هل الإنجاز عادة يمكن تعلمها؟، وكيف يمكننا التعرف على مواطن القوة الكامنة داخل أنفسنا والكافية بتغيير حياتنا نحو الأفضل؟، وكيف تؤثر عاداتنا على حياتنا، وهل تكمن القيمة الحقيقية للأشياء في ذاتها أم في نظرتنا لها وأهميتها بالنسبة لنا؟، وهل يعتبر النجاح الحقيقي لأي منا هو الذي يجعل من الحياة رحلة ممتعة ومثمرة، أم ذاك المرتبط بالمعارك الطاحنة؟.
كل هذه الأسئلة وغيرها كثير يجيب عنها البروفيسور برنارد روث أستاذ الإدارة الحكومية في جامعة ستانفورد الأمريكية في كتابه المليء بقوة الأفكار «عادة الإنجاز: توقف عن التمني وابدأ العمل.. تول زمام حياتك» والصادر عن دار هاربر بيزنس للنشر عام 2015.
يبدأ روث كتابه بمقدمة مهمة يستعرض فيها الفرق بين إنجاز العمل، والتفكير أو«المحاولة» في إنجازه. فالمحاولات تحتمل النجاح والفشل. وفي الحالة الثانية ربما نلجأ إلى استراتيجية جديدة قد تبوء بنتيجة فاشلة مرة أخرى، وهكذا تستمر المحاولات إلى ما لانهاية حتى يحالفك الحظ أو تنفذ طاقتك وتفقد تركيزك وتستسلم للفشل، أو تضع هدفاً جديداً. على حين أن البدء في إنجاز أو تنفيذ عمل ما يزودنا بطاقة إيجابية تقهر العقبات وتولد إصراراً أكبر على النجاح مهما كانت المخاطر. بمعنى أدق الإنجاز مزيج من المثابرة والشغف».
ويضيف «ليس هناك تحفيز أكثر من قدرتنا على إدارة حياتنا مهما تكالبت علينا الظروف. فإن كانت إحدى عاداتك أو اهتماماتك تسبب لك التعاسة فإن بإمكانك تغييرها. والإنجاز مهارة نتعلمها وعادة نكتسبها بمرور الوقت، فهو يشبه العضلة التي تستطيع تحريكها وتوجيهها بحرية بمجرد اكتساب المرونة اللازمة».
يحث روث قراءه على ضرورة الاستيعاب الشامل والدقيق لطبيعة سلوكنا وآلية عمل عقولنا حتى تتحقق النتائج المرجوة من الحياة. فعلى حين يقول الرأي الشائع أن الإنسان يبدأ بتوليد الأفكار التي تتحول لاحقاً إلى أفعال، فإن التجارب العملية تقول شيئاً آخر، إذ ثبت من خلال تتبع الإشارات التي يبثها العقل تمتعه بقدرة هائلة على بث إشارات محفزة للعمل قبل أن ينتج بشكل واع الأفكار المرتبطة بهذا العمل. أي أن الإنسان يبدأ بإنجاز الشيء أولاً، ومن ثم يخلق المسوغات الذهنية التي تدعمه. وأغلب أفعالنا هي نتاج عادات متأصلة في نفوسنا قبل أن تكون من «بنات أفكارنا». تقودنا هذه الحقيقة إلى سؤال جوهري حول كيفية سد الفجوة بين التفكير في شيء ما، وبين تحقيقه على أرض الواقع. وبين المحاولة والإنجاز، وبين النجاح والفشل؟
تحت عنوان الصورة الذهنية وتطوير الذات «يقول روث» في كتابها واسع الانتشار «التوجه العقلي»، تقول عالمة النفس كارول دويك: تلعب الصورة الذهنية للإنسان عن نفسه دوراً محورياً في حكمه على الأمور. وتتحكم تلك الصورة في قدرتك على تحقيق التطور الشخصي الذي تأمله والأهداف التي تتطلع إليها. نعم، يعتمد مقدار ما تنجزه في الحياة على الصور والانطباعات الذهنية التي تتبناها عن نفسك. ويشرح روث ذلك، قائلاً:«إن طريقة استيعابنا للصورة الذهنية عن هيئاتنا، وأشكالنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا هي التي تحدد هويتنا قبل كل شيء. وللأسف يفتقر الكثير منا صورة واقعية أو منطقية، لذا يجب مواجهة أنفسنا بالحقيقة وتحري المصداقية كي تتناغم سلوكياتنا وإنجازاتنا مع صورنا الذهنية».
