هذا الكتاب ليس محوره اضمحلال أمريكا، إنما صعود نجم بقية دول العالم . ويستعرض المؤلف وهو رئيس تحرير الطبعة الدولية لمجلة نيوزويك الأمريكية التحولات الهائلة التي تقع في العالم اليوم، ويقول فريد زكريا وهو أمريكي من أصول هندية إنه بالرغم من أنه تتم مناقشة هذه التحولات إلا أنها ليست مفهومة لدى الكثيرين .

ويؤكد المؤلف أن نمو وازدهار دول مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا وكينيا يمثل قصة النجاح الكبيرة في عالمنا .

وقد أسفرت هذه الظاهرة عن بروز مشهد جديد . والفرضية الأساسية التي يركز عليها الكتاب أن مواقع القوة العالمية قد تغيرت وكذلك فإن الثروات والابتكارات بدأت تبرز في دول جديدة لم يكن من المتوقع سابقاً أن تملك زمام المبادرة بهذه السرعة المذهلة .

ويدلل زكريا على ذلك بالقول على سبيل المثال إن أعلى المباني وأكثرها شخوصاً في العالم، وكذلك السدود الهائلة وأكثر الأفلام رواجاً وأجهزة الهواتف النقالة البالغة الذكاء، لم تعد كلها تبنى أو تصنع في أمريكا . فإن أعلى وأفخم المباني تجدها اليوم في تايوان وماليزيا ودولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن الكتاب يحذر من أنه مع استمرار هذه الاتجاهات والتحولات الطامحة فإن عجلة العولمة الضخمة ستنطلق من خلال الاتجاهات القومية التي قد تصبح أخطر ظاهرة تشهدها العقود المقبلة . وبالرغم من أن الجدل السياسي حالياً في العالم المتقدم صناعياً يتمركز على التنمية بشكل عام وكذلك المخاوف البالغة من أخطار الإرهاب والهجرة والأزمات الاقتصادية إلا أن المؤلف يعتقد أن التحديات الحقيقية التي يواجهها العالم ستكون متمثلة في الدول التي ستخرج منتصرة في هذا العالم الجديد، وذلك في مقابل الدول الخاسرة في هذا السباق .

هناك خبرات كثيرة تتمتع بها أمريكا باعتبارها دولة عظمى، ولكن هناك أيضاً بعض التكلفة المترتبة على ذلك، ويمكن بسهولة خفض قيمة هذه التكلفة والمتاعب من خلال اتباع دبلوماسية تراعي مصالح عدة للسكان الأمريكيين وكذلك للدول الأخرى هكذا يرسم فريد زكريا بعض المنطلقات الرئيسية التي ستؤدي الى تصحيح الأخطاء العديدة التي ارتكبها اليمين المحافظ ونائب الرئيس تشيني نفسه، ذلك ان أمريكا قامت بتغيير العالم من خلال قوتها ونفوذها الضخم، ولكنها تمكنت من ذلك ايضاً بفعل مبادئها السامية التي رسمها الآباء المؤسسون . وعندما تظاهر الصينيون من أجل تحقيق الديمقراطية في ميدان السلام السماوي فإنهم رسموا صورة طبق الأصل لتمثال الحرية في نيويورك . ولم يقم المتظاهرون برسم صورة لطائرة إف 16 المقاتلة القاذفة الأمريكية الصنع . وهذا هو ما جعل الناس في مختلف أنحاء العالم يتوقون الى طابع الحياة في أمريكا وتحقيق الحلم فيها . وهذا هو بالتحديد ما جعل قوة أمريكا الضخمة مقبولة للعالم لهذه الفترة الطويلة كما يوضح لنا الكتاب .

وقبل تنفيذ أمريكا لأي استراتيجية محددة فإن عليها أولاً ان تقوم بعملية تعديل واسعة النطاق لكي تتكيف مع الأوضاع العالمية الجديدة في ظروف مرحلة ما بعد أمريكا . ويتعين على واشنطن ان تتوقف عن الاحساس بالذعر والخوف .

