طوى لبنان أمس صفحة الأزمة السياسية التي اشتعلت فيه واحتدمت منذ 18 شهرا، وذلك بإعلان اتفاق بين فريقي الأزمة في الموالاة والمعارضة على بنود حل في ختام مداولات مؤتمر الحوار الوطني الذي استضافته الدوحة، وبجهود حثيثة ساهم فيها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وبإشراف ومتابعة مباشرة منهما تواصلتا الليلة قبل الماضية، قبيل الإعلان رسميا صباح أمس في جلسة موسعة عن الاتفاق، والذي يعبر فيه لبنان يوم الأحد المقبل، والذي يصادف عيد التحرير في لبنان، إلى انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وليتم بعد ذلك تشكيل حكومة وطنية تتمتع فيها المعارضة بثلث المقاعد الوزارية زائدا واحدا، ويصار عقب ذلك إلى صياغة قانون انتخاب جديد. وفي جلسة إعلان الاتفاق، قال أمير قطر ان لبنان يخرج الآن من دائرة الصدام الدموي إلى الساحة الرحبة للتوافق الحر. ووصف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى صيغة الاتفاق بأنها الصيغة اللبنانية التاريخية لا غالب ولا مغلوب. واعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري رئيس وزراء قطر أنه اجترح المعجزة، وأعلن عن إنهاء اعتصام أنصار المعارضة في وسط بيروت كهدية بمناسبة الوصول إلى الاتفاق. ووصف رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة اتفاق الدوحة بأنه إنجاز كبير، ودعا جامعة الدول العربية إلى أن تساهم في تصويب العلاقات بين لبنان وسوريا.
وفي كلمته التي اختتم بها الجلسة الموسعة التي تلا فيها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني نص الاتفاق اللبناني، قال أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني انه يريد أخيرا أن يطمئن شعب لبنان الذي خرجت جموع منه تخاطب الآتين ألا يعودوا إلا بعد أن يتفقوا وقد اتفقوا وهم في طريق العودة، وأنه يريد أن يعبر عن عرفان الأمة وعرفانه للجهد الخلاق الذي بذلته اللجنة العربية التي تحملت بعناء مهمة صعبة وعسيرة.
وأضاف أنه يتشرف بإعلان أن حوار الدوحة قد نجح، لأن القيادات احتكمت إلى الضمير، تأكيدا لحق الشعب ووفاء بعهدهم أمام الأمة والتاريخ، لافتا إلى أنه تم العمل أياما شاقة للوصول إلى الجهد وتوسيع الحوار، كما حصل مع الإدراك أن هناك حلاً واحداً حتى يخرج ذلك الوطن من دائرة الصدام الدموي إلى الساحة الرحبة، للتوافق الحر بين أهله وهو ضامن لحريته ومستقبله.
وقال أمير قطر انه لم يكن يخالجه أدنى شك حين دعت قطر إلى هذا الحوار اللبناني اللبناني في الدوحة، والذي واصل بمشيئة الله النجاح، فقد كان يثق بأن شعوب الأمة حين تواجه لحظات الفصل والمصير، وحين تملك الفرصة لحوار حر ونزيه فإن اختيارها يكون الأقرب للصواب خصوصا إذا كان الأقرب إلى الأمان.
موسى: لا غالب ولا مغلوب
وألقى الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى كلمة وصف فيها يوم أمس بأنه يوم تاريخي، حيث تراضى الجميع على وثيقة تعيد إطلاق لبنان، حيث يحتفل به العرب ويحتفون به. وهنأ أطراف المعادلة اللبنانية الذين توصلوا إلى تراض كامل، وبعد عمل مضن، إلى اتفاق يضمن العيش المشترك والسلام الأهلي، ويطلق العمل اللبناني السياسي نحو إقرار الصيغة المثلى التي تعايش بها اللبنانيون جميعا لانتخاب الرئيس، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والاتفاق على القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات البرلمانية المقبلة، هذه هي المبادرة العربية واليوم يبدأ تنفيذها.
وخاطب موسى أمير قطر قائلا إن وجوده كان عاملا حاسما في نجاح هذه المفاوضات البالغة الأهمية والمضنية في لحظات حرجة وفي منعطفات أساسية. ووصف رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بأنه مطلع، وأصبح خبيرا في الدوائر اللبنانية الانتخابية ومخططاتها وتقسيماتها ونقلاتها.
وقال أود أن أؤكد أننا وصلنا إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب، وهذا شيء مهم. وأثبتنا أن الصيغة اللبنانية التاريخية هي صيغة لا غالب ولا مغلوب التي يمكن أن تصل بنا إلى بر الأمان. وأضاف اليوم سنعود إلى الجامعة العربية ببشرى خيرة أن العمل العربي المشترك يمكنه بالفعل أن يصل إلى حل، أن يتوسط وأن يتعامل مع القضايا العربية. والمثل الذي أظهرناه ونجحنا به في لبنان يجب أن يطبق بالنسبة إلى بقية المشاكل: أن العمل العربي المشترك فاعل وقد نجح.
