من بين الصعوبات الكبيرة التي تواجه إعادة التأسيس النظري للثقافة العربية المعاصرة، هو ذلك الالتباس الكبير الذي يقع على مستوى التقاطع والالتقاء بين الهوية الثقافية العربية والهويات الفرعية والتجزيئية التي تميز الدول الوطنية والقطرية على مستوى جغرافية الوطن العربي. والهوية الثقافية لا يتم الحديث عنها في العادة إلا في سياق معارضتها بثقافة أخرى، قد تكون أكثر انتشارا أو تملك مقومات تجعلها تتصف بكونية أو شمولية أكبر. حدث هذا الاصطدام بين الثقافات في فترات مختلفة من الحقبة المعاصرة بين الثقافة الغربية وثقافات أخرى مثل الثقافة الروسية واليابانية والصينية.

يمكن القول إن تاريخ الاستعمال الثقافي والسياسي لمفهوم الهوية حديث إلى حد بعيد وارتبط بمقتضيات أملتها الضرورات السياسية التي ميزت الوطن العربي بشكل عام، والدول القطرية بشكل خاص، وظل مرادفا في مجمل الحالات لمفهوم الخصوصية الثقافية. باستثناء الحالات التي كان يتم فيها مقابلة تحديات الأصالة الثقافية للأمة العربية مع تحديات التحديث والمعاصرة، التي كان يفرضها الفضاء الثقافي الغربي بكل مكوناته وعناصره الحضارية والتقنية، التي تميزت بالشراسة والعدوانية طورا، وبالنعومة والسعي إلى قلب البنيات الفكرية السائدة أطوارا أخرى.

وتحمل الهوية معاني اصطلاحية متعددة بالنظر إلى السياقات المعرفية التي يوظف فيها المفهوم وقد أشار أرسطو إلى كونها تشير إلى خاصية ما هو نفسه أو ما هو مطابق لذاته، حتى وإن كان قابلا للإدراك والتمثيل والتسمية بطريقة مختلفة. وقد ذهب المنطقي الألماني فريجه إلى القول، وفق ما تمت الإحالة إليه في الموسوعة الشاملة، أنه مادام كل تعريف هو عبارة عن هوية، فالهوية في حد ذاتها لا يمكن أن تعرّف.

وإذا كانت الثقافة جزءاً من الهوية الجماعية فإنها تدخل في حالات عديدة في صراع مع الهوية الفردية والهوية التمييزية، التي تقدم من خلالها الذات جملة من الخصائص تجعلها مختلفة عن بقية الأفراد. ومع ذلك فإشكال الهوية هو محاولة كما يرى كل من آلان رينو وسيلفي ميزور، للإجابة عن سؤال: من أنا؟ الذي يحيل إلى الهوية الفردية وسؤال: من نحن؟ الذي يرتبط بالهوية الجماعية، ومع ذلك فإن الصعوبة الملازمة للهوية الإنسانية تكمن أساسا في الطريقة التي يمكننا من خلالها أن نفكر ويقول كل واحد منا أنا في موازاة مع قولنا في اللحظة نفسها نحن. وهذه الصعوبة التي تعمل السياقات والثقافات إما على اختزالها أو على تضخيمها، غير أنها تبقى تمارس دورا مؤسسا بشكل بنيوي.

الثقافة واللغة العربية

إن الثقافة العربية وما يرتبط بها من هوية ومن ثمة أصالة ومعاصرة، تتأسس وتنبني على قاعدة محورية ذات رهانات في غاية الأهمية والخطورة هي اللغة العربية، والحديث عن هوية ثقافية مشتركة بعيدا عن القاسم المشترك للمعطى اللغوي سيكون خاليا من المعنى حينما تكون الشعوب معرضة لانقسام لغوي واستقطاب لساني،ثنائي أو تعددي، حاد يستحيل معه التواصل السلس بين الأفراد. فثقافة وحضارة أي أمة هي جزء لا يتجزأ من لغتها، بل إن السمات الثقافية المشتركة تتأسس انطلاقا من الخصوصيات والقواعد الظاهرة والثاوية للبنية اللغوية.

