يبالغ بعض الناس في أمر المعتدة كثيراً، فبعضهم يحرم على المعتدة ان تنظر في المرآة، أو ان تنظر الى الذهب، أو ان تغسل رأسها بالشامبو أو أن تغسل جسمها بالصابون، مما يوقع المرأة المعتدة في حرج أحياناً، ولا فرق عندهم بين معتدة ومعتدة.

- والصحيح أن نفرق بين المعتدة من طلاق، وبين المعتدة من وفاة زوجها، فالمعتدة من طلاق يجب عليها ملازمة السكن في العدة، وقال بعضهم بجواز خروج المطلقة الرجعية نهاراً لقضاء حوائجها، ولا تبيت إلا في مكسنها، ورأى الجمهور ان المطلقة البائن كذلك، لكن لا إحداد ترك الزينة على المطلقة الرجعية، بل يستحب لها التزين بما يدعو الزوج الى رجعتها.

والمعتدة من طلاق بائن فإن الجمهور على أن عليها الإحداد، ويرى المالكية أنه لا احداد عليها، لأن الزوج هو الذي فارقها، والاحداد حق للزوج، فلا حق له عليها طالما أنه هو الذي فارقها.

- أما المعتدة من وفاة فقد اتفق الفقهاء على وجوب الاحداد عليها حتى لو أنه لم يدخل بها، والحكمة فيه اظهار التأسف على موت الزوج، ووفاء بالعهد.

ولماذا وجب الإحداد وهو ترك الزينة؟ لأن التزين يدعو الى تشوف الرجال اليها، والتشوف يؤدي الى العقد، والعقد يؤدي الى الوطء، والوطء يؤدي الى اختلاط الانساب، وهو حرام، وما أدى الى الحرام فهو حرام.

- والزينة المحرمة في فترة الإحداد، اتفق الفقهاء بأنها كل ما يتصل بالبدن أو الثياب أو يلفت الأنظار اليها، ثم اختلفوا فيما غير ذلك كألوان الملابس والادهان غير المطيبة مثلاً.

- أما ما كان من قبيل النظر في المرآة أو النظر الى القمر أو الجلوس مع المحارم ورفع الحجاب ولبس الجورب، والتحدث مع الناس في الهاتف أو في غير الهاتف بالمعروف وللحاجة فجائز، وكذلك الحكم بالنسبة الى النظر الى التلفزيون، حيث ان النظر الى البرامج الدينية جائز، ولا يجوز لها مشاهدة الرقص وما شابهه، لأنه غير جائز في غير حال العدة، فما بالك بفترة العدة؟

- ومما ينبغي ان تعرفه المعتدة أنها يجوز لها الخروج الى الجامعة لمواصلة الدراسة إذا كانت طالبة، وكذلك العمل إذا توقف على ذلك تفنيشها، قياساً على جواز خروجها لقضاء حوائجها.

- وإذا كانت المعتدة كبيرة في السن، وكان الرجل يدخل عليها قبل وفاة زوجها بحكم العمل وقضاء الحاجات، فلا بأس ان يدخل للسلام عليها مع وجود المحارم وهي تلبس اللباس الشرعي.

- ومن هذا العرض يتبين لنا أن كثيراً من الخرافات متأصلة في الناس حتى يومنا هذا، فبعضهم يعتقد أن المعتدة ينبغي ان تؤخذ بعد فترة الحداد الى البحر معصوبة العينين لتعلن عن انتهاء حدادها هناك، والصحيح ما ورد في الصحيحين ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا تحد امرأة فوق ثلاث إلا على زوجها، فإنها تحد اربعة اشهر وعشرا، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب نبت باليمن، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو ظفار.

- وفي سنن أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمتوفى عنها زوجها: لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قالت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك.

- وفقهاء المذاهب الأربعة متفقون على أن المعتدة من وفاة تلبس ثيابها المعتادة من غير طيب ولا زينة، وجاز لها ان تجمل فراشها وأثاث بيتها وستائره، ولها ان تتطهر وتتنظف في ثوبها وبدنها كنتف الابط وقص الأظافر والاغتسال بصابون غير مطيب.

- ولا انسى ان اقول ان المعتدة من وفاة تستحق منا ان نقدر ظروفها فلا نشق عليها اكثر من اللازم، فيكفي ان تعيش حالة قلق واكتئاب بعد مفارقة شريك حياتها.