تتسبب حرارة باطن الأرض في تسخين المياه الجوفية باستمرار، وإلى درجة تؤدي في بعض الحالات إلى إندفاعها إلى الأعلى بقوة حتى تخترق قشرة الأرض، وتتدفق على سطحها مكونة ما نسميه العيون الساخنة، أو الينابيع الساخنة . وهي ظاهرة طبيعية منتشرة في كل قارة من قارات الأرض، بما في ذلك أسفل محيطاتها وبحارها .

وتوجد في الطبيعة تشكيلات مختلفة للمياه النابعة من باطن الأرض، منها المياه الساخنة التي تنساب بطريقة فاترة فوق القشرة الأرضية لتؤلف ما يشبه المسبح، ومنها ما يتدفق بطريقة حرة غير منتظمة، بالإضافة إلى نوع ثالث تنحدر فيه المياه من أعلى الجبال والمرتفعات مكونة ما يشبه المساقط المائية، أو الشلالات الساخنة .

في بعض الحالات تتعرض المياه الجوفية إلى درجات حرارة عالية جداً نتيجة لمرورها وسط الصخور البركانية المنصهرة (الماغما)، مما يؤدي إلى نشوء نبع حار شديد الاندفاع، بحيث تخترق مياهه المندفعة باتجاه الأعلى القشرة الأرضية، ثم ترتفع عالياً في الجو على شكل نافورة عمودية متدفقة بدون انقطاع . ويطلق على هذه الأخيرة اسم الحمة (Geyser) .

وتبعاً للمحتويات الموجودة فيها هناك أنواع مختلفة من العيون الساخنة، منها ينابيع المياه المالحة، ومصدرها مياه البحر، ولذلك نجدها أكثر غنى بكلوريد الصوديوم بالمقارنة مع كل الأنواع الأخرى . وهناك نوع آخر يسمى نبع هيدروكبريتيد الصوديوم، ويتميز بحرارة مياهه المفرطة . ويوجد نوع ثالث يسمى النبع القلوي، ومصدره مياه الأمطار . وعادة يوجد هذا النوع في مناطق بعيدة عن السواحل . وتكون مياهه غنية بحمض الكربون، ولذلك يسمى أيضاً النبع الحمضي . كما يمكن أن تصل حرارتها إلى 55 درجة مئوية . النوع الرابع هو النبع النشط إشعاعياً . وهو بخلاف محتوياته الكيميائية، يحتوي على مواد نشطة إشعاعياً بدرجات تتفاوت من المنخفضة إلى المتوسطة، حتى العالية .

وفي الواقع لا يوجد حتى الآن تعريف علمي موحد ومعتمد عالمياً للعين الساخنة . ولكن هناك عدة توصيفات مختلفة لهذه الظاهرة، منها على سبيل المثال:

(1) نبع الماء الطبيعي الذي تكون درجة حرارته أعلى من حرارة المنطقة المحيطة به .

(2) النبع الطبيعي الذي تكون حرارته أعلى من درجة حرارة جسم الإنسان (3) أي مياه ساخنة نابعة من الأرض .

(4) نبع درجة حرارة مياهه أعلى من متوسط درجة حرارة الهواء .

(5) نبع طبيعي حرارته تزيد على ال 1 .21 درجة مئوية .

وأياً كان التوصيف الدقيق، فالمعلوم من الناحية العلمية ان للماء الساخن قدرة خاصة على حمل كم كبير من المواد الصلبة المذابة . ولذا دائما ما نجد في محتويات العين الساخنة، وكذا النبع الدافئ، عدداً كبيراً من المواد المعدنية، وبعضها تمتلك خواص علاجية مثبتة من الناحية العلمية، مثل الكالسيوم، والليثيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، والبورون، بل حتى الزرنيخ . وربما تتضمن محتوياتها بعض المكونات النادرة والفعالة جداً من الناحية الدوائية، مثل الراديوم، والكبريت، وكلوريد الصوديوم . وفي بعض الحالات تزداد العين الساخنة غنى إذا تضمنت محتوياتها غازات الأوكسجين، وثاني أكسيد الكربون، وكبريتيد الهيدروجين، والرادون .

