13 نيسان/ابريل 1975- 13 نيسان/ ابريل 2008 ،33 عاماً مضت من عمر اللبنانيين وهم مازالوا يتلمسون الحلم، بِسلم أهلي عميق، يؤمن الاستقرار ويطور آليات نظامهم السياسي، بما يبعد شبح الأزمات التي تعصف بهم وبوطنهم كل عقد أو عقد ونصف العقد من الزمن.

اللبنانيون المتقدمون في العمر، أو اولئك الذين راجعوا أو اطلعوا على تاريخهم الحديث يجدون وكأن المكتوب عليهم أن يواجهوا دائماً الواقع المر، القائم على حد السيف، أو على فوهة بندقية الحروب الأهلية.

بين 1943 السنة التي أخذ فيها لبنان استقلاله، و1958 ،15 عاماً من عمر لبنان، شهد اللبنانيون، فيها الاستقرار والأزمات، عرفوا فيها أياماً من الهناء والهدوء، وخبروا فيها أياماً وسنوات من الأزمات..

وفي هذه الحقبة تداخل فيها الكثير من المحلي بالإقليمي والدولي، ولعل أول رئيس استقلالي بشارة الخوري، الذي أطاحت به أزمة كبرى نشأت عام ،1952 مات في مطلع ستينات القرن الماضي وهو يتحلى بكثير من الطرافة، إذ ظل يردد كلما سئل عن الأسباب التي أدت به الى الاستقالة، بعد أزمة سياسية اقتربت من الفتنة الحق على الطليان، وهو كان يقصد بذلك الانجليز الذين تدخلوا بكل وسائلهم منذ العام 1949 ضده، ووجدوا في التحالف المعارض ضده، السبيل الأفضل للإطاحة به في 23 أيلول/سبتمبر 1952.

وعلى هذا النحو، كانت الأزمة المحلية عام ،1958 التي تداخل فيها المحلي، بالإقليمي بالدولي، واللبنانيون في هذه الأزمة التي دخلت طور الحرب الأهلية منذ شهر أيار/مايو، كانوا يدفعون الثمن، وانتهت تلك الأزمة الكبرى في أيلول/سبتمبر بانتخاب قائد الجيش اللبناني آنئذ رئيساً للجمهورية وهو العماد فؤاد شهاب، فكان عليه أن يضمد الجراح ويعيد اللحمة، فأطلق شعار اللاغالب واللامغلوب، وهكذا بدأ البلد الصغير منذ مطلع العام 1960 يدخل طريق الهدوء والسلام والاستقرار. ولكن، لأن المنطقة التي أطلق عليها الشرق الأوسط، تقع على خط زلازل التطاحن الدولي القائم على النفوذ والصراع الدولي، كان يترك كل تأثيراته على لبنان، ولما كان سياسيو لبنان غير قادرين تماماً كما الفترة الماضية من 1943 حتى ،1958 على تطوير آليات نظامهم، بدأوا يقعون في التجربة المرة، بحيث ما إن أطلت سبعينات القرن الماضي حتى صار الزلزال في صميم اللعبة اللبنانية، فتداخلت مرة أخرى عناصر الصراع السياسي اللبناني الداخلي، بالواقع الإقليمي والدولي، وكانت الشرارة، وبدأت الأزمات سواء في المنطقة أو في الداخل تترك تأثيراتها وصارت تنتظر الشرارة التي حدثت عند الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الأحد في 13 ابريل/نيسان 1975 ليندلع اللهيب على أوسع مدى.

وإذا كانت فتنة العام 1958 لم تستغرق إلا نحو أربعة أشهر، إلا أن اللهيب في العام ،1975 كان مختلفاً، وكان أشمل، وأخطر وامتد طويلاً لمدة 15 عاماً.. وتحديداً حتى أواخر العام 1990.

هل استفاد اللبنانيون من تجاربهم المرة؟ هل اتعظوا من تواريخهم السابقة، ومن مواقع آلامهم ومحطات أحلامهم؟ لعل الأزمة التي يعيشها لبنان منذ العام ،1975 فيها بعض الجواب أو كل الجواب.

في 13 نيسان/ابريل 2008 تحضر ذكرى الحرب المجنونة التي اندلعت شرارتها في العام ،1975 وخلفت خسائر كبرى في محطاتها المختلفة من حفلات القتل الجماعي، والخطف على الهوية، والقتال على خطوط التماس، والتهجير الجماعي والحصيلة كانت على مدى 15 عاماً أكثر من 150 ألف قتيل وأكثر من 200 ألف جريح وأكثر من 50 ألف مقعد ومشوه حرب، واكثر من مليون مهاجر لبناني إلى رياح الأرض الأربع، ناهيك عن التهجير الداخلي من منطقة الى أخرى، دون أن يتمكن الكثير منهم من العودة بعد الى مناطقهم.

ماذا بعد؟

يكفي أن نشير الى أن أجيالاً ترعرعت من الأيتام صاروا اليوم آباء وبعضهم أجداداً، أجيالاً عاشت ونمت واستقرت بعيداً عن مساقط رؤوس أهاليهم وأجدادهم، وأجيالاً وأجيالاً، ترعرعت في الخارج والكثير الكثير منهم بالكاد يذكر أنه من أصل لبناني.

في 13 نيسان/ابريل ،2008 يتذكر اللبنانيون، أو على الأقل الأجيال التي نمت وكبرت على أصوات الموت المنبعث بين القذيفة والقذيفة، والطلقة والطلقة، فيحاولون ان يتذكروا حتى لا تتكرر المأساة.