ويصف الكتاب هذا التخوف بأنه قد خلق مناخاً من البارانويا الشعور بالعظمة والقلق المفرط ما أدى الى وقوع المسؤولين الأمريكيين في اخطاء فادحة استراتيجية . وقد أصبح المسؤولون الأمريكيون يعتقدون أنه ليس هناك من بديل أمامهم سوى القيام بالتحرك وبشكل متفرد وفقاً لنظرية الحرب الاستباقية التي انتجتها إدارة بوش سواء في افغانستان أو العراق أو الحرب ضد الارهاب عموماً . وقد اسفر هذا الموقف الاحادي عن تدمير وتقويض عقود طويلة كانت أمريكا تتمتع فيها بالنيات الطيبة دولياً وكذلك ابعاد الحلفاء ونفورهم، ناهيك عن اذكاء روح العداوة والكراهية لدى من يضمرون الشر للأمريكيين بسبب ما تقوم به حكومتهم من افعال . وقد كان من نتائج هذه السياسة أيضاً، كما يرى المؤلف، ان أمريكا لم تتمكن سوى من التوصل الى حلول لمشكلات قليلة من بين النزاعات الدولية القائمة حالياً .

الخوف والقلق

ويشدد الكتاب على أنه من أجل استعادة أمريكا لمكانتها المرموقة في العالم فإنه ينبغي عليها أولاً ان تستعيد ثقتها بنفسها وتحيد أوجه الخوف وجنون العظمة الذي سيطر عليها . وكان الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفيلت يرى أن الخطر الرئيسي الذي يواجه أمريكا هو أنه ينبغي علينا ألا نخشى من أي شيء سوى الخوف نفسه ولكن للأسف الشديد فإن أمريكا أصبحت أمة غارقة في القلق والمخاوف وذلك بسبب الارهابيين والدول المارقة وكذلك من المسلمين عموماً والشركات الأجنبية والتجارة الحرة ومن المهاجرين والمنظمات الدولية مثلما هو الحال بالنسبة للأمم المتحدة التي تعارضها أمريكا وضربت عرض الحائط بها خلال غزوها للعراق . ويرسم المؤلف أيضاً صورة لأمريكا أكبر واقوى دولة في العالم على مر التاريخ وهي ترى نفسها محاصرة من قبل قوى تخرج عن سيطرتها . ويوجه الكتاب اللوم بالتحديد في هذا المجال الى الرئيس جورج بوش الذي ساهم على نحو كبير جداً في قيام هذه الأوضاع الحالية . إلا أن الأمر يمثل ظاهرة تتعدى ما قام به رئيس أمريكي واحد . وعلى سبيل المثال فإن حملة الانتخابات الرئاسية الحالية في أمريكا كان من الممكن أن توفر الفرصة لإجراء نقاش قومي عن العالم الجديد الذي نعيش فيه، ومن الجانب المتعلق بالحزب الجمهوري فإن الحملة كانت الى حد كبير تعتبر بمثابة ممارسة للهستيريا التي يضرب فيها الناس صدورهم تعبيراً عن الذعر الكبير، ويعكس الجدل الذي ساد حملة انتخابات الرئاسة لعام 2008 ما يؤمن به الأمريكيون من أن الآخرين يكنون لنا الكراهية كما كان رودي جولياني المرشح الجمهوري الذي انسحب بعد ذلك من الحملة يردد فعلاً هذه العبارة على مسامع الناخبين، وبذلك فإن جولياني كان يذكر الأمريكيين المستمعين لخطبه خلال الحملة بأن هناك اشخاصاً شريرين هناك في هذا العالم يتربصون بكم . وكان جولياني يطالب الأمريكيين بألا يصمدوا فقط أمام المبادرة الهجومية ولكن ايضاً القيام بهجمات فعلية على جبهات عديدة جديدة . وقد ساهمت في قيام هذه الحالة المرضية ردود الأفعال التي سادت أمريكا بعد احداث 11 سبتمبر/أيلول . ولذلك فإن الساسة الأمريكيين يحذرون من أن العدو ضخم وعالمي ولن يتردد في الهجوم بلا هوادة ضد أمريكا . وفي الوقت نفسه فإن فريد زكريا يطلق التحذير بأن أمريكا تكرر الآن أحد الأخطاء الرئيسية في الحرب الباردة وهي خلط الأوراق وتوجيه اللوم الى كل الاعداء المحتملين، بدلاً من العمل على احداث انقسام بينهم . ولذلك كان الرئيس الصيني الراحل ماوتسي تونج والرئيس السوفييتي الراحل جوزيف ستالين يعتبران من الاشرار والأوغاد . إلا أن المؤلف يعتقد أن كلا من الرجلين كانا أكثر سوءاً في عدائهما لأحدهما الآخر، وقد كان من الممكن على أمريكا ان تستغل فعلاً هذه الحقيقة لمصلحتها . ولهذا فإن ضياع هذه الفرصة وقتها لم يكن مصدر قوة ولكنه كان تعبيراً عن الغباء .