بري: رفع الاعتصام
وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري في كلمته في مؤتمر الدوحة: 10452 كلم2 لم تتسع لجمعنا، وفعلت ذلك طائرة قطرية وفندق في الدوحة قائم على بحر يعيدنا إلى بحر وحدتنا وعنفواننا. فشكرا لقطر، شكرا لأميرها، أول من زار الضاحية الجنوبية، وعاين التدمير والتنكيل الإسرائيليين بعد حرب تموز. وأضاف : شكرا ثم شكرا لدولة رئيس وزراء قطر، من اجترح المعجزة مرة أخرى، وشكرا لشعب قطر وشكرا للجنة الجامعة العربية والجامعة. لذلك هدية لاتفاق الدوحة هذا، أعلن ابتداء من اليوم باسم المعارضة رفع الاعتصام من وسط بيروت. يا سمو الأمير فعلا أول الغيث قطرة، فكيف إذا كان قطر.
السنيورة: ضرورة الحوار
وألقى رئيس مجلس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة كلمة وصف فيها الاتفاق الذي تحقق بأنه إنجاز كبير ، وقال دور الجامعة العربية كبير في لبنان وما زال هناك الكثير لكي تقوم به من أجل رعاية حوار وطني بين اللبنانيين، وأيضا من أجل عمل كبير يخدم أمتنا ويخدم أيضا لبنان ويخدم سوريا، الشقيقة سوريا، في تصويب العلاقات بين لبنان وسوريا حتى تتعزز هذه العلاقة بين شقيقين جارين يربطهما تاريخ وحاضر ومستقبل ومصالح مشتركة. هذه هي العلاقة التي نريد أن تسهم الجامعة العربية في تصويبها بين البلدين الشقيقين.
ونوه السنيورة بما نص عليه الاتفاق من نبذ العنف والتعاهد على عدم الاحتكام مطلقا إلى السلاح في حل الخلافات السياسية، وأضاف خلافاتنا في لبنان يجب أن تكون مصدر ثروة وغنى وتنوع، هذه هي صيغة لبنان الحقيقية، ويجب ألا نستعملها من أجل تعميق خلافاتنا فيما بيننا. لا شك أن من الدروس التي استفدنا منها هي أن نعود إلى التمسك باتفاق الطائف كناظم للعلاقات بين اللبنانيين فيما بينهم.
ورأى السنيورة أن اتفاق الدوحة استثنائي في مرحلة استثنائية، اقتضتها ظروف استثنائية، وأضاف يجب أن نؤكد مجددا ودائما احترام الدستور وقواعد العمل الديمقراطي وقيم الديمقراطية ومبادئها ومفاهيمها. الحرية، وكما تعلمناها، تمارس بالقانون وفي كنف الدولة، الدولة التي يجب علينا أن نسهم جميعا في بنائها، ولا يمكن ولا يجوز لأحد منا أن يستقيل من مسؤولياته في بناء هذه الدولة التي نريدها حماية لحاضر اللبنانيين.
وقال علينا أن نعمل من أجل تعزيز جيشنا وقوانا الأمنية من أجل أن يكونا فعليا مجهزين تجهيزا عصريا وسليما، ومدربين تدريبا يمكنهما حماية الوطن وحماية الأمن لدى اللبنانيين. وأضاف ليس لنا مستقبل إلا في وحدتنا الداخلية، وهي التي تحمينا وهي التي تشد من عضدنا، وهي التي تمكننا من مواجهة إسرائيل، وحدتنا الداخلية وتضامننا الداخلي هما اللذان يحققان ذلك. ليس هناك من طريق آخر حتى نضمن استقرار لبنان، هذه الصيغة الفريدة التي يحسدنا عليها العالم. هذه هي وصيتنا لأن نعمل دائما من أجل احترام دستورنا وقوانيننا ونظامنا الديمقراطي وأن نقبل بعضنا ولا أن نخون بعضنا ولا أن نشيطن بعضنا.
الاتفاق التسوية
وينهي الاتفاق الذي أعلن عنه الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني مرحلة الشد والجذب الطويلة بين الموالاة والمعارضة في لبنان، وهو يتضمن تسوية سياسية ضمن سلة حل كاملة، شملت التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تحصل فيها المعارضة على الثلث زائدا واحدا وفريق الأكثرية على رئاسة الحكومة ونصف أعضاء المقاعد الوزارية زائدا واحدا. وتم فيه التوصل بعد مفاوضات ماراثونية شاقة إلى توافق حول قانون الانتخاب، وخصوصا بشأن التقسيمات في بيروت، والتي كان عدم التوصل إلى حل في شأنها قد هدد بتفجير التسوية كلها، وعودة نقطة الخلاف إلى الصفر.
