اشتهر الحب في الأدب، ليس فقط بسبب شهرة أصحابه، بل ولربما هم الذين اشتهروا بسببه. واختلفت القصص والحكايات لكنها في النهاية، وصلت إلينا مشبوبة بما اعتلجت به القلوب واحترقت بلظاه. وأشهر قصص الحب في التاريخ، عاشت معنا وانطبعت في أذهاننا وحياتنا أكثر من غيرها إلى درجة أننا صرنا نستخدم تلك المسميات ونضفيها على من يسيرون فوق طريق العشق المشابه.
وبعيدا عن تاريخ هذه العاطفة الجياشة القديم المتمثل في قيس وعنترة وجميل حتى حكاية روميو وجولييت وغيرهم كثير، نقترب من العصور الجديدة لنسمع عن حب من نوع آخر مثل الذي عاشه جان بول سارتر مع سيمون دي بوفوار وتبادلا فيه حياة أدبية غنية ووافرة الصحة، وحب أخف وطأة وأفلاطونية في علاقة مي زيادة وجبران وصولا إلى رسائل ود وإعجاب بين غادة السمان وغسان كنفاني. ولا شك بأن هذه القصص، هي التي تشعل شموع التفاؤل في حياتنا وتفعمنا بالروح وتضفي من تألق الحياة على نفوسنا الكثير،خصوصا كلما أعدنا قراءتها واستكشفنا ما يمكن أن تجلبه تلك المشاعر إلى ورق الكاتب وإلى ذاكرة الأديب، وما يمكن أن تتركه لنا من فيض الأحلام والعبارات والمعاني الراقية بعيدا عن إسفاف الغزل الرديء.
ولاشك بأن هذه العلاقات كلها قد أفادتنا لاحقا في استكشاف كيف يمكن أن تتبلور المشاعر بين المحبين وأن تعكس حولها اشراقة شمس لا تنطفئ للأبد. ولو نظرنا إلى مشاعر حب أكثر اختلافا من هذه المشاعر التي قد تتبادلها الأجناس المختلفة، فلسوف نستدعي في الذاكرة بعض العلاقات الوثيقة التي كانت تربط شاعرين مثلا أو كاتبين في مرحلة معينة. وليس بالضرورة أن تكون علاقة بين جنسين مختلفين كما ذكرت، أو أن تهدف لمشروع حب أو ارتباط اجتماعي، بل هي علاقة اتفاق ومودة فكرية، تجعل من هؤلاء يعيشون حياة أكثر تآلفا، ويتناغمون إلى حد التواصل مع الإنتاج الأدبي واستكمال رحلة الأدب وصولا إلى نجاحات لا تنسى، مثل علاقة الصداقة التي ربطت بين عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وتوجت بالرواية الثنائية (عالم بلا خرائط) والتي تعتبر واحدة من أندر الأعمال الأدبية عالميا.
والتساؤل هنا لماذا لم يقترب حتى اليوم أديبان بمثل هذا النوع من الاقتراب الطامح لتخليد الصداقة بأجمل أنواع الأدب وأرقاها، على الرغم من الانفتاح الكبير الذي يشهده العالم في وسائل الاتصال والتواصل؟ ولماذا لا نسمع إلا عن العداوات المتفاقمة بين الأدباء أو حتى بينهم وبين مؤسساتهم ولم تصلنا أخبار هذه الصداقات الأدبية الرائعة والمشجعة؟ هل يمكن أن يعني هذا الأمر بأن صفحات الأخبار لم تعد تتناقل سوى العداوات لأهداف تجارية بحتة؟أم أننا لم نعد نعيش عصر التواؤم والتناغم بين هذه الفئة، والتي تسهم صداقاتها في توطيد أواصر الفكر والثقافة والأدب؟ مجرد سؤال، قد يصل إلى إجابة غير مقنعة وقد يبقى معلقا بانتظار أن تكشف الأيام حقيقة غير ما نرى أو نسمع.
باسمة يونس