في الأول من يوليو/ تموز عام 2004 رن جرس هاتف هذا الناقد بينما كان في طريقه إلى معهد العالم العربي في باريس لحضور فيلم جديد ضمن ما يعرضه مهرجان الفيلم العربي في دورته ما قبل الأخيرة. على الخط كان هناك صوت حزين جداً صاحبه هو المخرج التونسي رضا الباهي الذي قال: مارلون براندو مات، هذا قبل أن يستبدل المخرج صيغة الخبر بصيغة السؤال قائلاً: هل سمعت بذلك؟ هل تستطيع أن تتأكد من المواقع.
بما أنني لم أكن أحمل حاسوباً جاهزاً ولا أؤمن بخدمة اخبارية على الهاتف ذكرت للمخرج بأني لا أملك هذه الإمكانية حالياً ثم سألته ما إذا كان واثقاً من الخبر فقال نعم. لم يكن الموت مفاجئاً وحده، بل المفاجيء هو موعده. المخرج التونسي كان وصل إلى لندن، من حيث اتصل، وطرق باب شركة الإنتاج البريطانية التي كانت ستموّل فيلمه المقبل. وأول ما فتح أحدهم الباب ورآه أخبره بأن مارلون براندو مات. قال لي الباهي لاحقاً: سقطت أرضاً مغشياً عليّ.
السبب في أن المخرج التونسي سقط أرضاً وفقد الوعي هو أن الفيلم الذي كان سيوقع عليه بنحو عشرة ملايين دولار كان سيعيده إلى الكاميرا بعد أربع سنوات على ابتعاده بعد آخر فيلم له وهو اللحن مع روبرت دي نيرو وإدوارد نورتون وإخراج فرانك أوز.
كان رضا الباهي سافر إلى لوس انجلوس واجتمع مع مارلون براندو مرّتين ولأكثر من ساعة في كل مرّة. وحين عاد بعد المرّة الثانية حدّثني عن صحّة الممثل المعتلّة، لكنه ذكر أيضاً أن براندو أعجب جدّاً بالدور وأنه متحمّس للعمل. الحماس لم ينتقل مباشرة إلى شركة الإنتاج البريطانية التي تلكأت في محاولة لإجبار براندو على تخفيض أجره.
قبل نحو شهرين من وفاة براندو كنت أجلس كل ليلة في مكتب للمخرج التونسي في أحد شوارع باريس، ليس بعيداً عن مكاتب منتج تونسي آخر هو طارق بن عمّار، لأشارك في كتابة السيناريو باللغة الإنجليزية (لغة الباهي الأولى فرنسية). ولم يكن المطلوب ترجمة المكتوب بل منحه معالجة منطقية صحيحة وقابلة للتصديق.
في أحد الأيام تبيّن لي مدى حماس الممثل براندو للدور حينما اتصل وأنا موجود وسمعت المكالمة بينه وبين رضا الباهي. كان براندو يسأله: أين صار المشروع، ولم لم يبدأ التصوير بعد. الباهي قال له: لا زلت في طور كتابة النسخة الثانية وعلى ذلك أجابه براندو في تأكيد: حين بدأنا تصوير آخر تانغو في باريس لم يكن هناك سيناريو نهائي. على هذا رد المخرج الخجول بطبعه: لكني، مستر براندو، أنا لست برناندو برتولوتشي وهو اسم مخرج ذلك الفيلم.
وفي أيام براندو الأخيرة كان واضحاً أن الممثل يرفض الرحيل من دون صدى يناسب تاريخه. كان يرى في الدور المرسوم له في سيناريو رضا الباهي فرصة مزدوجة: من ناحية يلعب دوره الحقيقي كممثل أسطوري (والمشروع كان في الأساس يحمل عنوانا دالاّ هو براندو، براندو) ومن ناحية أخرى، كان يتعامل لأول مرّة مع مخرج عربي ومع موضوع عربي فيه ممثل عربي وفي قصّة تدور أحداثها تبعاً لما بعد كارثة 11/9.
أخبرني المخرج كيف أن مقابلة كانت معدّة لكي تمتد نصف ساعة شارفت الأربع ساعات تركه فيها المخرج يتحدّث بطلاقة. كان واضحاً أن براندو استغل فرصة معرفته بمخرج عربي (حمل إليه الباهي مجموعة من أفلامه السابقة شاهدها قبل اللقاء) ليفتح قلبه وليقول له صراحة ما يشعر به حيال العرب وحيال القضيّة الفلسطينية.
