يعتبر قصر الحمراء من أهم الآثار التي تروي قصة الحضارة الإسلامية العظيمة التي نشأت في شبه جزيرة آيبيريا، في مدينة غرناطة الواقعة على بعد 267 ميلاً جنوب العاصمة الإسبانية مدريد . ونظراً لأهميته التاريخية الكبيرة تم إدراجه ضمن لائحة المواقع الأثرية العالمية لمنظمة اليونسكو، ليتحول اليوم إلى أحد أبرز المزارات السياحية في إسبانيا، والمقصد السياحي الأول في غرناطة من دون منازع، حيث يتوافد إليه كل عام أكثر من مليوني سائح من مختلف الجنسيات القادمة من مشارق الأرض ومغاربها .
ويشكل القصر جزءاً من مدينة الحمراء التي تم تشييدها في أواخر عصر الأندلس في إسبانيا على هضبة صخرية حصينة . وهي مدينة محمية بالجبال ومحاطة بالأشجار، وتم بناؤها أصلاً كمنطقة عسكرية، وكمقر لملوك غرناطة وحاشياتهم في منتصف القرن الثالث عشر، بعد تأسيس مملكة بني نصر، أو بني الأحمر، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، والتي حكمت غرناطة خلال الفترة الواقعة بين عامي 629 و897 ه (1232 و1492 م) .
وتتميز مدينة غرناطة بطقس رائع إذ إنها تقع على ارتفاع يقارب ال700 متر عن سطح البحر . وتم تشييد أول قصور الحمراء في عهد الملك محمد بن يوسف بن نصر المشهور باسم الأحمر . وفي الواقع هناك خلاف حول أصل تسمية القصر . فبينما تذهب بعض الآراء إلى ردها إلى بني الأحمر، يقول البعض الآخر إنها راجعة إلى اللون الضارب إلى الحمرة للتل الذي تمت إقامتها عليه . وأياً كانت الحقيقة فقد بدأ تشييد قصور بني الأحمر خلال القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، في حين استكمل بناؤها في القرن الثامن الهجري .
وتقف هذه القصور، التي شُيدت على مساحة تمتد من أقصى غرب الشمال الغربي إلى أقصى شرق الجنوب الشرقي من مدينة غرناطة، اليوم شاهدة على روعة وتطور فن العمارة الإسلامي وأعاجيبه، وبراعة مهندسي الأندلس، ومهارة صناعها في ذلك الوقت . فعلى الرغم من زوال حكم الأندلس من إسبانيا منذ عهدٍ طويل، إلا أن قصور الحمراء لا تزال إلى يومنا هذا تقف بشموخ لتحكي عن تقدم الحضارة الإسلامية التي نشأت في ذلك الجزء من العالم، على الرغم من عمليات الهدم والتخريب التي طالتها بعد انهيار آخر معاقل الحكم الإسلامي على يد المسيحيين في العام 1492 . وتضم مدينة الحمراء في أقصاها الغربي حصناً أقامه ملوك بنو الأحمر لتأمين حمايتهم من الأعداء، بينما ضمت أجزاؤها الباقية مجموعة من القصور الملكية المحاطة بسور كبير احتوى على 13 برجاً، بعضها دفاعي، وأخرى للمراقبة . وعلى مر القرون تحولت المدينة إلى حصن منيع يضم أسواراً عالية وأبراجاً دفاعية، حوت بداخلها منطقتين رئيسيتين: الأولى المنطقة العسكرية، وتسمى القصبة، وهي عبارة عن ثكنة عسكرية للحرس الملكي، والثانية المدينة التي تضم قصور بني نصر .