يحضر أمام اللبنانيين اسطورة اوروبوروس فتنخلع قلوبهم ويحاولون ان يبعدوا الكأس المرة عن أولادهم. وقصة اوروبوروس هي ذاك الثعبان الاسطوري العملاق، القادر على الالتفاف حول نفسه فيبلع رأسه ذنبه، ويصير كالدائرة المغلقة، بحيث أنه ما إن يقترب أحد منه حتى يبصق ذيله ويبتلع من يقترب منه، ويعود من جديد الى شكله الدائري.

من أجل ألا تتكرر المأساة.

في أجواء الانقسام اللبناني الراهن، تذكر اللبنانيون يوم الحدث المشؤوم، استحضرت هيئات وجمعيات وشخصيات من المجتمع المدني الذكرى، فنشطوا ذاكرتهم، واستحضروا الكثير من ذكريات الأمس الكالحة، حتى يقولوا للشباب الطلع، إياكم والتجربة.

وهكذا شهدت بيروت، على خطوط تماسها القديمة كما المناطق اللبنانية الأخرى معارض الصور، والمسيرات واللقاءات والندوات إضافة الى الحملات الإعلانية، وكلها من أجل أن تنذكر وما تنعاد.

فقد نظمت جمعية مهرجان الصورة الذكرى، في الذكرى 33 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية حملة إعلانية تحت عنوان من ذكرى... للذاكرة، فانتشرت البانويات الإعلانية الكبيرة في مختلف المناطق اللبنانية، تحمل صوراً من الحرب، وفيها باص استعمل خلال الحرب القذرة كمتراس عند أحد خطوط التماس التي قطعت العاصمة بيروت وكتبت عبارة ما بدنا المتراس يرجع.

وعند الثالثة من بعد ظهر أمس، نظمت 43 جمعية أهلية مسيرة انطلقت من عند تقاطع كنيسة مار مخايل عند التقاطع الفاصل بين الشياح وعين الرمانة وسارت شمالاً على خط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية قديماً والذي يعرف باسم طريق صيدا القديمة باتجاه الوسط التجاري في بيروت.

وأرادت هذه الجمعيات التي أكد مسؤولون فيها أن جمعياتهم ليست موالية ولا معارضة وهي لا تنتمي الى 14 ولا 8 آذار/مارس، أن تعبر عن تكاتف اللبنانيين وتضامنهم، وبالتالي لم يحمل المتظاهرون سوى الأعلام اللبنانية، وقد أرادوا من خلال هذه المظاهرة أن يوجهوا نداء ودعوة الى كل المسؤولين من أجل التعاون والكف عن الانقسامات وأن يكونوا صرخة واحدة ضد ما يتهدد لبنان. هم باختصار، أرادوا من هذه التظاهرة صرخة من كل من عاش هذه الحرب ويخاف أن تتكرر، ولهذا لم يحمل المتظاهرون صور سياسيين ولا أعلاماً حزبية، وارتدى المشاركون في هذه المظاهرة قمصاناً بيضاء حملت شعار وحدتنا خلاصنا.

وخلال سير التظاهرة توقف المتظاهرون عند مستديرة الطيونة التي تفصل بين منطقة بدارو وشاتيلا، دقيقة صمت واحدة ثم أكملوا سيرهم، وعند جسر فؤاد الأول الذي يفصل منطقة المتحف عن البربير، تدفقوا قليلاً حيث تمت إذاعة بيان يدعو الى الوحدة ليتابعوا طريقهم على اوتوستراد بشارة الخوري ليتوقفوا في ساحة الدباس بالقرب من ساحة الشهداء في قلب الوسط التجاري لبيروت، حيث اقيمت ندوة شارك فيها زملاء من عدة وسائل اعلامية أكدوا ضرورة نبذ أي شكل من اشكال العنف، وأكدو الوحدة والحوار والتضامن. وفي الختام تلا الجميع دعاء موحداً لكل الطوائف من أجل السلام الأهلي.

وأمام تمثال الرئيس الاستقلالي الأول بشارة الخوري، وفي الاوتوستراد الذي يحمل اسمه، وتحديدا عند نقطة تقاطعه مع السوديكو والناصرة البسطة الأسواق، أُقيم منذ أول أمس معرض للصور الفوتوغرافية، التي عرضت لمآسي الحرب وويلاتها منذ العام 1975 حتى العام ،1990 كما القيت كلمات، وندوات صغيرة وموسعة، تحدثت كلها عن التجربة القاسية والصعبة التي مرّ بها لبنان واللبنانيون وعن ضرورة ألا تتكرر الخطيئة مرة أخرى.

ونظمت حركة الشعب عرضا لمتاريس الحرب على خطوط التماس السابقة، عند تقاطع اسعد الاسعد - عين الرمانة، لمناسبة ذكرى 13 نيسان حتى ما تنعاد، وعند الثالثة من بعد الظهر عند تقاطع بشارة الخوري.

ونظم اتحاد الشباب الديمقراطي وتيار المجتمع المدني، لمناسبة ذكرى حرب نيسان، مسيرة انطلقت من تحت جسر الكولا مرورا بطريق الجديدة والبربير والنويري والبسطة التحتا صعودا الى ساحة ساسين في الأشرفية، واختتمت عند تقاطع السوديكو بمشاهد مسرحية عن الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

ونظم نادي الاندفاع الرياضي تحت شعار نجتمع كي لا نفترق، في ذكرى شرارة الحرب اللبنانية، في فندق روتانا - الحدث.

وفي صيدا، رفع طلاب مدرسة الإيمان لوحة فنية كبيرة عند مستديرة إيليا، كتب عليها لا للحرب.