في ذلك اللقاء أخبر براندو رضا الباهي أنه متأسّف جدّاً على دعمه جهود الدولة العبرية سياسياً ومادياً وعاطفياً في السابق. وأترك الحديث لما وصلني على لسان رضا الباهي الي قال له براندو كنت من المؤيدين لفكرة دولة إسرائيل في الخمسينات والستينات لأسباب تتعلّق بما حدث لليهود من مجازر خلال الحرب العالمية الثانية. شعرت أن العالم صامت إزاء ما حدث لستة ملايين يهودي. لكن هذا قبل أن أعي الفرق بين اليهودية والصهيونية، وقبل أن اكتشف الحقيقة التي لم أكن أعرفها، ولم يكن يعرفها معظم الأمريكيين، كل تلك المخيّمات التي كان يعيش فيها الفلسطينيون المشرّدون في لبنان. حين أدركت الحقيقة صُدمت وتمنّعت عن الاستمرار في تأييد دولة رأيتها تفعل في الفلسطينيين ما فعلته ألمانيا بهم.
الفتى المشاكس
يكمل الباهي عن لسان براندو واصفاً ما تعرّض له من هجمة إعلامية عندما نقل ذلك الشعور إلى العلن ذات مرّة. ربما نتذكّر أن الممثل أعلن ذات مرّة أنه مستاء من صمت اليهود الأمريكيين على ما يحدث للفلسطينيين قائلاً لهم: أنتم من هو جدير بالشعور بآلام الشعوب فقد تعرّضتم للنكبات من قبل. وأخبر براندو المخرج كيف أنه اضطر لأن يلعق كلامه في مقابلة في سي ان ان بكى فيها.
أذكر أن بكاءه كان مثار تعليقات ساخرة من بعض الذين تناولوا الحادثة عربياً، إذ وجدوا الممثل أجبن من أن يتمسّك بكلامه. لكن علينا أن نعي أن من كان يبكي هو الوحدة والخوف من المستقبل والشعور بالذنب.
الوحدة الناتجة عن العزلة والمسافة البعيدة التي تفصله عن هوليوود المتناسية وماضيه الذهبي. والخوف من المستقبل وقد قارب الثمانين من العمر، ثم الشعور بالذنب الذي صاحبه حتى من البدايات الأولى.
براندو لم يعش حياة هانئة بالفعل. والمسألة بالغة الأهمية لأنها لوّنت طرق أدائه ومنحتها الحدّة والانفعال الذي أبهر به مشاهديه. ولد لأبوين سكيرين ولم يشعر بالرعاية. وحين عاود اللقاء بوالدته بعد سنوات من الفرقة إذ تخلّت عنه صغيراً، أرادها أن تبقى بجانبه طويلاً. لكنها بعد سنوات هجرته مجدداً ولم يستطع طوال حياته أن يكف عن الاعتقاد بأن الذنب في ذلك ذنبه. ربما يبدو ذلك غريباً لنا لكنه ليس غريباً على وضع الممثل الذي شق طريقه من دون غطاء عاطفي أُسروي او توازن نفسي توفّره البيئة الحياتية.
مثل جيمس دين انطلق مارلون براندو فتى مشاكساً وعكس تلك الصورة من عام 1946 عندما ظهر على المسرح لأول مرّة. المسرحية كانت بعنوان مقهى خط الشاحنات التي أنتجها في ذلك العام إيليا كازان خارج-خارج برودواي (التعبير الذي يُطلق على تلك المسرحيات الصغيرة التي لا تقدّمها المسارح التجريبية المحدودة).
المسرحية لا أهمية لها على الإطلاق إذ لم تنقلها سجلات التاريخ او تعيد إطلاقها مسرحاً او سينما. لكن هناك خمس دقائق يكتب عنها المؤرخون على نحو خاص هي تلك التي ظهر فيها هذا الشاب براندو. كان في الحادية والعشرين من العمر آنذاك وكان دوره صغيراً إذ يظهر في نهاية المسرحية لاعبا دور جندي عائد من الحرب العالمية ليكتشف أن زوجته خانته. في ذلك المشهد يتحدّث وحده على المنصّة شارحاً كيف قتل زوجته التي أحب ورمى جثّتها في البحر. كارل مالدن، وهو ممثل جيّد آخر شارك براندو لاحقاً في عدد من الأفلام، يذكر كيف أن براندو سطا على المسرحية بأسرها في تلك الدقائق الخمس وكيف أن تصفيق الجمهور لم يكن ليتوقّف قبل مرور دقيقتين.