وخلال حكم بني نصر تحولت الحمراء إلى مدينة حديثة بها نظام ري متطور يتألف من قنوات للري الصناعي ونوافير لسقاية حدائقها الغناء، بعد أن كانت تعتمد قبل ذلك على المياه المجمعة من الأمطار . كما عزز تشييد القناة السلطانية من مكانتها كمدينة عصرية أكثر من كونها قاعدة عسكرية دفاعية . اما القصر فقد احتوى على مجلس الملك الذي كان يدير فيه شؤون الدولة ويسمى المشور، وقسم للمقابلات الرسمية يضم الديوان وقاعة العرش، بالإضافة إلى مقر للحريم يحوي مكان سكنى الملوك .
وتتجلى روعة طراز العمارة الإسلامي عهدئذٍ في الأبنية التي يتألف منها القصر والمصلى، بما تحويه من نقوش بديعة على القباب، والبلاط الملون، والزخارف الجميلة على الجدران والأسقف، والأبواب والنوافذ والسجاد، مثلما تتجلى في الآيات القرآنية والأدعية المكتوبة على جدرانه وأعمدته .
ويشار هنا إلى أن هناك تبايناً جلياً بين أسلوب نقش وزخرفة الأبنية التي تم تشييدها خلال حكم يوسف الأول، وتلك التي بناها محمد الخامس . فبينما اقتبس الأول من الطراز العمراني الذي كان سائداً في مملكة فاس، ومساجد تلمسان، طغى أسلوب الفنانين النصارى على زخارف الأبنية التي شيدها محمد الخامس، ولكن في تناغم كبير مع طراز العمران الإسلامي، حسبما يظهر في أجزاء كثيرة من القصر، مثل فناء البركة، وقاعة السفراء، وبهو أسود الرخام الاثني عشر، والحمام، وكذا الحال في أجنحته الملكية الفخمة، وأروقته وأعمدته المزدانة ببديع النقوش والزخارف . واستخدم مهندسو هذه القصور تشكيلة واسعة التنوع من المعدات والمواد في تحليتها بالزخارف والنقوش، تضمنت الرخام والخشب والجص، مع اتباع طرائق مختلفة في الحفر والنحت والتلوين . وبالإضافة إلى ذلك عرف فنانو تلك الحقبة فنون هندسة المناظر الخارجية مبكراً، فقاموا بتزيين ساحات القصر بالنباتات والزهور الجميلة إلى أن غدا منتجعاً للترويح والاستجمام .
وبعد احتلال النصارى للمدينة في العام 1492 أقدموا على إجراء تغييرات جوهرية في القصر، طمسوا من خلالها أعمال الطلاء والتذهيب، بالإضافة إلى إزالة وتمزيق أثاثاته . وأعاد الملك تشارلس الخامس (1516-1556) بناء بعض أجزائه على طراز عصر النهضة العمراني، بعد أن هدم جزءاً كبيراً من القصر الشتوي لبناء غرفة على طراز النهضة (لم تكتمل) . وعندما جاء ولده الملك فيليب الخامس (1700-1746) بنى قصره على الطراز الإيطالي في وسط القصور التي شيدها المسلمون . وخلال القرون اللاحقة تعرضت بقايا الآثار الإسلامية للمزيد من الدمار، وبعضها دمره الفرنسيون . وحاول نابليون جاهداً تدمير ما تبقى منها، لكن أحد جنوده، والذي كان يعمل سراً على إفشال خططه، لم ينصع لأوامر نسفها . وأخيراً فطن الإسبان لأهميتها التاريخية والسياحية فقاموا بإعادة ترميمها في العام 1828 .
دليلك إلى غرناطة
غرناطة هي عاصمة مقاطعة إسبانية تحمل الاسم نفسه، وتقع في الجنوب الشرقي من إسبانيا بين سواحل البحر الأبيض المتوسط، والمنطقة الخلفية من الأندلس . وتقبع المدينة تحت جبال سييرا نيفادا، أعلى سلسلة جبلية في شبه جزيرة آيبيريا .
