لعل الهم الأساسي الذي يهيمن على المثقفين العرب منذ عقود عدة ما يمكن تسميته بثقافة التأصيل، ذلك التوجه الذي بعث في كل ما يميز الذات العربية ويؤكد فرادتها مع عدم اهدار الواقع بآماله وطموحاته وايضاً مشكلاته، سنجد في كل الحقول المعرفية اسئلة مباشرة تصب في هذا الاتجاه: في الفلسفة، الاجتماع، التاريخ، وغيرها سعياً وراء الاستقلال الثقافي بوصفه الباب الرئيسي لتحقيق النهوض العربي.

في هذا الإطار تأتي محاولة ميجان الرويلي وسعد البازعي بإصدارهما الطبعة الرابعة من كتاب دليل الناقد الأدبي، وأول ما يلفت النظر في هذا الكتاب تلك المصطلحات الأدبية الجديدة التي نجدها في كل طبعة والاهداء المقدم الى الحركة النقدية في الوطن العربي ومع قراءة الكتاب نكتشف أنه دعوة للتفكير في حال النقد الأدبي في الوطن العربي.

تتمثل الميزة الأساسية لكتاب دليل الناقد الأدبي في فكرة المثاقفة النقدية، فهناك عشرات المصطلحات والتيارات النقدية التي لا تقتصر على النقد الغربي فحسب بل تمتد الى طموح يسعى لصك مصطلحات جديدة مستوحاة من الثقافة العربية كالتحيز وفقه الفلسفة مع تتبع تجليات مصطلحات النقد الأدبي الغربية في الثقافة العربية المعاصرة والتركيز على الاتجاهات النقدية التي تنامت على الساحة العربية في تفاعلها مع الغرب ومدى قدرة المثقف العربي على استيعاب تلك الاتجاهات.

إن التأصيل في هذه المحاولة يستمد جديته من القيام بمثاقفة مزدوجة تقوم برصد تطور المصطلح والتيار في بيئته الأصلية، ازدهاره وأفوله، ثم كيف انتقل الينا وهل يناسب التربة العربية أم لا مع محاولة الاستفادة منه قدر الامكان عبر استخدامه كخلفية معرفية في صك مصطلحات عربية الطابع. إنه سعى الى تجاوز اشكالية طالما هيمنت على الفكر العربي المعاصر، ففي حين تدعو أصوات الى تغليب التراث وتطالب أخرى بالاندماج التام في الحداثة، ويسعى فريق ثالث الى محاولة التوفيق بينهما الذي يوصف كثيراً بالتلفيق. تأتي محاولة دليل الناقد الأدبي وغيرها كثير لتؤكد على فكرة تجاوز كل هذه التيارات فترصد مناطق التماس الفعلية بين الثقافتين مع توخي الدقة العلمية في اختيار ما يصلح منهما لواقع ومستقبل الثقافة العربية.

محمد إسماعيل زاهر