ومع أنه كان لا يزال طري العود وصغير السن الا أنه استلهم من نجاحه في تشخيص الحالات تبعاً لمشاعره وعلى وتيرة أحاسيسه الخاصة وطريقته في تفسير الشخصيات التي يلعبها إلى حد أنه رفض عروضاً للتمثيل وهو بعد لا يزال دون مستوى الشهرة- ناهيك عن النجومية. وما كان يقبل به كان تلك الأدوار الانتفاضية المعبّرة عن روح متمرّدة في مسرحيات وأفلام تشاكس الوضع الاجتماعي السائد. في تلك الفترة بدأ يحاول أن يبث في الناس وعياً سياسياً. في العام ذاته، كتب المسرحي العنصري بن هكت مسرحية حكت عن مأساة اليهود وما كان يحدث لهم خلال الحرب العالمية الثانية. كان هكت، بوصفه يهودياً، يدافع عن مصالح عرقه من وجهة نظر صهيونية محضة يطرح فيها مسألة نقل اليهود من اوروبا إلى فلسطين. براندو، في مفهومه غير الواعي (والمصدّق ربما أن فلسطين ما هي الا أرض من دون شعب) كان السبب في أن المسرحية استطاعت جمع تبرّعات مباشرة لجهود بن هكت المالية لنصرة اليهود في عملية الاستيطان.
هذا المفهوم السياسي المعارض للسائد من التفكير التقليدي كان هو ذاته الذي دفعه لاحقاً لتأييد الهنود الحمر ضد التجاهل والعنصرية البيضاء في وقت كان فيه الأمريكي، سواء كان شخصاً عادياً او ممثلاً محترفاً في هوليوود، اعتبر أن احتلال آبائه وأجداده للأرض الأمريكية هو أمر انتهى البحث فيه او طرحه من أي زاوية (أدبياً وسينمائياً لم ينته الموضوع مطلقاً على اعتبار ما يصدر من كتب حول الموضوع وما يطرح من أفلام من حين لآخر). واحدة من تلك المناسبات التي عبّر فيها براندو عن رفضه للوضع القائم كانت أيام الهجمة المكارثية على المبدعين الأمريكيين بتهمة اليسارية. إيليا كازان سارع للاعتراف بأنه كان شيوعياً سابقاً مقابل أن يشمله العفو، ولكي يشمله العفو كان عليه أن يشهد ضد اولئك الذي كان يعلم أنهم يساريون وفعل ذلك (وبرر فيما بعد أفعاله أكثر من مرّة بما فيها المرّة التي وضع فيها كتابه عن حياته قبل نحو خمس عشرة سنة). براندو، الذي لعب بطولة فيلم إيليا كازان على رصيف الميناء سنة 1945 اكتشف أن الفيلم ليس سوى تبرير المخرج لفعلته، وكان ذلك آخر فيلم بينهما.
البديل السياسي لبراندو كان في البحث عن أعمال ذات قيمة اجتماعية وسياسية. ووجد في خلال ذلك ثلاثة أفلام اعتز بها هي أحرق وهو للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو حول استعباد السود عن طريق قائد مستوطنة أبيض (براندو) وسايونارا للمخرج لجاشوا لوغن حول مجنّد أمريكي في اليابان ما بعد هزيمتها يقع في حب يابانية ويسعى لردم العنصرية الأمريكية مصمماً على الزواج ممن يحب، وفي سنة 1966 فيلم آرثر بن الاجتماعي النقدي الصارخ مطاردة لاعباً شخصية الشريف في بلدة صغيرة في تلك الفترة تنقلب ضدّه لأنه يريد منعها من إلحاق الأذى بسجين أسود يريدون استنطاقه وبسجين أبيض (روبرت ردفورد) هارب من سجن الولاية طالباً العودة إلى صديقته (جين فوندا).
في مقابلة رضا الباهي لبراندو تحدّث الأخير عن نفسه بعد اكتشافه الحقيقة. قال ذات مرّة زرت المغرب ونزلت في دار، لم يكن همّي الاختلاط اجتماعياً او التعرّف إلى أي شيء. كان كل شيء، متوافراً وكنت خلال وجودي أستمتع بحياة رغدة. ذات يوم لم استطع النوم فبقيت صاحياً لساعة متأخرة من الليل. فجأة سمعت شيئاً غريباً يدلف عليّ من كل جانب... كان الأذان. أذان الفجر. صعدت سطح المبنى ووقفت أنظر إلى تلك المآذن وهي تطلق تلك الأصوات التي تطلب من الناس أن تصلّي... شعرت يا رضا بخشوع غريب. هذا المشهد ولحظاته لا يزال يسري في أوصالي خشية بالغة.
للأسف لم يكن هناك من يتلقّف هذا الشعور ليرشده ويهديه ويقوّمه.