موظفون صغار وعمال من أقصى الصعيد، فلاحون من الدلتا وطلاب لفظتهم مدنهم الجامعية بسبب السن، سياح ومواطنون بسطاء من الأقاليم، اضطرتهم رحلة مطاردة ورقة رسمية في وزارة إلى المبيت في العاصمة لليلة واحدة وأخيرة.
تلك هي النوعية التي تمتلئ بها كل ليلة، غرف عشرات من فنادق وبنسيونات البسطاء وسط البلد في القاهرة، حيث لكل بنسيون حكاية عجيبة، ولكل نزيل قصة أعجب.
الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة في مصر تقول إن منطقة وسط القاهرة تضم وحدها أكثر من مائة فندق وبنسيون صغير، تنتشر على طول المسافة التي تربط ما بين أقسام الأزبكية وعابدين والموسكي، وإن كان أغلب هذه البنسيونات، يتركز في شارع عماد الدين (كلوت بك)، الذي يمتد من ميدان رمسيس، وحتى منطقة العتبة.
ويضم شارع كلوت بك وحده ما يقرب من ثلاثين بنسيونا وفندقا صغيرا، من اشهرها لوكاندة محمد علي وبنسيون النيل وكوكب الشرق، فضلا عن لوكاندة سوهاج الكبرى، التي يقبل على سكناها القادمون من الصعيد على نحو لافت.
ويحكي العجائز من سكان هذا الشارع العتيق، قصة إنشاء هذه البنسيونات، ومعظمها يعود إلى مطلع السبعينات، عندما بدأت العشرات من مكاتب الفنانين التي كانت تنتشر على امتداد هذا الشارع في إغلاق أبوابها، بعد أن هجرها زبائنها التقليديون، وتحويل نشاطها إلى بنسيونات لخدمة أبناء الأقاليم المقيمين في العاصمة بصورة مؤقتة.
وتكتسب فنادق شارع كلوت بك شهرتها من رخص أسعارها، إذ إن سعر المبيت لليلة واحدة في أي من هذه الفنادق في غرفة مشتركة بالطبع، لا يزيد على خمسة عشر جنيها للفرد الواحد، فضلاً عن قربها من محطة مصر أو باب الحديد الأمر الذي يسهل المهمة كثيرا على مرتاديها وخاصة القادمين من أقصى الصعيد، ومجاهل الدلتا، حيث لا يبتعد الشارع سوى أمتار قليلة عن محطة السكة الحديد، فضلاً عن وجوده في منطقة وسط البلد حيث تتركز معظم المصالح والدواوين الحكومية.
وتتميز معظم لوكاندات وسط البلد بمبانيها العتيقة، التي يرجع تاريخ بنائها إلى بدايات القرن الماضي، ومعظم هذه اللوكاندات لا تربطها علاقة من نوع ما مع وزارة السياحة، لكن علاقتها المباشرة تكون مع قسم الشرطة التابعة له، حيث يتعين على صاحب اللوكاندة أن يقدم المعلومات اللازمة لأفراد الشرطة عن النزلاء من خلال هوياتهم الشخصية، فلا يجوز لأي بنسيون أن يقبل نزيلا إلا إذا قدم ما يثبت شخصيته لإدارة البنسيون، وإلا يتعرض المكان للإغلاق لأسباب أمنية.