في الرابع من شهر فبراير، قبل ثلث قرن (33 عاماً)، رحلت عن هذه الدنيا كبيرة مطربات العرب في القرن العشرين ام كلثوم. كم يبدو هذا اليوم قريباً، كأنه الأمس، وكم يبدو بعيدا كأنه نصف قرن او أكثر.
يبدو بعيدا، لأن التدهور الذي بدأ انتشاره بسرعة منذ رحيلها في مستوى الغناء العربي الرفيع، استفحل أمره حتى لتبدو أم كلثوم بعيدة عنا اكثر بكثير من ثلث قرن.
لكن يوم رحيلها يبدو قريبا، لأن حضورها الفني في وجدان العرب المعاصرين، ما زال حياً، كأنها رحلت بالامس فقط، او كأنها لم ترحل ابدا.
غير أن هذا الحضور الطاغي لا يمنع وجود اكثر من حاجز، بين الجيل الحالي من المستمعين العرب، وبين كنوز الرصيد الفني الكامل والشامل لأم كلثوم، ومجموعة الملحنين الثلاثة العباقرة الذين صنعوا بعبقريتهم رصيدها التاريخي، وهم بشكل محدد، وعلى التوالي وفقا لارتباطهم التاريخي بأم كلثوم: محمد القصبجي، وزكريا احمد، ورياض السنباطي. ولعل الحاجز الأبرز والأقوى بين هذه الحواجز، هو ان العلاقة بين الاجيال الجديدة من المستمعين العرب وفن أم كلثوم أصبحت محصورة فيما تقدمه بعض الفضائيات العربية، وهو مصور في العقدين الأخيرين من عمر أم كلثوم الفني، بينما يدرك العارفون بهذه الأمور أن عظمة ام كلثوم التاريخية تتركز بشكل رئيسي في العقود الثلاثة الأولى من حياتها الفنية، وهي حقبة غير مشمولة نهائيا بما تقدمه الفضائيات العربية، المحكوم بطبيعة الحال بالنتاج الكلثومي المصور فقط، تلفزيونيا او سينمائيا.
فإذا انتقلنا من هذه المقدمة الى التدقيق بشأن الكنوز الكلثومية التاريخية، المحجوبة قسراً عن آذان الأجيال الجديدة من المستمعين العرب، (وحتى بعض الاجيال المخضرمة)، فإننا سنجد أنفسنا أمام عدد من الكنوز الحقيقية، التي يقف على رأسها برأيي- كنز المونولوجات التاريخية التي أبدعتها عبقرية محمد القصبجي الفذة، وأدتها حنجرة أم كلثوم عندما كانت في ذروة عظمتها الفنية.
المعروف أن محمد القصبجي أصبح أستاذ أم كلثوم الأساسي، بعد انتقالها من الإنشاد الديني الى الانشاد الدنيوي، وبعد رحيل أبو العلا محمد، ملحن قصائدها التقليدية الأولى.
المعروف أيضاً، ان محمد القصبجي ظل يزود حنجرة أم كلثوم بألحانه الخالدة طيلة عقدين من الزمن (1926-1946)، وان التوقف الحقيقي لتدفق الحان القصبجي الكبيرة، قد سبق ذلك بأربع سنوات أو خمس، حيث كانت ألحانه الكبيرة الأخيرة لها مونولوج رق الحبيب، وطقطوقة ما دام تحب بتنكر ليه(1941)، ثم مقطع أوبرالي من فيلم عايدة (1942)، وهو اللحن الذي وضع نهاية تاريخية لتعامل حنجرة ام كلثوم مع الحان القصبجي، اضافة الى ثلاثة ألحان أخيرة متوسطة المستوى، في فيلم أم كلثوم الأخير فاطمة (1946/1947).
لقد وضع القصبجي لأم كلثوم في هذا المدى الزمني ما بين 67 و 70 لحناً. لكننا اذا تعمقنا في المادة اللحنية لهذه الأعمال، نجد أن روح فن المونولوج، هي المسيطرة عليها، أولاً لأن النسبة الغالبة من هذه الأعمال كانت على شكل المونولوج (90% أو اكثر)، ولأن الأعمال الأخرى القليلة على أشكال غير المونولوج، خاصة شكل الطقطوقة (ليه تلاوعيني، انت فاكراني، ما دام تحب)، والقصيدة(ان حالي في هواها عجب، انظري، ايها الفلك)، صاغها القصبجي كلها من معدن المونولوج ونسيجه.
والمونولوج هو شكل استوحاه عظماء المجددين في الموسيقا العربية مثل محمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب (وقبلهما سيد درويش)، من تأثرهم بأجواء الاوبرا الايطالية ذات المقاطع السردية (آريا)، حيث يعالج اللحن موضوعاً واحداً ذا مشاهد متعددة، فيه تماثل وتطابق بين السرد اللحني والشعري، فلا تتكرر فيه الجملة الموسيقية الواحدة، مرة ثانية، الا فيما ندر، وعندما تدعو الحاجة الفنية لذلك.
ان مراجعة دقيقة وعميقة لمجمل ألحان القصبجي لأم كلثوم، تجعلنا نتأكد أنه ملحن المونولوج بامتياز، لأن المونولوج هو الشكل الذي سيطر على عبقرية القصبجي اللحنية من البداية الى النهاية، حتى عندما كان يلحن الطقطوقة أو القصيدة أو سواها من الأشكال.
بقي أن نعرف، في هذه العجالة الصحافية، أن اللحن الاول الذي ركز فيه القصبجي شَكَل المونولوج، بعد بدايات أولى من سيد درويش وعبد الوهاب، هو لحن ان كنت اسامح الشهير، بعده تدفقت قريحة القصبجي حتى رق الحبيب التاريخية، بعشرات المونولوجات المدهشة مثل: فين العيون، طالت ليالي البعاد، ياما ناديت، منيت شبابي ويا مجد (من فيلم نشيد الأمل)، وسواها كثير.
لقد فرضت رفعة مستوى الخيال الموسيقي والبناء الموسيقي في مونولجات القصبجي (ومثلها مونولوجات عبد الوهاب)، تطوراً سريعاً من التخت الموسيقي (كما في المونولوج الاول ان كنت اسامح)، الى الاوركسترا المعتمدة بشكل اساسي على آلات فصيلة الكمان، مثل الكمنجات وآلة التشيلو وآلة الكونترباص، مما جعل عقد الثلاثينات، الذي وضعت فيه معظم هذه المنولوجات، مسرحا واسعا لكنوز حقيقية من ارفع اصناف الموسيقى العربية الكبيرة. وكان صوت ام كلثوم، في تلك المرحلة قد بلغ ذروة نضجه، فزالت منه ملامح الحدة والخشونة، حتى يمكن المقارنة (بلا اي مبالغة) بينها وبين مغنيات الاوبرا التاريخيات، مثل ماريا كالاس اليونانية، وجيسي نورمان الامريكية، ومونتسيرات كاباييه الاسبانية.
فإذا احب قارئ هذه السطور الاطلاع على هذا الكنز من المونولوجات التاريخية واقتناءه، فإنه حتما لن يجدها مصورة على أي فضائية، ولكن يمكن اقتناؤها من اي مكتبة تبيع اشرطة ام كلثوم القديمة، واسطواناتها المدمجة.
الياس سحابيي _