وترددت أنباء مؤكدة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سيدعو البرلمان للانعقاد لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في يوم الأحد المقبل الذي يصادف عيد تحرير الجنوب في لبنان، وقد أبلغ محمد شطح مستشار السنيورة وكالة فرانس برس أن رئاسة الحكومة تبلغت من رئاسة مجلس النواب أن جلسة الانتخاب ستعقد في هذا الموعد. وأفيد أن حضورا عربيا ودوليا سيكون في الجلسة، لا سيما رئيس وزراء وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، وربما يحضر أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أيضا. وعلى وقع هذه الأجواء الإيجابية التي أشاعها توصل الموالاة والمعارضة إلى اتفاق الدوحة، بدأت أعمال الصيانة والتنظيف في القصر الجمهوري في بعبدا، تحضيرا لاستقبال الرئيس الجديد.
ومن أبرز بنود الاتفاق، النص على تعهد جميع الأطراف عدم استخدام السلاح والعنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية، وإطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة على كل أراضيها، وعلاقتها مع كل التنظيمات على الساحة اللبنانية، بما يضمن أمن الدولة والمواطنين. وبموجب الاتفاق، تعهد فريقا الموالاة والمعارضة عدم الخروج عن عقد الشراكة، وحصر السلطة بيد الدولة، بما يشكل ضمانا للعيش المشترك وتطبيق القانون واحترام سيادتهنص اتفاق الدوحة
الدوحة الخليج:
تلا رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني نص الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين قوى الموالاة والمعارضة اللبنانيتين، وفيما يلي نصه:
أولاً: اتفقت الأطراف على أن يدعو رئيس مجلس النواب البرلمان اللبناني للانعقاد، طبقاً للقواعد المتبعة خلال 24 ساعة، لانتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، علماً بأن هذا هو الأسلوب الأمثل من الناحية الدستورية لانتخاب الرئيس في هذه الظروف الاستثنائية.
ثانياً: تشكيل حكومة وحدة وطنية من 30 وزيرا، توزع على اساس 16 وزيرا للاغلبية، 11 للمعارضة، 3 للرئيس، وتتعهد كافة الاطراف بمقتضى هذا الاتفاق بعدم الاستقالة او إعاقة عمل الحكومة.
ثالثاً: اعتماد القضاء طبقا لقانون 1960 كدائرة انتخابية في لبنان، بحيث يبقى قضائي مرجعيون - حاصبيا دائرة انتخابية واحدة، وكذلك بعلبك - الهرمل، والبقاع الغربي - راشيا. وفيما يتعلق ببيروت فيتم تقسيمها على الوجه الاتي:
- الدائرة الاولى: الاشرفية - الرميل - الصيفي.
- الدائرة الثانية: الباشورة - المدور - المرفأ.
- الدائرة الثالثة: ميناء الحصن - عين المريسة- المزرعة - المصيطبة - رأس بيروت - زقاق البلاط.
الموافقة على احالة البنود الاصلاحية الواردة في اقتراح القانون المحال الى المجلس النيابي، والذي اعدته اللجنة الوطنية لإعداد قانون الانتخابات، برئاسة الوزير فؤاد بطرس لمناقشته ودراسته وفقا للاصول المتبعة.
رابعاً: وتنفيذا لنص اتفاق بيروت المشار اليه وبصفة خاصة ما جاء في الفقرتين 4،5 واللتين نصتا على: 4- تتعهد الاطراف بالامتناع عن، او العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية.
5- اطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية، على كافة اراضيها وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين.
وبذلك، تم اطلاق الحوار في الدوحة حول تعزيز سلطات الدولة، طبقا للفقرة الخامسة من اتفاق بيروت، وتم الاتفاق على ما يلي:
- حظر اللجوء الى استخدام السلاح او العنف او الاحتكام اليه فيما قد يطرأ من خلافات، أياً كانت هذه الخلافات وتحت أي ظرف كان، بما يضمن عدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية القائم على تصميم اللبنانيين على العيش معا في اطار نظام ديمقراطي، وحصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة، بما يشكل ضمانة لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الاهلي للبنانيين كافة، وتتعهد الاطراف بذلك.
- تطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كافة المناطق اللبنانية، بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ بها الفارون من وجه العدالة، احتراما لسيادة القانون، وتقديم كل من يرتكب جرائم او مخالفات للقضاء اللبناني.
يتم استئناف هذا الحوار برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة الجامعة العربية، وبما يعزز الثقة بين اللبنانيين.
- خامساً: اعادة تأكيد التزام القيادات السياسية اللبنانية بوقف استخدام لغة التخوين او التحريض السياسي او المذهبي على الفور.
تتولى اللجنة الوزارية العربية، ايداع هذا الاتفاق لدى الامانة العامة لجامعة الدول العربية بمجرد التوقيع عليه.
تم التوقيع على هذا الاتفاق في مدينة الدوحة في اليوم الحادي والعشرين من شهر مايو/ايار لسنة ،2008 من قبل القيادات السياسية اللبنانية المشاركة في المؤتمر، وفي حضور رئيس اللجنة الوزارية العربية واعضائها.
.