نجاح محدود

ويقول المؤلف في هذا السياق ان البعض من الناس يشيدون بتوجه إدارة بوش العدوانية للحيلولة دون وقوع هجوم ارهابي جديد على أمريكا بعد هجمات 11 سبتمبر . ويقول الكتاب إن ادارة بوش تستحق الاشادة بما قامت به لتفكيك هياكل تنظيم القاعدة في افغانستان وغيرها من الدول التي كانت تلقى فيها الدعم من خلايا فرعية إلا أن هذا النجاح كان محدوداً جداً على نحو لم يدركه الكثيرون . فقد وقعت احداث ارهابية في دول عديدة بعد أحداث 11 سبتمبر من بينها بريطانيا واسبانيا والمغرب وتركيا واندونيسيا والمملكة العربية السعودية . وذلك على الرغم من أن معظم هذه الدول تتخذ اجراءات مشددة ضد الارهاب . ومصدر التهديد المشترك لهذه الهجمات هو ان جماعات محلية هي التي قامت بتنفيذها . فإنه من السهل ان تكتشف العملاء الاجانب وتتصدى لهم، وعلى العكس فإنه من الأكثر صعوبة ان تتعرف الى جماعات نشأت وترعرت داخل البلاد نفسها . ويشير المؤلف الى أن الحزب الديمقراطي يبدي قدراً كبيراً من التعقل ازاء التحذير من الأخطار الارهابية كما اتضح خلال حملة انتخابات الرئاسة الحالية . إلا أن الحزب يستغرق في التخوف من أن الناخب قد يتصور ان الديمقراطيين ليسوا صارمين ضد الارهاب على عكس موقف الجمهوريين المتشدد . ولهذا فإن المرشحين الديمقراطيين حاولوا تغيير هذه الصورة أحياناً خلال هذه الحملة من أجل اقناع الناخب بأنهم ليسوا ضعفاء عندما يتعلق الأمر بالارهاب . وكان باراك أوباما المرشح الديمقراطي قد اعطى بالفعل انطباعاً للناخب الأمريكي بأنه سيكون زعيماً ليبرالياً سيركز على سيادة القانون ولكن هذا الموقف اسهم في اهتزاز صورته ولذلك فإنه قام بتعديل موقفه المعلن بعد أن ادرك ان الناس اعتبرته ضعيفاً ومتساهلاً، وقد استغل منافسوه في الحملة سواء كان السناتور جون ماكين عن الحزب الجمهوري أو منافسته الديمقراطية السابقة هيلاري كلينتون هذا الموقف واعتبراه بمثابة نقطة ضعف لا تؤهله لكي يصبح رئيساً . ولكن فريد زكريا يؤكد أن موقف اوباما الأول كان صحيحاً . فقد قال إن أول اجراء سيتخذه هو التأكد من أن رد الفعل الطارئ الذي سيعتمده سيكون فعالاً وسيأتي بالنتائج المطلوبة، وكان أوباما يتحدث في بادئ الأمر ايضاً عن ضرورة أن يتوفر لأمريكا افضل معلومات استخباراتية ممكنة من أجل معرفة من هي الجهة التي يمكن ان تكون قد قامت بمثل هذا الهجوم المفترض وبعد ذلك التحرك مع الحلفاء من أجل تفكيك الشبكة الارهابية المسؤولة وتدميرها .

