"أمس الأحد الساعة الواحدة بعد الظهر، اهتزت القاهرة، بل اهتزت البلاد كلها لطلق ست رصاصات من يد شاب وطني على عطوفة رئيس النظار بطرس باشا غالي، وهو خارج من نظارته يستعد لركوب عربته، أطلقها عليه فتى وطني يسمى إبراهيم ناصف الورداني لا يتجاوز عمره الثانية والعشرين، فقبض عليه في محل ارتكاب الجريمة، وربط بحبل، وسجن في إحدى غرف الحقانية واستلمه سعادة النائب العمومي للتحقيق معه".

كان هذا نص الخبر الذي نشرته الأهرام في 21 فبراير ،1910 وبسبب ما فعله الورداني اهتزت مصر بكاملها وتلقفت الصحافة الخبر وتابعت تفاصيل القبض على الورداني ومحاكمته، كما تبارى الشعراء وكتاب المقالات في الكتابة عن الحدث الجلل. كاتب هذه السطور ينتمي بصلة قرابة لإبراهيم ناصف الورداني، وفي مصر هناك عدد من العائلات التي ينتهي لقبها بالورداني، وبعضهم ينحدر من بلده وردان في مديرية الجيزة، والبعض الآخر ينتمي لعدد من المدن المختلفة، من بينها العائلة التي عاشت في حي الجمالية بالقاهرة منذ أواخر القرن التاسع عشر وهي العائلة التي ينتمي لها الصيدلي إبراهيم ناصف الورداني، الذي قام باغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي وبسببه غنّت مصر الأغنية الشهيرة ومطلعها:

قولوا لعين الشمس ما تحماشي

لاحسن حبيب القلب صابح ماشي

ألف المصريون هذه الأغنية وغنوها صباح اليوم الذي نفذ فيه حكم الإعدام في الصيدلي الشاب، وهي إحدى طرق مقاومة الاحتلال التي اشتهر بها المصريون وأمكنهم أن يغنوها دون أن يتعرضوا لعقاب المحتلين.

أما سبب الاغتيال فيعود إلى أن الحركة الوطنية المصرية التي استيقظت بعد ثمانية عشر عاما من الاحتلال، اعتبرت بطرس غالي رئيس الوزراء أداة طيعة في يد الإنجليز بإصداره قانون المطبوعات الذي كمم أفواه الصحافة، وكانت الصحافة رافعة مهمة من روافع الحركة الوطنية بسبب سيطرة سلطات الاحتلال على الأدوات الأخرى التي يمكن استخدامها مثل البرلمان أو الأحزاب أو التجمعات المختلفة، لذلك ما إن أصدر رئيس النظار بطرس غالي (بالمناسبة بطرس غالي الذي اختاره السادات وزيرا للشؤون الخارجية، ثم تولى أمانة الأمم المتحدة ورياسة المجلس القومي لحقوق الإنسان أخيرا من أحفاد العائلة نفسها)، قانون المطبوعات، حتى تعرض للهجوم الشديد وكتب حافظ إبراهيم قصيدته الشهيرة ومطلعها:

فتقيّدت فيه الصحافة عنوة

ومشى الهوى بين الرعية مطلقا

كانت تواسينا على آلامنا

صحف إذا نزل البلاء وأطبقا

وتوالت حملات الصحافة ضد بطرس غالي ولم يتورع الأخير عن استخدام القانون الجائر ضد الشيخ عبدالعزيز جاويش الذي كتب مقالا ناريا في ذكرى حادث دنشواي الذي أعدمت فيه سلطات الاحتلال فلاحين أبرياء وجلدت آخرين علنا في قرية دنشواي لإرهاب مصر بكاملها، وحكمت المحكمة على الشيخ جاويش بالسجن بسبب المقال المشار إليه.

وحسبما يشير الكاتب الراحل محمد سيد كيلاني في كتابه الجميل صغير الحجم "فصول ممتعة" فإن الشاعرين المشهورين في ذلك الوقت أحمد شوقي وإسماعيل صبري صمتا تماما وكأن الأمر لا يعنيهما فالأول شاعر الخديو عباس المتحالف مع الإنجليز، والثاني كان صديقا شخصيا لبطرس غالي.

ويضيف كيلاني أن السبب المباشر لاغتيال بطرس غالي هو موقف الأخير من مشروع سلطات الاحتلال بمد امتياز قناة السويس، حيث دافع بحرارة عن المشروع بينما الأمة بمسلميها وأقباطها ترفضه وهو ما تجسد في المقالات والقصائد التي نشرتها الصحافة آنذاك.

ولم يكن ما طالبت به "المقطم" إلا تعبيرا عن انتشار الشائعات الكاذبة التي سببت متاعب ومشاكل لا حصر لها، من بين تلك الشائعات التي أدت إلى هبوط أسعار البورصة الشائعة التي انطلقت في كل مصر تؤكد أن إبراهيم الهلباوي المحامي المشهور في قضية دنشواي والذي مثل الادعاء على الفلاحين قتل في محطة العاصمة.

من جانب آخر أدى الاغتيال إلى تعريض الوحدة الوطنية بين الأقباط والمسلمين إلى منعطف خطير.

والحقيقة أن نسيج الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط الذي تزهو به مصر كاد يتمزق، فالجاني مسلم والمجني عليه قبطي، ويهم سلطات الاحتلال أن تنفخ في النار لتأكل الأخضر واليابس. ومن يقرأ صحف تلك الأيام سيذهل من شدة الخلاف ووصوله إلى أزمة مستحكمة بل إن أحد الأقباط كتب مقالا جاء فيه:

مصر تصيح مولولة قائلة: ألا شلّت يداك أيها الولد المسموم، سموم المتهورين الذين ملأوا رأسك الطائش وقلبك المرن بسخافات يحلو لك بإتمامها الموت، لقد جررتم على البلاد مصائب هائلة ونكبات متكاثرة منها الأزمة المالية وزيادة الحامية البريطانية التي كنت أبغضها فصرت أرحب بها اليوم.

وحاول الخديو التخفيف من الحادث، فزار بطرس غالي فور وقوع حادث الاغتيال، ثم عين ابنه الأكبر وكيلا للخارجية وحاول عقلاء الأقباط من جانب آخر توجيه الأمور الوجهة الصحيحة، وألقى مرقس فهمي باشا عددا من الخطب في تجمعات الأقباط من بينها ما نشر عام 1910 وجاء فيه:

"إذا قتل الورداني متعصبا وحده، أو مع شركائه، فليس ذلك دليلا على أن كل المسلمين أرادوا هذا القتل، ولا على أن المسلمين يريدون أن يقتلوا المسيحيين تعصبا".

ويحفل كتاب محمد سيد كيلاني السابق الإشارة له بعدد كبير من مختارات من قصائد وغيرها تكشف عن انقسام الأقباط إلى فريقين، الأول تعامل مع حادث الاغتيال بوصفه عملا موجها ضد خائن بصرف النظر عن ديانته، والثاني تعامل معه بوصفه حادثا طائفيا محضا، ومن المثير للدهشة أن أحمد شوقي واصل صمته ولم يكتب ليعبر عن رأيه في هذا الحادث الجلل، وهو الذي لم يترك شاردة أو واردة إلا وكتب عنها، واقتصرت مشاركته على اثني عشر بيتا لا تعد رثاء لغالي بل ردا على إسراف الأقباط في حزنهم ودعوتهم للهدوء والسكينة.