يعتبر يحي ولد الحمد، أحد أبرز الصحافيين الموريتانيين، وشارك مشاركة فعالة طيلة العقدين الماضيين في تطور الصحافة الموريتانية المستقلة من خلال عمله في الإدارة والإنتاج الصحافيين . وغطى ولد الحمد الأحداث السياسية والاجتماعية في الساحة الموريتانية طوال السنوات الماضية، وتناول كافة الأحداث بقلم جريء ومهني . يدير ولد الحمد حاليا رئاسة جريدة الصحافة، وهي إخبارية مستقلة، وأسس قبل أيام إلى جانب مجموعة من زملائه مبادرة الإعلاميين الموريتانيين لدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، وهي أول مبادرة من نوعها على الساحة الموريتانية . الخليج التقت يحي ولد الحمد في العاصمة نواكشوط وأجرت معه الحوار التالي الذي سلط الضوء على المبادرة وأسباب قيامها ورؤيتها للنزاع في الصحراء، وهذا نص الحوار:
أعلنتم قبل أيام عن أول مبادرة من نوعها وهي تأ سيس هيئة إعلامية لدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، أطلقتم عليها مبادرة الإعلاميين الموريتانيين الداعمين للمبادرة المغربية للحكم الذاتي . ما مبرر قيام هذه المبادرة؟
لقد أسسنا هذه المبادرة، رفضا منا للمزيد من التشرذم العربي، ونحن في هذه الظروف بحاجة إلى دول قوية قادرة على مواجهة التحديات ومواكبة التطورات التي يعرفها العالم من حولنا، خصوصا بعد قيام الاتحاد المتوسطي، في وقت عجزت دول اتحاد المغرب العربي عن تحقيق حلم شعوبها في إقامة اتحاد يحقق لشعوب المنطقة طموحها في الأمن والاستقرار، من بين أهم معوقات قيامه مشكلة الصحراء . ونظرا لأهمية ما ورد في المبادرة المغربية الداعية للحكم الذاتي في الصحراء، والتي تكفل من خلالها المملكة المغربية الشقيقة لكافة الصحراويين، سواء الموجودين في الداخل أو في الخارج حقوقهم ومكانتهم اللائقة، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء، كما سيتم من خلالها تولي سكان الصحراء بشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات حصرية . كما ستوفر لهم المبادرة الموارد المالية الضرورية لتنمية المنطقة في كافة المجالات، والإسهام الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة، لهذا حرصا منا على مصلحة الشعب الصحراوي الذي تربطنا وإياه روابط الدم والدين والمصالح المشتركة أسسنا هذه المبادرة .
يرى البعض أن مبادرتكم جاءت ردا على مبادرة أخرى قام بها صحافيون موريتانيون يساندون جبهة البوليساريو؟
مبادرتنا ليست ردة فعل على أية مبادرة مهما كانت، فهي كانت انطلاقا من قناعتنا بمواقفنا، ونحن نحترم لغيرنا آراءه مهما كانت درجة اختلافنا .
أعلنتم فتح باب الهيئة أمام الصحافيين الراغبين في الالتحاق بها، لاسيما المؤمنون بعدالة الموقف المغربي من قضية الصحراء، والذين يتمتعون بمصداقية في الساحة الإعلامية الوطنية، شريطة أن يكون الولاء أولا وأخيرا لموريتانيا . فهل لنا أن نفهم هذه الجملة الأخيرة؟
باب المبادرة مفتوح أمام جميع الإعلاميين الموريتانيين المؤمنين بأهداف هذه المبادرة، أما فيما يخص دعمنا للمبادرة المغربية، فهو كما أشرت إلى ذلك في الجواب السابق، ينطلق من الحرص على مصلحة موريتانيا أولا والإخوة في الصحراء ثانيا، فنحن نعتقد أن هذه المبادرة توفر الكثير من الحقوق للشعب الصحراوي ومن شأنها أن تخرج المنطقة من هذه الورطة التي وقعت فيها دولها، الأمر الذي جعلها تدور في حلقة مفرغة لم تستطع أن تجد مخرجا منها لحد الآن، وصولا إلى حل يؤدي إلى غلق باب هذا النزاع واتجاه دول المنطقة إلى الاتحاد في إطار المغرب العربي الكبير .
أعلنتم في بيانكم التأسيسي أن موقفكم الداعم للموقف المغربي من قضية الصحراء، يدخل في إطار مصلحة موريتانيا، فهل ترون أن موقف موريتانيا على الحياد لا يخدمها؟
موقف الحياد الذي تلتزم به الدولة الموريتانية لا يتعارض مع ما نسعى إليه في هذه المبادرة التي هي مبادرة قام بها مجموعة من الإعلاميين، بهدف دعم مبادرة ترى أن فيها مخرجا لموريتانيا من مأزق وضعت فيه . ونحن جميعا كمواطنين موريتانيين مطالبون كل من موقعه على العمل من أجل المساهمة في حل هذه الإشكالية، ومن هنا يأتي دعمنا للمبادرة المغربية .
