أفضل طريق يستطيع من خلاله المرء تذكر سكرات الموت ولحظات الاحتضار هو أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله، فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم، ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، وكيف رملوا نساءهم، ويتموا أولادهم، وضيعوا أموالهم، وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم، وانقطعت آثارهم.

وإذا كان تذكر أحوال الموتى، يرد المؤمن إلى جادة صوابه، فإن أهم ما يمكن استرجاعه في هذا الوقت هو الساعات الأخيرة لحياة الصحابة والصالحين، وهم على فراش الموت.. فهذا طلحة بن عبيد الله وهو في النزع الأخير يقول عنه عيسى بن أبي حازم، رحمه الله: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة بن عبيد الله بسهم يوم الجمل في ركبته، فجعل الدم يفذ ويسيل، فإذا أمسكوه استمسك وإذا تركوه سال.

قال: والله ما بلغت إلينا سهامهم بعد، ثم قال: دعوه، فإنما هو سهم أرسله الله، فمات فدفناه على شاطئ الكلأ. (اخرجه ابن سعد في طبقاته).

وعن أبي سبرة قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة بن عبيد الله يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم فرماه بسهم فقتله.

ليتني مت قبل هذا

وذكر الإمام الذهبي، رحمه الله، فقال: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي.. وعن علي قال: بشروا قاتل طلحة بالنار.

وعن طلحة بن مطرف: أن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة.

ويذكر أن طلحة والزبير، رضي الله عنهما، اعتزلا الحرب في يوم الجمل، فلم يقاتلا، وقتلا أثناء اعتزالهما لتلك الحرب.

وقد حفظ المولى عز وجل جسد طلحة بعد موته كما كان يحفظه وهو حي، فبعد موته بأكثر من ثلاثين سنة يفتحون قبره وينقلونه إلى مكان آخر، وإذا به لم يتغير منه إلا شعيرات في لحيته.

فعن المثنى بن سعيد قال: أتى رجل عائشة بنت طلحة فقال: رأيت طلحة في المنام، فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان: فإن النز الرطوبة أو الماء قد آذاني فركبت في حشمها، فضربوا عليه بناء واستثاروه.

قال: فلم يتغير منه إلا شعيرات في أحد شقي لحيته، أو قال رأسه، وكان بينهما بضع وثلاثون سنة.

وحكى المسعودي أن عائشة هي التي رأت المنام . فرضي الله عن طلحة وأدخله فسيح جناته.

الزبير بن العوام

أوصى الزبير بن العوام، حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشهود له بالجنة وأول من سل سيفه في سبيل الله وهو في النزع الأخير، ابنه عبد الله بسداد دينه فقال: إن عجزت عن شىء منه فاستعن عليه بمولاى. قال : فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: أبتي من مولاك؟ قال: الله . قال : ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه. وإنما دينه الذي كان عليه : أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة. قال: فحسب ما عليه من الدين. فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف . فقتل ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين. فبعتهما (يعنى: وقضيت دينه). فقال بنو الزبير: أقسم بيننا ميراثنا . فقلت : والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين : ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه فجعل كل سنة ينادي بالموسم فلما مضت أربع سنين قسم بينهم.

وكان للزبير أربع نسوة . فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف. انفرد بإخراج هذا الحديث البخاري.

عطاء وتضحية

والثابت أن الزبير رحل بعد حياة طويلة مملوءة بالعطاء والتضحية والفداء، وكان الموعد في يوم الجمل، فلقد شهد الزبير هذا اليوم مع طلحة وعائشة، رضي الله عنهم جميعا، غير أنه عندما ذكّره علي رضي الله عنه، بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام انصرف عنهم.

فعن أبي حرب بن الأسود الديلي، قال: شهدت الزبير خرج يريد عليا، فقال له علي: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقاتله وأنت له ظالم؟، فقال: أذكر، ثم مضى الزبير منصرفا، فلقيه ابنه عبد الله، فقال: جبنا، جبنا! قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكَّرني علي شيئا سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فحلفت ألا أقاتله، ثم قال: ترك الأمور التي أخشى عواقبها، في الله أحسن في الدنيا وفي الدين. وقيل: إنه أنشد: ولقد علمت لو أن علمي نافعي.. أن الحياة من الممات قريب. فلم ينشب أن قتله ابن جرموز.

وفي رواية: جيء برأس الزبير إلى علي، فقال: تبوأ يا أعرابي مقعدك من النار، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن قاتل الزبير في النار. وقال الشعبي، رحمه الله: أدركت خمس مائة أو أكثر من الصحابة يقولون: علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.

وعن جويرية قالت: باع الزبير دارا له بستمائة ألف، قال: فقيل له : يا أبا عبد الله غُبنت. قال: كلا والله لتعلمن أني لم أُغبن هي في سبيل الله . وهكذا رحل الشهيد المبارك عن دنيانا ليلحق بالحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.