ويمكن للإنسان أن يتعلم في حياته لغات عديدة، لكنه يظل يفكر باستمرار، انطلاقا من لغة بعينها هي لغة الأمومة، لذلك فإن الأسس التي تبلورت وفقها النزاعات، بل وحتى الحروب القومية المدمرة التي شاهدتها القارة الأوروبية في الحقبة المعاصرة، ترعرعت في حضن الفكر الرومانسي الألماني الذي شدد على الخصوصية الثقافية الجرمانية التي تعتمد على الحمولة الحضارية للغة الألمانية. منذ أن أكد الفيلسوف هومبولت على الصلة الوثيقة وعلى العلاقة الجدلية التي تربط بين الأمة واللغة، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة حيادية للتواصل والتعبير، إنها الفضاء الروحي والتجسيد المادي للأمة وكل أمة تملك من المقومات الحضارية، بقدر ما تملك من كفاءات لغوية قادرة على الاستجابة الملائمة لمختلف التحديات التي تواجه مسيرة التطور والرقي والنماء. كما أن الثراء والغنى الفكري والدلالي الذي تملكه لغة من اللغات، هو إغناء وإثراء للناطقين بها وتطوير للقيم الحضارية التي يحملونها ويدافعون عنها، لأن البنية اللغوية تؤثر تأثيرا بالغا على أسلوب وطريقة تفكير من يتبنونها ويرفعونها كشعار لهويتهم الحضارية والثقافية. وبالتالي فأسلوب التركيب اللغوي، هو ذاته الأسلوب الذي يخضع له الفعل الإبداعي داخل سياق كل حضارة من الحضارات الإنسانية، وقد أفضى هذا الاعتقاد بهايدغر إلى التأكيد على مقولته التي أصبحت متداولة على نطاق واسع، وهي أن اللغة هي مسكن الكينونة. بحيث يصبح الوجود الإنساني مرادفا للوجود اللغوي، ويتحول الوجود إلى وجود في اللغة وليس خارجها، وما أصعب وفقا لذلك، أن يتواجد الإنسان في سياق لغة ليست لغته وليست له القدرة على أن يدخل معها في حوار حميمي.

ويمكن القول أن الهيمنة الثقافية هي في أساسها هيمنة للغة من اللغات على لغات أخرى، مثلما أن العولمة هي في أساسها عولمة للغة وتجزؤ وتفتيت للغات الأخرى التي تعجز عن رفع رهان التحدي الإبداعي الذي تفرضه المدنية المعاصرة، يقول يورغن ترابان في دفاعه عن سمات الهوية اللغوية إن هومبولت لم يتوقف عن القول والتأكيد أن النظرية اللغوية التي ترى في اللغة مجرد علامة اعتباطية تستعمل لغرض التواصل، غير ملائمة لفهم ماهية اللغة ومضرة لمسار دراستها، لأنها تتصورها وتتعامل معها وفقا لصيغ وظيفية بحتة، يجوز استبدالها كما يتم استبدال باقي الوسائل المادية المتهرئة التي تتآكل وتنتهي صلاحيتها.

ويمكن القول أن اللغات هي تماما مثل الثقافات والشعوب، تتعرض للمسخ والتشويه والإبادة، وهناك لغات كثيرة اختفت خلال القرن الماضي، لأنها لم تستطع أن تصمد أمام هجمات اللغات والثقافات الأخرى. وإذا كان وضع اللغات الحضارية الكبرى مثل اللغة العربية مختلفا، انطلاقا من أن اللغة العربية لها امتياز حمل كتاب من أقدس الكتب السماوية وهو القرآن الكريم، فإننا رغم ذلك، أن هذه اللغات تعرضت لسلسلة من التشويه والخلخلة الأمر الذي جعلها تحافظ على توازنها وتماسكها الداخلي بصعوبة بالغة، نتيجة لموجات الاستعمار التي أسهمت في بروز وضعيات غير سوية من التعدد اللغوي، مثلما نلاحظه في الكثير من الدول العربية. وقد جاءت موجة العولمة الجديدة لتفاقم من هذه الوضعية التي تجد فيها اللغة العربية الفصيحة نفسها محاصرة في عقر دارها من قبل اللغات الأجنبية من جهة واللهجات الفرعية للتجمعات السكانية المختلفة. والمشهد الجديد يتميز بوضعية لسانية غير مسبوقة، تتمثل في وجود مجتمع عربي يملك سمات حضارية مشتركة ولهجات محلية متعددة، تؤدي الوظيفة التواصلية المباشرة التي كان يفترض أن تضطلع بمهام انجازها اللغة العربية، بوصفها تمثل القاسم المشترك لكل العرب من المحيط إلى الخليج.

إن لهجات العرب التي تم ترقيتها في كثير من الحالات، إلى مستوى ومرتبة اللغات بدعوى تسهيل التواصل، أفرزت على خلاف ذلك وضعيات متكررة من غياب التواصل الذي يصل في بعض الأحيان إلى مرحلة الجفاء والرفض المنهجي للآخر العربي، انطلاقا من سيطرة أحكام مسبقة تجرّم الآخر العربي بطريقة تلقائية.