وعرف الإنسان الفوائد العلاجية للعيون الساخنة منذ القدم . وأول من لاحظ ذلك كان المؤرخ الإغريقي هيرودوتس (484- 410 قبل الميلاد)، والذي قدم آنئذٍ وصفات طبية للعلاج في بعض العيون الساخنة خلال مواسم معينة من السنة . ومن بعده أبدى أبو الطب أبوقراط اهتماماً شديداً بالمياه الطبيعية في مختلف البحيرات والمستنقعات، والتي تتكون عادة من مياه الأمطار . وفي ذات الوقت أولى أبو قراط اهتماماً كبيراً بالمياه التي شاهدها تتدفق خلال الصخور، وخصوصاً المعدنية منها .

وفي عصور الرومان والبيزنطيين عكف الأطباء على دراسة العلاج بالمياه المعدنية، وكتبوا عن خواصها العلاجية، لكنهم قالوا إن هناك استحالة في فك طلاسم هذه الظاهرة، وتقديم تعريف دقيق للطريقة التي تطور بها كل عين ساخنة خواصها العلاجية، لأن ذلك يحتاج بنظرهم إلى سنين طويلة من الملاحظة والتجارب، وهو ما يبدو صحيحاً إلى حد ما إلى يومنا هذا . فحتى الآن ما يزال الغموض محيطاً بالخواص الكيميائية والبيولوجية للعيون الساخنة . لكن الثابت علمياً طبقاً لدراسات حديثة بهذا الشأن أن لمياه العيون الساخنة فوائد صحية كثيرة، وفي شفاء الإنسان من بعض الأمراض مثل:

- تحسين توازن ضغط الجسم، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة دوران الدم، وزيادة معدلات أكسجة خلايا الجسم .

- تحفيز أجهزة الطرد في الجسم، وبالتالي تحسين قدرة الجسم على التخلص من السموم .

- تحفيز التغييرات الكيميائية (الأيض) في الخلايا الحية، والتي تؤمن الطاقة الضرورية لأنشطة الجسم الحيوية، ومن ثم تحسين عملية الهضم .

- الاستحمام بصورة منتظمة بالمياه الساخنة، ولفترة تتراوح بين ال 3 وال 4 أسابيع يساعد على إعادة الغدد الصماء إلى العمل بشكل طبيعي، بالإضافة إلى تحسين عمل الجهاز العصبي اللا إرادي .

- الغطس لفترة مؤقتة في العين الساخنة يساعد على إزالة الآلام المزمنة ذات الصلة بالالتهابات، حتى في الحالات التي ما يزال فيها الالتهاب مستعصياً .

- على الرغم من أن الجرعات الكبيرة من الزرنيخ تعتبر عالية السمية بالنسبة لجسم الإنسان، إلا أن تناول جرعات صغيرة جداً منه يمكن أن يساعد على نمو البلازما والأنسجة بالجسم .

- وضع القدمين داخل مياه معدنية فيها محتوى كبير من الزرنيخ يساعد على معالجتها من الفطريات .

- يساعد فلز البورون على بناء العضلات، وزيادة نشاط العقل، وتقوية العظام .

- يسهم الماغنيزيوم في تحويل السكر إلى طاقة، وفي تأمين النمو الصحي للجسم .

- يساعد البوتاسيوم على تنظيم ضربات القلب، وخفض ضغط الدم العالي، بالإضافة إلى مساهمته في تخليص الجسم من السموم .

- تساعد الأملاح الطبيعية والصوديوم على إزالة أعراض التهاب المفاصل، إلى جانب مساهمتها في تحفيز الجهاز الليمفاوي بالجسم .

- علاج أمراض ومشاكل التنفس .

- للمياه المعدنية الساخنة فوائد ملموسة في علاج الروماتيزم المزمن، والحساسية، والأمراض الجلدية، وخصوصاً الإكزيما .

- علاج أمراض النساء والعقم .