ويرى المؤلف أن أمريكا لن تتمكن مطلقاً من منع جماعات صغيرة ارهابية من التخطيط لتنفيذ بعض الأعمال الارهابية وذلك مهما كانت هناك معلومات استخبارية تتسم بالكفاءة والدقة، فإن طبيعة الأشياء هي ان بعض الناس سيتمكنون في نهاية المطاف من النفاذ عبر الثغرات داخل بلد كبير ومفتوح ومتعدد الاعراق . ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي لزعامة أمريكا ليس أن نتأكد بنسبة مائة في المائة من اننا سنتمكن من منع وقوع أي هجوم ارهابي، ولكن بالأحرى أن يكون ردنا عليه كافياً وايجابياً ويتسم بالثبات والسرعة لمواجهة أي موقف قد يطرأ في اعقاب ذلك . وتقليل حجم الخسائر الاقتصادية والسياسية المترتبة على مثل هذا العمل الارهابي . واذا لم نصب بالرعب فإننا من الناحية الحاسمة سنكون قد الحقنا الهزيمة بالارهاب، حيث إن جو الرعب السائد حالياً لن يسفر سوى عن التأثير العكسي لما نطلبه .

تقييد الحرية الشخصية

ويتساءل المؤلف عما إذا كانت أمريكا ستقوم بقصف جوي بالقنابل ضد بريطانيا واسبانيا لأن هناك جماعات ارهابية تتخذ منها مقراً . ومن الناحية السياسية فإن المؤلف يحذر من أن النتيجة الأخرى المحتملة في حالة وقوع هجوم ارهابي جديد ستكون زيادة القيود على حرية الأفراد وكذلك خصوصياتهم وعلى الحريات المدنية عموماً . ويقول الكتاب إن أمريكا قد رفعت بالفعل ثمناً باهظاً للإجراءات التعسفية التي اتخذتها ادارة الرئيس بوش ويتمثل ذلك في النتائج الكبيرة السلبية التي لحقت بأمريكا اقتصادياً وسياسياً واخلاقياً . وعلى سبيل المثال فإن عملية فحص المسافرين في المطارات الأمريكية تكلف سنوياً خمسة مليارات دولار وتزداد هذه الإجراءات تعقيداً يوماً بعد يوم بعد أن يقول المسؤولون إنهم قد اكتشفوا اخطاراً محتملة جديدة وكذلك فإن نظام التأشيرات لدخول أمريكا قد أصبح أكثر تشدداً وتسوده القيود . ويرى المؤلف أنه عندما تصبح تصرفات أمريكا في مختلف انحاء العالم أكثر تشدداً وصرامة ولا تتميز بالانصاف والتسامح فإن ذلك ينعكس سلباً على هيبتها ومصداقيتها في عيون الآخرين . ويقول فريد زكريا إنه جاء الى أمريكا كشاب ووقع في غرامها في الثمانينات من القرن الماضي واقام فيها لنفسه حياة وعائلة وسعى الى تحقيق حلمه الأمريكي مثله في ذلك مثل الملايين الآخرين الذين وطئت اقدامهم أرض هذه البلاد الشاسعة من أجل حياة أفضل تسودها العدالة والرخاء والثقة بالنفس وليس الخوف والذعر . وكانت الهند مسقط رأسه تتخذ أحياناً في تلك الحقبة التاريخية مواقف تعتبر معادية لأمريكا ولكن ذلك لم يؤثر فيه وفي تصميمه على أن تصبح أمريكا هي الملاذ والحصن المنيع لحياته . فإنه يرى أن انفتاح أمريكا هو المصدر الرئيسي الذي تستمد منه القوة والعزة على عكس ما يجري حالياً وقد ازدهرت أمريكا على مر العقود لأنها ظلت منفتحة على العالم سواء في مجال التجارة والخدمات أو الأفكار والثقافات . وقد اسهم هذا الوضع في أن تتكيف أمريكا على نحو عاجل مع المتغيرات العالمية وبمرونة شديدة وبيسر ملحوظ، وكذلك فإن هذا الانفتاح منح أمريكا القدرة على أن تصبح الدولة الأولى التي تضم مختلف الأعراق والاديان والاجناس الذين وفدوا اليها من مختلف أنحاء العالم من أجل الإقامة والعمل والمشاركة في الحلم المشترك والمصير الواحد . كم يروي لنا الكتاب ومن أجل ان تزدهر أمريكا وتواجه التحديات الجديدة في العالم وكذلك من أجل أن تحقق النجاح بعد بروز دور الآخرين وصعود نجم دول جديدة نامية فإنه ينبغي عليها أن تحقق النجاح في اختبار وحيد كبير . وهذا يتمثل في أن تصبح مكاناً مثيراً للشبان الصغار ويرحب بهم لدى دخولهم اليه مثلما كانت عندما وصلها المؤلف عندما كان عمره 18 عاماً في عام 1982 . فقد جاء للدراسة فيها بعيداً بآلاف الأميال عن بلاده الهند وتمكن بعد ذلك من تحقيق النجاح وآماله العريقة بعد أن احتضنته هذه البلاد .

