لولا دمشق لما كانت طليطلةولا زهت ببني العباس بغدانُإنها رضيعة بردى، وربيبة الغوطة، وجارة قاسيون، وأقدم المدن على وجه المعمورة، والجنة التي بسطت ذراعيها لاستقبال أمير الشعراء أحمد شوقي وهو ينشد:جرى، وصفق، يلقانا بها بردىكما تلقاك دون الخلد رضوانإنها حاضرة عبدالملك بن مروان التي قال فيها نزار قباني: والخيل تبدأ من دمشق مسيرها. أجل، انها مدينة التاريخ الغابر، ومدينة الحاضر الزاهر، ومنطلق الفتوحات المظفرة التي تلاحقت مواكبها في كل اتجاه، ومدينة الحضارة التي يطل عليك من أزقتها وأحيائها العتيقة تاريخنا المهيب بكل جلاله وجماله، وتوهجه، وعبقه وألقه، منذ ارتشف حسان بن ثابت من أيدي آل جفنة الرحيق السلسل الى يومنا هذا الذي نرتشف فيه من عين الفيجة ماءها البرود.انها دمشق النسمات العليلة، والنغمات البليلة، تهب عليك وأنت تجوس خلال غوطتها الفيحاء مثقلة بهدايا الربيع من أريج الخزامى، وعبير شقائق النعمان، وأنفاس الشيح والقيصوم، حينما يحل فيها نيسان الفينان ضيفاً كريماً، تحتفي به سهولها وجبالها، وغيطانها وبساتينها، فيتخطر بين جنباتها بأبهى حلة، وأنضر غلالة، تسر البصر والبصيرة، وتملأ الصدور بالسرور والحبور، والأرواح بالارتياح والانشراح.فسلام عليك يا دمشق أرق من صبا برداك، ومعذرة يا دمشق إذا قصرت القريحة الكليلة في وصفك، أو وقعت دون مكانتك. فأنت أكبر من الوصف، وأسمى من الإطراء، وأقصى من مرمى الخيال. أنت ستبقين فريدة في كل شيء، ولأنك كذلك ستظلين وحيدة، لأن الذين لا يعرفون جوهرك وتفردك، ولا يعرفون تاريخك يجهلون ما خلقت له، ولا يدرون انك بنت ماض مجيد وأم مستقبل مجيد.ستبقين وحيدة لأنك آثرت العزة على الذلة، والعنفوان على الإذعان، غير مكترثة بما يمليه عليك غلاظ الأكباد، ومسوخ البشر من رعاة البقر. فما علة كل هذا الصبر على اللئام يا دمشق؟ أهي سجية الكرام، أم مروءة الكماة؟إنهم يحاولون النيل منك تارة بالوعيد والتهديد، وأخرى بالائتمار والحصار، لأنهم يعلمون علم اليقين أنك قلب الأمة، ومقتل الأمة في قلبها لا في أطرافها، وفي أشرافها لا في ألفافها. ولأنهم يدركون إدراك الماكر الغادر أنهم إذا أملوا عليك شروطهم الجائرة استطاعوا ان يوقعوا الأمة العربية كلها في الشراك الأخطبوطي الذي سموه الشرق الأوسط الجديد. وما الذي يجعل هذا الشرق جديداً؟ وما الجدة التي يريدون ان يخلعوها عليه؟ أليست الجدة المقصودة تجريد هذا الشرق من عروبته التي عرف بها منذ ألوف السنين؟ أليست هذه الجدة مكيدة يراد بها غرس ورم خبيث عبراني الجذور امريكي الفروع في جسم عربي خالص العروبة؟يريدون يا دمشق أن تغمسي أناملك في حبر الأحبار، وتمهري ببنان صلاح الدين وأبي عبيدة وخالد بن الوليد ما يخطه لك الصهيوني والمتصهين بلا امتعاض ولا اعتراض. أليس من حقك ان تسألي حفدة بلفور عن القرار الأشهر ذي الرقم (242) وعن موقف منْ قرروه ثم أنكروه مما يزورون ويفترون، ثم يشطبون ما يكتبون؟ وهل يخفى على أحد من تلامذة السياسة لا من أساتذتها، أن الدول التي تكيد لك اليوم هذه المكيدة هي بنات الدول المؤتمرات في المؤتمر الذي عقدوه قبل في (سان ريمو)، وأن طرفي الائتمار اليوم هما: (سايكس) و(بيكو) آخران، وحفيدان جديدان استنسخا من جينات الجدّين المشؤومين؟معذرة يا سايكس وبيكو المستنسخين، فأنتما لم تسمعا قول من قال:دمشق يا مهد أحلامي ومروحتيأشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟ولو سمعتما لن تفهما، ولو فهمتما لأعرضتما، أما أنا فأقول: لا، لن أشكو العروبة فهي براء مما يكاد، لا ذنب لها البتة فيما حدث ويحدث، إنها الضحية لا المتهمة، والمظلومة لا الظالمة، ترى أبناءها يتعولمون، ويحملهم تعولمهم السطحي على ان يتهافتوا على تفاهات العصر، فيتسربلوا بالمظهر السخيف، ويهملوا الجوهر المنتج، وهذا التسربل الشكلي زي مبهرج خداع تكرهه العولمة نفسها، لكم أود لو يأخذون من العولمة ما أخذه الصفر الصغار من الشقر الكبار، فإذا هم يزرعون ويصنعون، ويصدرون ولا يستوردون، ويزاحمون مبتكري العولمة في أسواقهم، ويغزونهم في عقر دارهم، حتى إن دولة صفراء واحدة ربحت من دولة شقراء واحدة مائتي مليار دولار في عام واحد، وهو رقم إذا ما مر في الرؤوس السمراء حسبته أسطورة من أساطير ألف ليلة وليلة، لا حقيقة مرموقة من حقائق الحاسوب.ومع ذلك كله، فإني يا دمشق لا أحنق عليك ولا أحملك جرائر العرب، وحسبك شرفاً أنك تعانين وتكابدين، وتدفعين ضريبة العزة القومية، لأنك تحتضنين البقية الباقية من أمجاد الضاد، وترفضين الانحناء والاستخذاء امام (السايكس والبيكو) المستنسخين في مخابر واشنطن ولندن.أنف الكريم من الدنية تاركفي عينه العدد الكثير قليلاوتجابهين كل فرية مفتراة بحقيقة ناصعة، وكل تهمة مختلقة باللجوء الى الحق. لقد استشهد زين الرجال رفيق الحريري وخلف وراءه خمسة وثلاثين ألف طالب يذكرون ويشكرون، ويثنون عليه بما هو أهله من كرم لا حدود له. استشهد أعظم الرجال بيد آثمة، وحُملَ إثمهُ ظلماً عليكِ لأنك القلعة العربية الباقية أمام الأمواج الطاغية، وسلامة التفكير تقضي أن قاتل الحريري لم يرد إلا مراداً واحداً، وهو ان يحملك وزره، ويشلي عليك أنياب الأغراب.يا لها من مسرحية مضحكة مبكية، تفضي الى محكمة، يحاكم فيها القاتل أهل القتيل، ويتهم السارق المسروق، والمفترس الفريسة، ويصدق فيها الكاذب ويكذب الصادق، في عصر يتحول فيه مجلس الأمن الى مجلس حرب، والحكام الى قتلة، والمحاكم إلى أسواق يباع فيها الشهود، وتثاب شهادات الزور، فمن لي برسول يقول للمجلس الذي يسمى مجلس الأمن:فمالك ترضى بزور الكلاموقدر الشهادة قدر الشهود؟وحتام تبقى أيها المجلس ألعوبة في أيدي الغزاة العتاة، يلوون أعناق قوانينك ويجندون ممثلي الدول العظمى والصغرى لأثرتهم وجشعهم؟دمشق يا قلعة العروبة الراسخة الشامخة، لا تتزحزحي إصبعاً عن مربضك الراسخ، ولا تخفضي شعرة من رأسك الشامخ، فلقد آن لنا نحن أبناء قحطان وعدنان أن نهب هبة رجل واحد، نفضح ما يبيت لنا، ونصد من يربصون بنا، ولن نسمح لهم بأن يقتحموا حاضرة بني مروان بعدما اقتحموا حاضرة بني العباس.