كان الوقت غروباً عندما اجتاز الكاتب ماهر حسني فهمي الساحة إلى المقابر، يسأل عن مقبرة الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي فدله الحارس، فوجد مقبرة كبيرة كتب عليها أبيات شعر، وأمام المقبرة نبتت شجرة توت ضخمة تظللها، كان باب المقبرة المهجورة كالحاً، والقبور الجديدة تناثرت حولها تسد الطريق إليها.في الثامن عشر من يونيو/حزيران سنة ،1863 ولد جميل صدقي الزهاوي لأبوين قررا الافتراق، بعد أن استحالت الحياة الزوجية بينهما، واحتضنت الأم أبناءها، لكن الأب أخذ من بينهم ولده جميل، لأنه كان أقربهم إلى نفسه، وفكر في أن يتجه به إلى التعليم الديني، لكنه عدل في اللحظة الأخيرة عن رسم طريق لابنه، وتركه يختط لنفسه الطريق التي يريدها، وكانت هذه الطريق هي طريق الشعر والأدب.بدأت موهبة الزهاوي في الظهور مبكراً، ففي الخامسة من عمره بدأ يترنم بالكلمات الموزونة، وإن كانت خالية من المعنى بطبيعة الحال، فتنبه الأب إلى أذن ولده الموسيقية، وتعهده وشجعه على ذلك بأن وعده بإعطائه درهما عن كل شطر يجيء موزونا. وكان لابد له من دخول الكُتّاب في هذه السن ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، ويحفظ القرآن الكريم، وكان النظام في الكُتّاب لا يناسب الزهاوي، الذي لم يفهم ولم يحفظ ولم يتقدم في دراسته وعلى حد قول ماهر حسن فهمي في كتابه عن الزهاوي: وكأنما كانت حيويته مركزة في جسمه ولا نصيب لعقله منها، بل لقد بلغت طاقته الجسمية حدا انعكس على حركاته التي لا تهدأ أبدا في ضرب غير مألوف أو شاذ، حتى لقد أطلق عليه رفاقه المجنون.أربع سنوات ضاعت على هذا النحو، لم يتم فيها الزهاوي إلا جزءاً من القرآن، ولكنه ما كاد يتم هذا الجزء، حتى كأن ذهنه قد نشط فجأة فإذا به يتم القرآن كله في شهر، ثم أسلمه أبوه إلى بعض تلاميذه يقرأ عليهم النحو والصرف والمنطق والبلاغة، وفيها الأدوات التي تعينه على أن ينظم شعراً سليما خالياً من الأخطاء اللغوية والنحوية. على أنه لم يجد في أساتذته ما يفيده، فقد يسألهم عن أسرار البلاغة وقيمتها الفنية، فلا يجد لديهم إلا قواعد جامدة، وفي الوقت نفسه يسأل أباه، فيجيبه فيفهم عنه، فقرر ألا يضيع سنوات عمره، وأن يلجأ إلى أبيه يدرس معه الشعر في دواوين العرب، وسمع منه ما أغراه بدراسة شاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي.وكان إذا فرغ من درس أبيه، قرأ لغير المتنبي من الشعراء أمثال امرئ القيس والنابغة وزهير والفرزدق وجرير وبشار وأبي تمام، لكن أكثر ما جذبه في حياة المتنبي ذلك الطموح الذي دفعه إلى اقتحام الصعاب، متنقلاً من مكان لآخر وراء أمانيه التي لم يجد سبيلا إلى تحقيقها، بجوار سيف الدولة، فانتقل إلى مصر، إلى أن قرر الرحيل عنها، لأن أيامه بها لا تختلف عن أيامه بجوار سيف الدولة الحمداني.بدأ الزهاوي ينظم الشعر بعد أن امتلك الموهبة، ووسيلة صقلها، حتى كان الكثيرون يعتقدون أن ما ينسبه إلى نفسه من شعر، هو من نظم أبيه، فلما ذكر له ذلك ضحك الأب قائلاً: يجب أن تفرح بدل التبرم فقد بلغ شعرك درجة ألا يصدق الناس أنه لك. وبقدر ما استمد الزهاوي ثقافته من كتب التراث، كانت مجالس أبيه تفتح أمامه أبواباً للتفكير والرغبة الملحة في استكمال ثقافته، وكان أبوه يريد تزويده بكل حدود الثقافة في الأدب والدين واللغات فعلمه الفارسية، حتى أتقنها، والكردية، لغة أجداده، والتركية لغة بلاده الرسمية، والعربية لغة القرآن والشعب، فأصبح يجيد عدة لغات كان لها أثرها في ثقافته وحياته. وعندما بلغ الزهاوي الحادية والعشرين من عمره، كان ذلك في العام ،1884 بدأ حياته العملية معلما بالمدرسة السليمانية، وكان يلبس الجبة والعمامة، وكانت مجلة المقتطف قد بدأت تصل إلى بغداد، بعد أن أسهمت في لفت الأنظار إلى ثقافة الغرب العلمية، لكن الزهاوي شعر بأنها غريبة عليه، وفي هذه الفترة انكب على القراءة حتى أصبح هزيلا، لا يبدو عليه شيء من نضارة الشباب، فشحب لونه، وكانت أغلب قراءاته رياضية وعلمية.