جزيرة ليلى

ومن امتع الفصول التي يتناولها الكتاب لمحاولة تفهم العالم في بداية القرن الواحد والعشرين استرجاع أزمة جزيرة ليلى التي تبرز لنا دور أمريكا في العالم في ظل المتغيرات الدولية الهائلة .

ففي يوليو/تموز من عام 2002 قامت الحكومة المغربية بإرسال 12 جندياً الى جزيرة صغيرة يطلق عليها اسم ليلى وتقع على مقربة اقدام عدة من الساحل المغربي في مضيق جبل طارق . وقام هؤلاء الجنود برفع العلم المغربي على هذه الجزيرة الخالية من السكان ولا يقطنها سوى بعض الخراف وهي قاحلة باستثناء بعض أعشاب البقدونس البري الذي ينمو فيها، ولذلك تطلق عليها إسبانيا التي تدعي ملكيتها اسم جزيرة البقدونس وكانت هذه الجزيرة محل نزاع طويل الأمد بين إسبانيا والمغرب حول سيادتها، وقامت الحكومة الإسبانية برد فعل حاسم وشديد إزاء ما اعتبرته العدوان المغربي على هذه الجزيرة . وبعد أسبوعين أرسلت إسبانيا 75 جندياً عن طريق الجو إليها . وقاموا بنزع العلم المغربي الذي كان قد تم رفعه، ووضعوا بدلاً منه علمين إسبانيين وطردوا أيضا الجنود المغاربة من الجزيرة وأرغموهم على العودة إلى بلادهم .

وأعلنت الحكومة المغربية ان هذا التصرف ليس سوى عمل حربي ينبغي شجبه عالمياً، وتم تنظيم تظاهرات كبيرة في المغرب وكان الشبان يهتفون خلالها بشعارات عاطفية مثل أرواحنا وأجسادنا فداء لك ياجزيرة ليلى ولكن إسبانيا واصلت عمليات تحليق طائراتها العمودية فوق الجزيرة وكذلك تعمدت مرابطة بوارجها الحربية بالقرب من الشواطئ المغربية كوسيلة للضغط على الحكومة المغربية . ومن بعيد كانت الأزمة من وجهة نظر الكتاب تبدو قصة هزلية كوميدية ولكن على الرغم من ان الكثيرين في خارج المغرب كانوا يعتبرون الأزمة سخيفة إلا انه كان من الضروري على شخصية ما في العالم ان تحاول إقناع إسبانيا والمغرب بأن ينزعا الفتيل المتفجر في هذه الجزيرة واحتمالات حدوث مواجهة لا يحمد عقباها .

وكان هذا الرجل الذي قام بهذا الدور هو كولين باول وزير الخارجية الأمريكي آنذاك . ولم تتدخل كما هو مفترض الامم المتحدة أو الاتحاد الاوروبي أو اي دولة أوروبية صديقة للطرفين مثل فرنسا . ويروي باول للمؤلف تفاصيل المهمة العسيرة التي اضطرته المقادير الى الاضطلاع بها، ويقول وزير الخارحية الأمريكي السابق: لقد واصلت التفكير ملياً بيني وبين نفسي ما الذي ينبغي علي القيام به بالنسبة لهذه الأزمة التي ليس لأمريكا أي علاقة بها لا من قريب ولا من بعيد . . ولماذا اصبحت الولايات المتحدة الأمريكية متورطة في هذه الأزمة على هذ النحو؟ .

وعندما اقتنع باول بأنه ليس هناك من بديل لتدخله الشخصي في العمل على حل الأزمة فإن أي اطراف اخرى لم تكن مستعدة للتدخل الحاسم وإلقاء ثقلها من أجل ممارسة ضغوط على الجانبين المتنازعين .