تعيش الساحة الموريتانية استقطابا سياسيا وإعلاميا وشعبيا حادا بين الموالاة للمغرب ومساندة البوليساريو، فهل كان للموقف الرسمي الموريتاني دور في هذا التشتت والانقسام في الرأي تجاه هذه القضية الهامة؟
نعتقد أن الموقف الرسمي الموريتاني يعتمد لحد الآن على مبدأ الحياد في الصراع الدائر حاليا حول قضية الصحراء، كما نعتقد أن من حق أي طرف موريتاني أن يتبنى الموقف الذي يراه مناسبا حيال هذا الصراع، إلا أن هذه المواقف من جميع الأطراف يجب أن لا تتعارض مع مصلحة موريتانيا .
كيف تنظر لخسارة اتحاد المغرب العربي جراء مشكل الصحراء؟
نأسف لعدم وصول اتحاد المغرب العربي إلى ما تطمح إليه شعوبه، وأملنا كبير في إيجاد حل لقضية الصحراء، التي هي العائق الأكبر أمام هذه الوحدة، حتى يتم بناء هذا الاتحاد بناء قويا، ليحقق لنا جميعا ما نصبو إليه، سبيلا إلى وحدة الشعوب المغاربية الحتمية والمشروعة .
لاحظنا خلال الفترة الأخيرة انفتاح في بعض وسائل الإعلام المغربية على جبهة البوليساريو . حيث أجرت صحف مغربية حوارات مع قادة الجبهة . . كيف تنظرون لذلك؟
تعرف وسائل الإعلام في المغرب توجها، يتمثل في الانفتاح على الآخر وأعتقد أن الحوارات التي أشرتم إليها تدخل في هذا الإطار .
قال محمد ولد عبد العزيز إن الحل العسكري في قضية الصحراء غير ممكن . . هل تعتبر ذلك تطورا؟
لقد أدركت كل الأطراف استحالة الحل العسكري، لهذا كان لا بد من البحث عن حل سياسي وسلمي للقضية بعيدا عن العمل المسلح، ونحن ندعو الصحراويين ما دام ولد عبد العزيز، قد اقتنع بأن الحل العسكري للقضية غير ممكن، أن يراجعوا وأن يغتنموا فرصة هذه المبادرة للدخول في مفاوضات مع المغرب لدراسة سبل تنفيذ خطة الحكم الذاتي، ويلتحقوا بمن سبقهم من إخوانهم، قرروا العودة إلى الوطن الأم، تلبية للدعوة الملكية التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني، والتي أعلن فيها أن الوطن يسعهم .
كيف تنظر لجوهر الصراع . . شعب يريد الحرية . . أم لعبة بين الجزائر والمغرب . أم وراء الأمر مؤامرة دولية لا تريد للمغرب العربي الوحدة والاندماج والتفرغ للتنمية؟
جوهر الصراع يعود إلى مطامع شخصية لدى بعض قياديي جبهة البوليساريو في قيام دولة صحراوية دون النظر إلى حقيقة الوضع الجيوبوليتيكي في المنطقة، وإلى تحكم بعض الأطراف الخارجية في الملف بعد ذلك، وإدارته بالطريقة التي يريدونها لتحقيق مطامح شخصية، بعيدا عن مصالح الشعب الصحراوي، والتي نرى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي هي السبيل الوحيد لتحقيقها، فالمشروع المغربي للحكم الذاتي اليوم المقدم من خلال المبادرة، مستلهم من مقترحات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن الأحكام الدستورية المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا، وهو مشروع يقوم على ضوابط ومعايير متعارف عليها عالميا . واسمحوا لي هنا أن أورد مقتطفات من المبادرة المغربية فيما يتعلق ب: اختصاصات جهة الحكم الذاتي للصحراء، حيث ورد فيها القول: يمارس سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء، داخل الحدود الترابية للجهة، ومن خلال هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية، ووفق المبادئ والقواعد الديمقراطية، عدة اختصاصات، ولاسيما في الميادين التالية: الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة، على المستوى الاقتصادي: التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة؛ ميزانية الجهة ونظامها الجبائي؛ البنى التحتية: الماء والمنشآت المائية والكهرباء والأشغال العمومية والنقل؛ على المستوى الاجتماعي: السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية؛ التنمية الثقافية: بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني؛ البيئة .
تتوفر جهة الحكم الذاتي للصحراء على الموارد المالية الضرورية لتحقيق تنميتها في كافة المجالات . وتتكون هذه الموارد بالخصوص مما يلي: الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة؛ العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية، المرصودة للجهة؛ جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة؛ الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني؛ عائدات ممتلكات الجهة .
تحتفظ الدولة باختصاصات حصرية، خاصة منها ما يلي: مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة؛ المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية؛ الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية؛ العلاقات الخارجية؛ النظام القضائي للمملكة . وقد عبرت المملكة المغربية عن حسن نيتها من خلال المبادرة، حيث أعلنت أنه: تتم مراجعة الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي فيه، ضمانا لاستقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة اللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة، وأنها ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة من أجل إدماج الأشخاص الذين تتم عودتهم إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته، وذلك في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم، معلنة أنها ستصدر بالخصوص عفواً شاملاً يستبعد أي متابعة أو توقيف، أو اعتقال أو حبس، أو أي شكل من أشكال الترهيب، ينبني على وقائع مشمولة بهذا العفو .