في موقع قريب من مجرى نهر العاصي، وعلى طرف البادية السورية الشمالية وهي تشرق على الغاب الداخلي تقع مدينة أفاميا، ومن هنا تظهر أهمية موقعها الإستراتيجي في العصور القديمة، وتبعد أفاميا حوالي 60 كيلومتراً عن حماة إلى الشمال الغربي حيث يمر على بعد 3 كيلومترات غرباً نهر العاصي ويتم الوصول إلى أفاميا من ثلاث طرق، شمالية تمر بجسر الشغور فسهل الغاب وجنوبية عبر حماة فشيزر، وشرقية عبر المعرة فخان شيخون.
لا تقتصر الآثار المكتشفة في أفاميا على الفترتين اليونانية والرومانية فقد تعاقبت على الموقع آثار إعمار بشري منذ أقدم العصور (العصر الحجري القديم والأوسط والحديث والبرونزي)، وقد أثبت استمرار السكن فيها منذ العصر البرونزي القديم ( الألف الثالث قبل الميلاد) كما مرّ على الموقع عهود كثيرة أخرى، حيث امتاز السلوقيون بأنهم كبار مشيدي المدن في عهدهم، فقد بنى سلوقس نيكاتور الذي حكم بين (312 280 قبل الميلاد) أكثر من 28 مدينة منها 16 مدينة تحمل اسم انطوخيوس و5 مدن تحمل اسم لاوديسا و3 مدن باسم زوجته الفارسية أبامي، وإحداها تلك التي تقوم في وادي العاصي وسط سوريا.
وكانت أفاميا تشكل مع أنطاكيا وسلوقيا ولاوديسيا المدن الرئيسية الأربع في سورية التي كانت مكلفة بحماية المنفذ الوحيد للإمبراطورية السلوقية الداخلية الشاسعة على البحر وحافظت مدينة أفاميا طيلة تاريخها على هذا القدر الإستراتيجي، حيث كان لموقع أفاميا أهمية كبرى في نظر اليونانيين لعدة عناصر ساهمت في ازدهارها سواء أكانت جغرافية أو سياسية أوعمرانية كانوا يتقيدون بها في إنشاء المدن الحديثة أو إعادة بناء المدن القديمة، كما أن اختيار بناء هذه المدينة اختيار موفق بالقرب من حصن يحميها (قلعة المضيق) ووجود نهر العاصي الذي يؤمن ري الأراضي الزراعية فيوفر للمدينة المعيشة والغنى.
خلت أفاميا سنة 64 قبل الميلاد باستيلاء بومبيوس عليها بعد أن هدّم قلعتها التي كانت في موقع قلعة المضيق الحالية، وأقيمت فيها المباني الضخمة والشوارع الفسيحة والقصور والمسارح والحمامات وزينت أكثر أبنيتها بالأعمدة والنقوش الجميلة.
فبالرغم من تميز كلتا الفترتين اليونانية والرومانية، فإنهما في مدينة أفاميا تتداخلان وتتواصلان بحيث نجد العديد من الأبنية بنيت في أساسها وفق النمط اليوناني، ولكن يعتبر البناء في جملته صرحاً رومانياً كنتيجة لعمليات التجديد والتوسع التي تمت في عهد الرومان ولعمليات الإصلاح التالية للهزات الأرضية التي أصابت أفاميا خلال فترات متلاحقة. وقد عرفت أفاميا بأن لها قلعة حصينة بقيت إلى زمن الرومان ومن ثم هدمها (بومبه) الروماني في عام 64 قبل الميلاد وتقوم قلعة المضيق الحالية مكانها وتشكل خط دفاع على طول وادي نهر العاصي وكان لها أبراج ضخمة تشرف على سهل الغاب.
أما عن شوارع مدينة أفاميا وأروقتها فقد تبنى اليونان مخططات منتظمة لبناء المدن على شكل رقعة شطرنج وهي عبارة عن شوارع متوازية ومتقاطعة بزوايا قائمة وتجتاز المدينة من أقصاها إلى أقصاها، وكانت الشوارع الرئيسية تقابل غالباً الجهات الأصلية وخير مثال على هذا الشارع الرئيسي ذي الأعمدة في أفاميا الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب ويقدر طوله ب كيلومترين ويتعاقد معه خمسة عشر شارعاً ثانوياً من الشرق إلى الغرب ويمتد على طول الشارع صفان متقابلان من الأعمدة الضخمة يبلغ ارتفاعها مع قاعدتها 10 أمتار ويبعد العامود عن الآخر نحو ثلاثة أمتار تليها الأروقة الظليلة والمزينة كذلك بأعمدة مختلفة النقوش وتيجانها من الفن الهلنستي، بلغ عدد الأعمدة التي على طرفي الشارع حوالي 1200 عامود مزخرف ولا تزال هذه الأعمدة ظاهرة للعيان كاملة لكن تأثير الزلازل بقي واضحاً من حيث سقوطها وبقاء أقسامها سليمة في معظمها فلا ينقصها سوى رفعها وإعادة إعمارها.
وبالقرب من الشارع الرئيسي في مركز المدينة تقع الساحة العامة (الآغورا) وهي ساحة مستطيلة الشكل لها أروقة مزينة بأعمدة ويبلغ طولها 150 متراً وعرضها 25 متراً بما في ذلك الأروقة، وتعتبر الآغورا من العناصر الأساسية في تنظيم المدن الحديثة في العصر الهلنستي لأن نشاط المدينة يتمركز حولها ويظهر أثر الهزات الأرضية بشكل هائل خاصة على الآغورا، فقد انهارت صفوف أعمدة الرواقين كما ارتفع البلاط متكسراً تحت ضغط القوى الزلزالية، ويربط الساحة العامة بالشارع الرئيسي طريق عرضه 9 أمتار.
أما في الجزء الغربي من مدينة أفاميا فيقع المسرح وهو ذو نمط روماني بحت وهو لا يقل أهمية عن باقي صروح المدينة فقطره 139متراً وهو بالتالي أحد أوسع مسارح العالم القديم وهو في كل حال أكبر مسارح سورية الرومانية.
اكتشفت في أفاميا منحوتات مزخرفة، كما أن هناك آثاراً لمعبد الإله (زيوس) والذي لم يبق منه سوى كتلة الأساس الهائلة، وقد تم الكشف في أفاميا عن العديد من البيوت السكنية منها الكبير الذي تتراوح مساحته مابين 2000 متر مربع إلى5000 متر مربع ومنها البيوت ذات المساحات المختلفة بالإضافة إلى الآثار المسيحية ومنها الكاتدرائية ذات المساحة 12 ألف مترمربع والكنائس كثيرة منها ما هو ظاهر ومنها ماهو مخرّب، بالإضافة إلى الخان الأثري الذي يعود إلى العصر العثماني ويقع في أسفل قلعة المضيق من الجنوب بني في أواخر القرن السادس عشر في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني تعرض هذا البناء إلى الإهمال فأثرت فيه عوامل الطبيعة فانهارت بعض أقسامه وتهدمت واجهته وأبوابه.
وإن افترضنا عدم دمار أفاميا وعدم خلوها من السكان كلياً في الغارات الفارسية التي نزلت بها فإن الزلازل الهائلة التي حدثت بعد ذلك في فترات متلاحقة لا بد من أن تكون قد نالت من أفاميا كل النيل ولا سيما زلزال عام 589م وقد كان أعظمها.