وبفضل هذه الخواص أصبحت العيون الساخنة اليوم مقصداً لأعداد لا تحصى من السياح، في ما بات يُعرف باسم السياحة العلاجية . والعيون الساخنة الطبيعية منتشرة في عدد كبير من الدول في كل قارات العالم، من أشهرها اليابان، ونيوزيلندا، وكندا، وايسلندا، وتشيلي، وتايوان، واليونان، وتركيا، وإثيوبيا، وغيرها . واستثمرت معظم هذه الدول تلك الظاهرة كأحسن ما يكون بهدف جذب المزيد من السياح، فأنشأت في المواقع التي توجد فيها تلك العيون المراكز الصحية، والفنادق، والمنتجعات المتخصصة في السياحة العلاجية، والتي تتوفر فيها إلى جانب أحواض الغطس في المياه المعدنية، مزايا أخرى مساعدة مثل خدمات التدليك، ورفع اللياقة البدنية، والعناية بالجلد . كما تلجأ بعض منتجعات السياحة العلاجية إلى تقديم خدمات صحية إضافية، كالفحص الطبي، والجراحات الصغيرة، والوجبات الخاصة، والمعالجة بالأعشاب . ذلك إلى جانب التسهيلات السياحية التقليدية، مثل مرافق الإقامة المريحة، وتسهيلات الترفيه، والرياضات المائية، والجولف، وزيارة مواقع الطبيعة الخلابة .

أشهر الأماكن حول العالم

تنتشر العيون الساخنة في مناطق عديدة من العالم، لذا سنكتفي في ما يلي باستعراض بعضها في إيجاز:

- يقال إن بلدة سبا البلجيكية هي أصل تسمية Spa التي أصبحت مرادفة لكل وجهات ومنتجعات السياحة العلاجية في مختلف أنحاء العالم . وتضم هذه البلدة عيوناً ساخنة تصل حرارتها إلى 32 درجة مئوية .

- في ألمانيا تشتهر بلدة إيخن بأكثر العيون سخونة في أوروبا الوسطى، حيث تصل درجة حرارتها إلى 74 درجة مئوية .

- تضم بريطانيا العديد من العيون الساخنة حول مدينة باث، والتي توجد فيها اكثر المياه سخونةً في المملكة المتحدة .

- يوجد في شيلي أكثر من 274 من العيون الساخنة المسجلة رسمياً، بينها عين ليكوين التي تعد الأكبر في قارة أمريكا الجنوبية .

- في الصين، وعلى بعد 87 كيلومتراً من لاسا عاصمة التبت، توجد عين يانف باجينغ الساخنة، والتي تبلغ مساحتها كيلومتراً مربعاً كاملاً . وهي تقع على ارتفاع يتراوح بين 14100 و15000 قدم، ما يجعلها الأعلى ارتفاعاً في العالم .

- تعتبر تايوان من الدول التي تضم بعض أشهر الينابيع في العالم، مع تنوع كبير فيها، يشمل العيون الساخنة، والعيون الباردة، وعيون الطين .

- تضم جزيرة إيكيريا اليونانية مجموعة كبيرة من العيون الساخنة النشطة إشعاعياً . وهي عيون ظلت مقصداً للباحثين عن العلاج الطبيعي منذ القرن الرابع قبل الميلاد .

- يوجد في غرينلاند أكثر من 2000 عين ساخنة في جزيرة ديسكو وحدها، رغم أن هذه الجزيرة لا تشكل سوى نسبة 4 .0 في المائة فقط من المساحة الكلية للبلاد .

- تقع اليابان ضمن ما يسمى الحلقة النارية للمحيط الهادي، لكونها من الدول ذات الطبيعة البركانية . ولذلك فمن الطبيعي أن تكون اليابان موطناً لعشرات الآلاف من العيون الساخنة المختلفة الأشكال والمحتوى . والياباني بشكل عام مولع بالغطس في العيون الساخنة إلى حد الشغف . بل إنه يعتبرها من أهم تجاربه في الحياة . ولذلك تلعب العيون الساخنة دوراً بالغ الأهمية في التكوين الثقافي لهذا البلد . ويوجد في حديقة شيريتوكو الوطنية في هوكايادو شلال من العيون الساخنة، يسميه السكان المحليون نهر الآلهة .

- في أويمياكون في شرق سيبريا توجد ما يمكن وصفها ببعض أعجب العيون الساخنة في العالم، حيث إنها تقع في المنطقة الدائمة التجمد على النصف الشمالي من الكرة الأرضية .

وتعني كلمة أويمياكون في لغة الياك المحلية النهر الذي لا يتجمد، وذلك لأن المياه الحارة التي يتغذي منها نهر إنيجيركا تجعله يجري بحيوية على مدار العام وسط جليد يحيط به من كل الجهات، وفي كل الأوقات .