وبإمكاننا أن نستنتج بكثير من اليسر، أن قسما كبيرا وأساسيا من التحديات التي ستواجه الثقافة العربية، سيكون مرتبطا بالوضع اللغوي المتأزم، الذي يتم تجاوزه أحيانا باللجوء إلى استعمال اللغات الأجنبية ولغة المستعمر، لتكون بذلك لغة الآخر هي الوسيلة المثلى لتحقيق التواصل على حساب اللغة العربية. ورغم ذلك فإن لغة الضاد تبقى محافظة على سحرها وبهائها الذي يأسر النفوس كما تظل محافظة على قدسيتها حتى بالنسبة لمن لا يملكون القدرة على التواصل من خلالها، بالنسبة للمسلمين من غير العرب. ومواجهة الوضعية الحالية لا يرمي فقط، إلى حماية اللغة العربية، لكنه يُترجم طموحا عربيا لجعل هذه اللغة لغة عالمية، على قدم المساواة مع اللغة المسيطرة مثل اللغة الانجليزية، خاصة وأن حجم الإسهام العربي في سوق العولمة الاقتصادية يؤهلها من الناحية النظرية أن تساهم في الارتقاء باللغة العربية إلى مصاف اللغات العالمية في النصف الثاني من القرن الحالي.

ونزعم هنا أن التركيز على العلاقة الوثيقة بين الثقافة العربية واللغة، نابع من قناعة مؤداها أن اللغة ليست وسيلة محايدة ولن تكون كذلك في المستقبل، بالنظر إلى الرهانات الخطيرة التي تحملها. فاللغة تمثل الأداة الأكثر نجاعة للإخضاع والهيمنة والسيطرة، والسلطة بمعناها الواسع، كما حدده الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، ليس لها مكان محدد وتنبع من كل الأمكنة وتتحه نحو كل حدب وصوب ويمارسها الغالبون والمغلوبون على حد سواء، لأنها ليست في نهاية التحليل جوهرا قائما بذاته بل هي ذات طبيعة إجرائية، وهذه السلطة تسجل نفسها، وفق تعبير رولان بارط داخل اللغة، وتحديدا ضمن فضاء اللسان الذي هو شفرة للإخضاع والقمع والاستلاب والتغريب. وبالتالي فإن تتكلم لا يعني دائما أن تتواصل ولكن أن تقبل وضعية العبودية والخنوع لنظام ما هو نظام اللسان، لذلك يصل بارط إلى القول أن اللسان بوصفه ملكة ومقدرة تميز كل لغة ليس رجعيا ولا تقدميا، إنه بكل بساطة فاشي.

وهذا التوظيف الرمزي والمجازي لكلمات تنتمي للقاموس السياسي، يهدف إلى إثارة الانتباه إلى التوظيفات والاستعمالات الخطيرة للغة، التي يمكن أن تؤدي على مستوى الممارسة الثقافية إلى وضعيات تكون فيها الهوية الثقافية لشعب من الشعوب ضحية لهيمنة مبرمجة وتدريجية، تمارسها ثقافة ما على ثقافات أخرى انطلاقا من الآليات الإيديولوجية التي يوفرها الفضاء اللغوي. فالتأويلات التي تتم عبر وساطة اللغة تسمح بتطوير أشكال ثقافية متعددة، تنتقل بالضرورة ودون سابق إنذار أو استئذان من لغة الثقافة المهيمنة إلى الثقافة المستقبلة التي لا تملك في العادة خيارات عديدة للمقاومة وصد المحاولات الرامية لكسر إرادتها في الحياة والوجود.

وضمن البيئة الثقافية نفسها التي ينتمي إليها مستعمل اللغة، نجد أن الخطاب الذي تدافع عنه السلطة يبنى ويطور آليات لغوية خاصة به، من أجل إخضاع أكبر عدد ممكن من الأفراد للأطروحة الرسمية التي تروج لها السلطة وتدعمها، وفق صيغ إقناعية مباشرة وغير مباشرة، تمارس عملها ضمن وتيرة تتماشى مع وتيرة الدعم الذي تحظى به على المستوى الشعبي.

إن الرصيد الإبداعي الذي مازالت اللغة العربية تحتفظ بعناصره التي تعود بجذورها إلى مرحلة الإشعاع الثقافي للحضارة العربية الإسلامية، لن يكون كافيا للصمود مستقبلا في وجه البدائل المتعددة التي توفرها اللغات الأوروبية، بالنسبة لصيغ التواصل ونقل المعارف وفق منهجيات توفر سهولة مذهلة في الاستيعاب والتأقلم مع الوضعيات الجديدة التي تواجه مستعملي اللغات. ولن يكون كافيا إقناع الأجيال المقبلة بالتمسك بلغتهم القومية من منطلق الوفاء لتراثهم وأصالتهم، لأن الرهان الحضاري لا يمكن كسبه من خلال الترويج لشعارات تعوزها إمكانات التجسيد المادي على أرض الواقع.

جزء من ورقة الحسين الزاوي في المؤتمر السنوي الثامن لمركز الخليج للدراسات