عندما كانت مسلسلات السيرة ما زالت في انطلاقتها الاولى، لم تحتل بعد الاولوية في مائدة رمضان الدرامية، كان مسلسل السيرة الاشهر هو الايام عن حياة الاديب الكبير طه حسين، الذي قام بدوره في المسلسل ببراعة لافتة للنظر عبقري التمثيل العربي أحمد زكي. وكان فرح الناس بالمستوى الراقي الذي ظهر به هذا المسلسل المبكر في مسلسلات السيرة حاجزا امام وضعه يومها على مشرحة النقد الموضوعي القاسي.

وبقيت مسلسلات السيرة على هامش الهجوم المسلسلاتي كلما اطل علينا شهر رمضان، رغم ظهور مسلسلات سيرة مثل مسلسل قاسم امين، حتى ظهور ثلاثة مسلسلات مهمة في موسمين متتاليين: السندريلا (سيرة سعاد حسني)، والعندليب (سيرة عبد الحليم حافظ) والملك فاروق.

ولكن قبل الاسترسال في فتح ملف هذا النوع من المسلسلات الذي بدأ يستحوذ على اهتمام المتفرج العربي، من المحيط الى الخليج، بشكل لافت للنظر، لا بد من ملاحظة الخطأ اللغوي الفادح الذي يقع فيه كل العرب في هذا المجال، فيطلقون على هذا النوع من الاعمال الفنية اسم مسلسلات السيرة الذاتية.

وقبل السندريلا والعندليب والملك فاروق، فقد شد انتباه المتفرج العربي من المحيط الى الخليج، مسلسل سيرة أم كلثوم الذي كتبه المبدع محفوظ عبدالرحمن.

والحقيقة العامة التي تطفو على كل الحقائق المتعلقة بهذا النوع من الاعمال الفنية، تقول ان الاقبال الجماهيري على مثل هذه المسلسلات له دوافع عديدة، ابرزها وأقواها - برأيي- فضول الناس للتلصص على خصوصيات المشاهير في مجتمعهم، سواء كانوا رجال سياسة أو فن أو أدب.

نقول ذلك بمناسبة الزوبعة التي اثارها مؤخرا ظهور المسلسل الاخير عن سيرة اسمهان. فمع ان المسلسل جاء في مجال مسلسلات السيرة، درة هذا النوع من المسلسلات، على حد تعبير الكاتب الكبير اسامة انور عكاشة، فإن المستوى الفني الرفيع الذي ظهر به السيناريو، والاخراج والتمثيل، لم يكن موضوع الندوات الكثيرة التي عقدتها الفضائيات العربية عن المسلسل، بل بقي الهم والاهتمام محصورين لدى الجميع تقريبا، في الرد على سؤال او اثنين:

هل تفاصيل حياة اسمهان وفؤاد الاطرش، كما عرضها المسلسل، تنطبق بحذافيرها على حياتهما الحقيقية، ام هناك مبالغة في مواقع، وتحريف في مواقع اخرى؟

حتى لو كانت التفاصيل متطابقة بين الحقيقة والخيال الفني، هل يجوز الذهاب في الصراحة بعرض مثل هذه التفاصيل الى اي مدى يريده الكاتب والمخرج؟

الحقيقة ان كلا السؤالين، يفضح نفسه بأنه غير منطلق اصلا من الاهتمام بمستوى العمل الفني، الذي لا يدعي اصحابه اصلا انه اكثر من عمل فني، ولا يطلبون محاسبته الا بمعايير الاعمال الفنية. لكن السؤالين ينتميان كما قلنا واشرنا الى الرغبة في التلصص على الحياة الداخلية للمشاهير، سواء كانوا اهل سياسة او فن او ادب، وفي هذا السياق، ينحرف التقييم عن المعايير الاساسية، ويصبح الموضوع المطروح: هل ان التفاصيل التي يعرضها المسلسل عن حياة اسمهان (او اي فنان آخر)، تنطبق على صورة هذا الفنان في مخيلتنا، او هل ان هذه التفاصيل تناسب هذه الصورة التي نتخيلها وتليق بها؟

حتى عندما كان بعض المتحاورين في مثل هذه الندوات التلفزيونية يريدون الخروج من عالم التلصص على تفاصيل الحياة الشخصية للمشاهير، الى عالم التقييم الفني لعمل فني ذي مستوى راق، كان المذيع واتصالات المشاهدين يشدونه الى المستوى الاول.

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ان المستوى الفني الذي ارتفعت اليه صناعة مسلسل اسمهان، جاء ارقى من المعدل العام لنضج الحياة الاجتماعية في البلاد العربية، التي ما زالت كما يبدو متوقفة عند حدود التقاليد الاجتماعية القديمة التي كان تعتبر اسمهان قبل ستين عاما خارجة عن حدودها.

ويبدو ان قطاعات غير قليلة من المجتمع العربي، ما زالت بعد ستين عاما، متوقفة عند حدود التقاليد نفسها لذلك، فكما كانت سيرة اسمهان الفنية متجاوزة ضيق افق مجتمعها.

الياس سحّاب