ويخاط من قبل النساء، وكانت هذه مهمتهن، بل إنهن كن يثبتن الخيمة بكاملها بعد خياطتها، ويصلن بعضها ببعض، ثم يوضع لها الأوتدة التي تكون من كل الجوانب؛ حيث تثبت قبل أن ترفع الخيمة إلى الأعلى، ويوضع أمام الخيمة غطاء فيه فتحات واسعة في فصل الصيف وتضيق في فصل الشتاء، وبيت الشعر يقسم إلى قسمين الأول للرجال والآخر للنساء، وفي الأول يوجد المطبخ وبعض الأدوات وخزانات الألبسة وغيرها؛ لأنهن يقمن على خدمة أهلهن من طبخ وخياطة وتنظيف وغير ذلك».

رمز الأصالة

يعود صوت الوالد سالم العليلي، مكملاً الحديث عن بيت الشعر: «كانت مسكننا في الزمن الماضي، وكنا نصنعها من السدو، وتتميز بمقاومتها وتحملها لظروف البيئة الصحراوية القاسية، والحقيقة أننا نعتز ببيوت الشعر، ودائماً نحرص على أن نجعلها رُكناً أساسياً في كل عام من أيام الشارقة التراثية؛ فهي رمز الأصالة البدوية العريقة، وتراثنا الذي نفتخر به».

مقياس الثروة

ما إن انتهى الوالد من حديثه، لفت نظري ذلك الشاب الذي راح ينظر إلى سفينة الصحراء بعين عاشق، والحق يبدو أن إحساسي كان في محله؛ إذ بدأ راشد العليلي، حديثه قائلاً: «الإبل رؤوس أموالنا كعرب، وهي سفن البر، وجلودها قرب، ولحومها نشب، وبعرها حطب، وأثمانها ذهب كما جاء في الأقوال المأثورة فإن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن نحرت أشبعت، وإن حلبت أروت، وهي مقياس الثروة للرجال قديماً؛ لذا كانت مدعاة تحرك مشاعر الشعراء الذين سجلوا أبياتاً عنها».