يقطن المدينة نحو 243 ألف نسمة، غير أن الرقم يرتفع كثيراً عند إضافة طلاب الجامعات الذين يصل عددهم إلى 60 ألفاً، بالإضافة إلى العدد الكبير من السياح الذين يأتون إليها خلال فصل الصيف .
يتباين الطقس بشكل كبير في مقاطعة غرناطة وذلك نظراً للتضاريس الجغرافية المتغيرة التي تتشكل منها . وبصورة عامة تتراوح درجات الحرارة بين 6 درجات و8 .14 درجة مئوية خلال شهر يناير/كانون الأول، وترتفع حتى 25 درجة مئوية في شهر أغسطس/آب . وأعلى درجة حرارة خلال النهار 30 درجة مئوية، وأدناها 6 درجات . ويمكن ارتداء ملابس خفيفة 24 ساعة من دون أي مشكلة خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، في حين يتعين ارتداء ملابس أثقل خلال الليل في بقية شهور العام . كما يتميز الطقس بأيام مشمسة طيلة الفترة الواقعة بين شهري يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول .
المواعيد الرسمية في إسبانيا من الثامنة والنصف أو التاسعة صباحاً حتى الثانية أو الثانية والنصف بعد الظهر . لكن الشركات الخاصة تزاول أعمالها خلال العصر من الخامسة مساءً حتى الثامنة والنصف، أو التاسعة ليلاً . وخلال الصيف تعمل معظم الشركات فقط من الثامنة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر، ولا تعمل خلال العصر .
يبعد المطار المحلي Federico Garcia Lorca نحو 15 كيلومتراً من مدينة غرناطة . ويمكن الوصول إلى المدينة بواسطة سيارة مستأجرة، أو التاكسي، أو الحافلة، أو القطار، وجميعها متوفرة في منطقة القادمين بالمطار . ويكلف التاكسي نحو 17 يورو إلى المدينة، و25 يورو إلى قصر الحمراء، في حين يبلغ سعر تذكرة الباص إلى المدينة 3 يورو .
تفتح الحمراء أبوابها للزوار من الثامنة والنصف صباحاً، حتى الثامنة مساءً من الإثنين حتى الأحد . كما أنها تفتح ليلاً من العاشرة حتى الحادية عشرة والنصف مساءً من الثلاثاء حتى السبت، بينما يمكن الحصول على التذاكر من المكاتب المتخصصة قبل نصف ساعة من هذه المواعيد .
يمكن التنقل داخل الحمراء بواسطة وسائل نقل مختلفة، كالتاكسي، أو حافلات النقل العام، وغيرها . ولكن يجب الأخذ في الحسبان أنها تقع على ربوة عالية، ولذلك فمن الأفضل أن تتم زيارتها مشياً حتى لا تفوت المرء فرصة التمتع بمناظرها الطبيعية الخلابة، وتشكيلاتها الفنية الرائعة، والتي قد تتعذر رؤيتها عند التنقل بالوسائل الأخرى .
يتم التقيد بصرامة بالمواعيد المحددة في التذكرة لدخول قصور بني نصر .
تتوفر في غرناطة تشكيلة متنوعة من أماكن الإقامة التي تناسب مختلف الميزانيات، تشمل الشقق المفروشة، والفنادق الرخيصة (من نجمة واحدة إلى ثلاث نجوم)، وفنادق الخمس نجوم الفخمة، بالإضافة إلى فنادق لإقامة العائلات الصغيرة . كما تتوفر بيوت ريفية، إلى جانب مواقع خاصة بالتخييم، وفنادق مخصصة للشباب .
تنتظم في المدينة العديد من التظاهرات الفنية، تتضمن المهرجان العالمي للموسيقا والرقص، ومهرجان غرناطة لموسيقا الجاز، ومهرجان التانغو، بالإضافة إلى سلسلة من التظاهرات الأخرى التي تعزز من مكانة المدينة كمركز للفنون والثقافة، مثل مهرجان المسرح السنوي، ومهرجان الأفلام السينمائية القصيرة .