تحمل كل شركة عائلية قصة تتجاوز الأرقام والملكية، لتجسد مسيرة من الاستمرارية تنتقل فيها الأصول والهوية والقيم والشعور بالانتماء من جيل إلى آخر.
وفي صميم هذه القصة، وإن كان حضورهن في كثير من الأحيان بعيداً عن الأضواء، تقف النساء بدور محوري في صياغة الإرث، وتعزيز القدرة على الصمود، وترسيخ الروح التي تقوم عليها الشركات العائلية. ولوقت طويل، جرى تناول دور المرأة في الشركات العائلية من منظور «الإدماج»، وكأنها تدخل عالماً لم تكن جزءاً منه في الأساس. إلا أن المرأة لم تكن يوماً على الهامش، بل اضطلعت دائماً بدور حارسة القيم، والوسيط في حل الخلافات، وأحد العناصر الأساسية في بناء قدرة العائلة على مواجهة التحديات والاستمرار.
وربما لم ترتبط قيادتها دائماً بمناصب أو مسميات رسمية، لكنها أسهمت في صياغة مراحل التحول المختلفة، وفي القرارات التي تقوم على الاهتمام بالآخرين والنظرة بعيدة المدى.
واليوم، يتجه هذا التأثير، الذي ظل هادئاً لسنوات، إلى الظهور بصورة أكثر وضوحاً في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، بالتزامن مع تحول بين الأجيال تتكشف ملامحه أمامنا. وبينما تسلط الإحصاءات الضوء غالباً على حجم الثروات التي تنتقل إلى النساء، فإن الواقع يتجاوز الأرقام بكثير.
ويتجلى التأثير المتنامي للمرأة في إدارة الثروات والشركات العائلية عملياً من خلال مشاركتها الفاعلة في الحوكمة، والتخطيط لتعاقب الأجيال، واتخاذ القرارات الاستثمارية الاستراتيجية.
وتشير تقارير صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي وجهات أخرى إلى واقع بات واضحاً بالفعل في مجالس الإدارات والمجالس العائلية في المنطقة؛ إذ تمتلك النساء في دولة الإمارات اليوم ما يقارب %40 من الشركات الناشئة، فيما ارتفع عدد الشركات التي تقودها النساء في المملكة العربية السعودية بنسبة 60 % منذ عام 2018، مدفوعاً بالإصلاحات المرتبطة بـ«رؤية السعودية 2030». وفي مختلف أنحاء المنطقة، تتزايد أعداد النساء اللواتي يتولين أدواراً قيادية داخل الشركات العائلية ويسهمن في رسم توجهاتها المستقبلية.
إعادة النظر في تعاقب الأجيال.. من الإرث إلى المسؤولية
على مدى أجيال، كان تعاقب القيادة في الشركات العائلية يتأثر بالتقاليد أكثر من الكفاءة، انطلاقاً من افتراض أن القيادة ينبغي أن تنتقل تلقائياً إلى الأبناء الذكور، وفي أحيان كثيرة بصرف النظر عن شغفهم أو مدى استعدادهم لتحمل المسؤولية.
ولم يكن ذلك ناتجاً عن غياب الوعي؛ إذ كانت العائلات في كثير من الأحيان تدرك تماماً ما قد يواجهه الخلفاء من تحديات أو أوجه قصور محتملة، ولذلك عملت برؤية استباقية على إحاطتهم بمستشارين أكفاء، وأطر حوكمة قوية، ومنصات مصممة لحماية استمرارية الأعمال ونجاحها.
أما اليوم، فيُكتب فصل جديد، مع انتقال العائلات من مفهوم الاستحقاق إلى الجدارة، ومن مجرد الميراث إلى تحمل مسؤولية الحفاظ على الإرث. ولم يعد السؤال المطروح هو: من وُلد ليتولى القيادة؟ بل: من هو الأكثر تأهيلاً لخدمة إرث العائلة؟
وتحظى النساء بصورة متزايدة بالثقة ليس فقط في إدارة رأس المال المالي، وإنما أيضاً رأس المال الاجتماعي والفكري والعاطفي الذي يدعم استمرارية الشركات العائلية عبر الأجيال. ويظهر تأثيرهن بوضوح في المكاتب العائلية والأذرع الخيرية وهياكل الحوكمة، من خلال الإسهام في رسم الاستراتيجيات، وتعزيز التماسك، والحفاظ على الغاية المشتركة.
وتتميز هذه القيادة بالتوازن أكثر من الهيمنة، إذ تقدم المرأة منظوراً بعيد المدى يقوم على الاستمرارية بدلاً من السيطرة، كما يستند نهجها في الحوكمة إلى العلاقات وليس المعاملات، ويسترشد بالتعاطف والشمول والتعاون.
حارسات الإرث
مع تزايد وضوح تأثير المرأة وأهميته، نشهد اليوم تقدّم العديد من النساء لقيادة رحلة تعاقب الأجيال، والمشاركة في صياغة الدساتير العائلية، وشغل مقاعد في المجالس، وإعادة تعريف مفهوم القيادة.
فالنساء يسهمن في نقل قيم العائلة من جيل إلى آخر، ويمثلن بوصلة أخلاقية تربط الازدهار بالغاية التي تقف وراءه. وفي منطقة قد تفوق فيها سمعة العائلة قيمتها السوقية، لا يُعد هذا الدور ثانوياً، بل يمثل عنصراً أساسياً لاستمراريتها.
وتشير الأدلة إلى أن الشركات التي تقودها النساء في منطقة الشرق الأوسط أكثر ميلاً إلى الاستثمار في تنمية المجتمع وريادة الأعمال الاجتماعية. ولا يأتي ذلك من قبيل المصادفة، وإنما يعكس حقيقة أعمق مفادها أن القيادة القائمة على التعاطف تتجاوز بطبيعتها تحقيق الأرباح لتسعى إلى إحداث أثر أوسع.
وتقف المنطقة اليوم عند نقطة تحول مهمة، حيث تتضافر المستويات المتقدمة للتعليم والإصلاحات ذات الرؤية المستقبلية والتطور المستمر في السردية الثقافية، لتفتح آفاقاً جديدة أمام المرأة في عالم الأعمال والقيادة.
وما نشهده ليس توجهاً عابراً، وإنما تحول يمتد عبر الأجيال ويعيد تعريف معاني القيادة والخدمة والانتماء.
وفي بنك سنغافورة، نحظى بامتياز مرافقة العائلات خلال هذه المحطات المحورية من التحول، حيث تلتقي الثروة بالغاية والإرث.
ومن خلال عملنا مع أصحاب الأعمال في مختلف أنحاء المنطقة، نلمس بصورة مباشرة كيف أن النساء لا يرثن الثروة فحسب، وإنما يُعدن أيضاً صياغة مفهوم الحفاظ عليها وتنميتها بمسؤولية. كما يسهمن في ترسيخ مفهوم جديد لمسؤولية إدارة الإرث، يقوم على الشمول والاستمرارية والاهتمام.
وهذا التحول يتجاوز مجرد تغير في أنماط القيادة، ليشكل إعادة تصور لمفهوم الإرث نفسه.
وفي بنك سنغافورة، نواصل التزامنا بدعم هذا التطور، ومساعدة العائلات على التعامل مع التعقيدات بوضوح، وتمكين الجيل المقبل من المسؤولين عن حماية الإرث واستمراريته، أياً كانوا.