وفي أواخر عام 1887 عُيّن مصطفى عاصم والياً على العراق من قبل الحكومة العثمانية، وقرأ فضيلة المفتي (والد الزهاوي) الدعاء باللغة العربية أمامه، طبقاً للمراسيم التقليدية وكانت فرصة للزهاوي الابن أن يمدح الوالي بقصيدة، بعدها عُيّن في مجلس معارف بغداد، وأسند إليه تحرير مجلة الزوراء التي كانت تنشر شؤون الولاية والقوانين والأنباء الرسمية، فلم يجد مجالا فيها لإظهار مواهبه، فتركها، ليعين عضوا بمحكمة الاستئناف في عام 1890. وهكذا في سن السابعة والعشرين يصل إلى ما لم يصل إليه غيره في شيخوختهم، ولم يكن يهنأ بمنصبه الجديد حتى فجع في أقرب الناس إليه، فقد مات والده بعد أن عمر طويلاً وشغل منصب الإفتاء ما يقرب من أربعين عاماً، فأحس الزهاوي بعد رحيله بالفراغ والوحدة القاتلة ولم يعد أمامه إلا أن يشق طريقه بنفسه. وكان عليه أن ينسى الأحزان، بعد عامين من رحيل والده، فاختارت له أمه فتاة من أسرة تركية معروفة في بغداد، ليتزوجها، فهيأت له الطمأنينة والاستقرار، وكان حبه للفن لا يعدله شيء آخر، فلم تفته حفلة واحدة من حفلات يوسف وهبي وفاطمة رشدي ونادرة وسامي الشوا وعبد الوهاب وأم كلثوم، ولم تفته إحدى هذه الحفلات من دون أن ينظم قصيدة يعبر فيها عن مشاعره. وفي إحدى حفلات أم كلثوم صعد الزهاوي إلى خشبة المسرح ينشد قصيدة، كتبها خصيصاً لأم كلثوم، وما إن انتهى منها حتى قبل ثومة في جبينها كما فعل من قبل مع فاطمة رشدي وطلعت صحف الصباح منكرة عليه هذه الخفة، مدعية أنه ينشد الشهرة، ولكنه لم يعبأ، فشهرته أقوى من أن يحاول إثباتها، ومضت حياته لا يعكر صفوها إلا بعض الأمراض التي أصابته في شبابه، كإصابته في النخاع الشوكي. وكان السلطان عبدالحميد قد اعتاد أن يستضيف بعض الشخصيات العربية أيام دعوته للجامعة الإسلامية، فيقضون فترة بالأستانة يعودون بعدها دعاة للسلطان، وكان ممن دعاهم السلطان الزهاوي عام ،1896 وكانت أول مرة يخرج فيها من العراق، وكان عليه أن يذهب إلى مصر ثم يرحل من هناك إلى عاصمة الخلافة، والتقى خلال أيامه المعدودات بمصر أصحاب المقتطف والهلال وغيرهم من أعلام العصر. وتشبع الزهاوي بوجهة نظر جديدة غيّرت رأيه في السلطان قبل أن يضع قدمه في الأستانة، ونشر عدة مقالات بالهلال والمقتطف كما نشر كتابه الأول الكائنات، وهذا ما أفاده من مصر في تلك الفترة، ومن الغريب أن كل ما نشره بها آنذاك لا يمت إلى الأدب بصلة، وفي الأستانة تأكدت لديه وجهة النظر التي كونها في مصر، إذ تزامن ذلك مع اضطرابات خطيرة قامت في تركيا ضد السلطان عبدالحميد. ويبدو أن السلطات العثمانية شكت في ولاء الزهاوي، فوضعته تحت المراقبة ولما أحس بذلك أراد أن يعود إلى بلاده، لكن السلطان أصدر أمره بأن يلتحق ببعثة كانت تتأهب للذهاب إلى اليمن واعظا عاما، وسافرت البعثة عام ،1897 وأمضت عاما كاملا هناك، بعدها أنعم السلطان على الزهاوي بوسام من الدرجة الثالثة، ولما بدا شديد الاعتقاد بظلم السلطان عبدالحميد كتب قصيدة يتهمه فيها بالاستبداد، ويتوعده بالثورة، فاعتقل مع مجموعة من الثوار لكن ما لبث أن أفرج عنه، وحددت إقامته في بغداد.وأصدر الزهاوي كتابه الفجر الصادق وكان قد صدر أمر بتعيينه أستاذا للفلسفة الإسلامية في المكتب الملكي ومدرسا للآداب العربية في دار الفنون بالأستانة وكانت دروسه تعتمد على مناقشة آراء السلف والغربيين، ولم يعجب المحافظين اجتهاده، فرموه بتضليل الطلبة، ويبدو أن الحملة اشتدت حتى اضطر أن يدافع عن نفسه أمام وزير التربية بألا يجبر الطلاب على التزام رأيه، بل يعرض القضية ثم يترك لهم حرية تكوين رأي مستقل، وبدأ يضيق بالأستانة فعاد إلى بغداد، ليعمل بمدرسة الحقوق. وقطع راتبه فيما بعد ووصله مظروف ملكي يبلغه بأن الملك قرر تعيينه شاعراً له براتب شهري، فكتب إليه رافضاً الوظيفة، لأنه لا يريد أن يكون مداحاً لقاء أجرة، ولم يعد أمامه إلا الرحيل إلى مصر، فاستقبله أعلامها، ورحبت به الصحف فنشرت قصائده في صفحاتها الأولى، وكانت الأهرام تنشرها تحت عنوان خواطر فيلسوف، لكن بعد فترة كان النقد من نصيبه، واقتربت الرحلة من النهاية عندما أثيرت ضجة حول قصيدة نشرها في جريدة السياسية، يشكك فيها في كل ما لا يقع تحت الحواس فقرر أن يعود إلى العراق.وفي 25 يوليو/تموز ،1925 عين عضوا بمجلس الأعيان ليخرج منه بسبب نكتة أطلقها حين كان المجلس يناقش ضريبة الدخان، وبعد عشر سنوات كانت ليلة الوداع في الثالث والعشرين من فبراير/شباط ،1936 حين أحس بألم في صدره فجلست إلى جواره زوجته لكنه لم يتكلم، كان قد فارق الحياة.