ويقدم روث للقراء طريقة علمية أثبتت فاعليتها في تكوين صورة ذهنية واقعية عن أنفسنا، وهي مقارنة الجزء الخاص ب«شخصك» والأجزاء المتعلقة ب«ممتلكاتك» و«ممارساتك». وهنا كتب، قائلاً: «كرر على نفسك الأسئلة التالية لمدة 5 دقائق: من أنا عندما أفكر بممتلكاتي؟، من أنا عندما أفكر بممارساتي؟، من أنا عندما أفكر في حقيقة شخصي؟، يمنحك هذا التدريب الفرصة للتخلص من الحرب الدائرة في ذهنك وتأمل جوانبك الشخصية المختلفة كل على حدة، فهو يمثل وقفة مع الذات تنقب فيها عن هويتك وتقارنها بالصورة الذهنية التي كونتها عن نفسك. فعلى سبيل المثال: قد يكون التدريس بالنسبة للبعض مجرد وظيفة، في حين يعتبره آخرون مهنة سامية وقيمة عليا، بينما يتعلق آخرون بها باعتبارها جزءاً أصيلاً من شخصهم وكيانهم. وبالتالي فإن تصنيفنا للأشياء يخضع للعلاقة التي تربطك بها، وليس لمعايير أخرى. لذا لا يجب أن نخلط بين ما نملكه، وما نفعله، حتى تكون صورنا الذهنية صافية ونقية.
النقطة الأهم هنا التي يؤكد عليها روث أن صورتنا الذهنية «قيد التشغيل» أي ليست «أزلية أبدية»، إذ غالباً ما يطرأ عليها تغيرات تعيد تشكيلها من فترة إلى أخرى، لكن تبقى طبيعة هذا التغير بطيئة، أما التغيير الجذري فنادر الحدوث.
لتوضيح فكرته يسوق روث قصة شخص يدعى «دوج» قرر مواجهة مرض السكري في مراحله المبكرة من خلال ممارسة رياضة الدراجات 3 مرات أسبوعياً في الجبال ولمسافة تصل إلى 20 ميلاً في الرحلة الواحدة. سارت الأمور بشكل طبيعي في البداية حتى لاحظ المخلفات الهائلة الملقاة على جانبي الطريق. في البداية تجاهل دوج الأمر، ثم قرر أن يواجه المشكلة وبدأ بحمل أكياس نفايات وجمع ما يمكنه حمله منها. ذاع صيت دوج بسرعة هائلة وتناقلت قصة تطوعه الصحف المحلية، والقنوات التليفزيونية، وهكذا تحول تدريجياً من صورة إنسان مريض، إلى قدوة ونموذج يحتذى في العمل التطوعي، صانعاً بنفسه هوية وصورة ذهنية جديدة لم تخطر له من قبل.
مقياس السعادة
حين نذكر الإنجاز، فإن التخرج في الجامعة، والحصول على وظيفة براتب مغر، أو اقتناء سيارة حديثة، والفوز في سباق، أو الحصول على وسام، هو أول ما يخطر في بال أغلب الناس. إلا أن هذه الخيارات رغم أهميتها تغفل العنصر الأهم، وهو النسبية. وهنا يقول برنارد روث في كتابه «في حين تشكل بعض، أو كل هذه الأشياء إنجازاً عظيماً يمتد أثره إلى ما لا نهاية لدى البعض، قد تكون مجرد نجاح ظاهري يهدف للتفاخر والاستعراض لدى البعض الآخر، ولكن هل تشكل هذه الإنجازات مصدراً للسعادة في حد ذاتها؟ وهل سألت نفسك ما إذا كان كل أثرياء العالم سعداء أم لا؟ وهل تعد الثروة مصدراً دائماً للسعادة وعليه فغيابها يعني التعاسة؟».
ويضيف «إن مقياس ومعنى السعادة يعتمد على الهدف والغاية. وبالتالي فالإنجاز غير الهادف يعد «فشلاً فعلياً»، أما الإنجاز الحقيقي فهو ذلك الذي يدفعنا إلى اكتساب المهارات، والتعامل مع الأزمات، والارتقاء بأدواتنا، وإشباع فضولنا، وتنقية طباعنا. بمعنى مباشر هو ذلك الذي يضفي قيمة عميقة على حياتنا».