وبدأ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جولة من الدبلوماسية عن طريق الهاتف فقد قام بأكثر من عشرة اتصالات هاتفية بملك المغرب محمد السادس وكذلك وزير الخارجية المغربي آنذاك في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة وصباح يوم السبت التالي . ويقول باول: لقد أدركت الحاجة الى اتخاذ قرار من أجل التوصل الى حل وسط على وجه السرعة لأنه اذا لم يتم ذلك فإن كبرياء البلدين قد يسيطر على مواقفهما ويؤدي إلى تعذر حل المعضلة وتشدد المواقف على نحو يجعل المسؤولين فيهما يلجؤون إلى العناد . ولكن باول كانت لديه مشكلة شخصية ينبغي عليه ان يواجهها قبل محاولة التوصل لأزمة جزيرة ليلى . فإن أحفاده كانوا سيصلون الى مقره لقضاء عطلة نهاية الأسبوع والاستمتاع بالسباحة هناك في حمام السباحة الكبير، ولهذا فإن الوزير السابق قام بإعداد مسودة اتفاقية عاجلة وذلك على جهاز الكمبيوتر الشخصي المتوفر لديه في منزله . وكان يتعين عليه بعد ذلك ان يحصل على موافقة الجانبين الإسباني والمغربي عليها ولذلك فإنه بعث بالمسودة عن طريق جهاز الفاكس إلى المسؤولين المعنيين في البلدين، ووافق الجانبان وفقاً لهذه الاتفاقية على الانسحاب من هذه الجزيرة المهجورة وأن يدخلا بعد ذلك في محادثات في الرباط حول مستقبل وضعها . وأصدرت الحكومتان بيانين أعربا فيهما عن شكرهما للولايات المتحدة الأمريكية لمساعدتهما في التوصل إلى حل للأزمة وبالتالي فإن باول تمكن من ممارسة رياضة السباحة مع أحفاده وحل مشكلته الشخصية .

ويقول المؤلف ان هذه القصة تعطينا مثالاً صغيراً على ما تقوم به أمريكا في عالم اليوم . على الرغم من انها لا تدعي وجود أي مصالح لها في مضيق جبل طارق وعلى العكس من دول الاتحاد الاوروبي، إلا أن واشنطن تتمتع بنفوذ على إسبانيا والمغرب، وعلى عكس الامم المتحدة فإن أمريكا ليس بوسعها ان تتحدث بالنيابة عن المجتمع الدولي . ومع ذلك فإنها هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها ان تجد حلاً لهذا النزاع وذلك نتيجة لسبب رئيسي وبسيط وهو انها هي القوة العظمى الوحيدة في العالم . ولذلك فإن صيف عام 2002 سينظر اليه المؤرخون على انه العلاقة الرئيسية البارزة على طغيان النفوذ الأمريكي، وكان ذلك بمثابة إعادة وتكرار لما جرى في تاريخ الامبراطورية الرومانية عندما كانت روما هي القوة العظمى الوحيدة في العالم . وكانت العقود التي سبقت هذا التألق والنفوذ الأمريكي العظيم قد تميزت بالنمو الاقتصادي الخارق في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك زيادة المعدلات الانتاجية فيها على نحو غير مسبوق . وكان هناك فائض مالي هائل لدى واشنطن، وكان الدولار قد ارتفع إلى معدلات هائلة وكذلك فإن الشركات الأمريكية الكبرى كانت عبارة عن نجوم متألقة في العالم كله، ولكن العالم تغير بسرعة بعد أن وقعت هجمات 11 سبتمبر الارهابية ضد أمريكا . وسادت موجة من التعاطف الدولي تجاه أمريكا . ولكن كانت هناك ايضا بعض أحاسيس السعادة لدى البعض بأن أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم قد اصبحت تشعر بعد ذلك بالتواضع وبأن مكانتها المرموقة قد تداعت .

ووقع بعد ذلك ما يراه المؤلف بنقطة التحول البارزة في تاريخ أمريكا والعالم كله وهو رد فعل واشنطن الفوري والمستعجل على هذه الاعمال الارهابية الشريرة . وسيروي لنا الكتاب في الفصل الثالث والأخير الاجراءات التي اتخذتها الادارة الأمريكية على نحو متفرد لاسترداد كرامتها المفقودة واستعادة هيبتها في العالم من خلال مواجهة الارهاب في عقر داره .