يؤكد الخبراء أن الاستثمار في الذهب خلال 2009 سوف يشكل إغراء للمستثمرين الذين ينشدون جني مكاسب تعوضهم عن خسائر أسواق الأسهم، ولكن شريطة أن تواصل الولايات المتحدة سياسة نقدية أكثر استقرارا قد تزيد من الضغوط على الدولار . ولكن تبقى هناك نقطة عالقة تتمثل في المخاوف التي تسود الأسواق بسبب تراجع معدلات التضخم على حساب المزيد من الانكماش على المدى القريب، الأمر الذي سيضعف معه عزيمة المستثمرين لشراء الذهب . وتشير صحيفة بيزنس ويك الأمريكية إلى أنه ربما كان لارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية حلقت به إلى نحو 1،030 دولار للأونصة في مارس/آذار الماضي انعكاس سلبي على سائر السلع الأخرى أكثر من تأثيرها على أسعار مشتقات الذهب نفسه . ولعل عدم القدرة على التحكم في هرع المستثمرين نحو عمليات بيع جنونية للسلع منذ الصيف الماضي قد دفع بأسعار الذهب إلى الانزلاق لمستوى 680 دولاراً للأونصة في نوفمبر/تشرين ثاني الماضي وذلك قبل أن يعاود ارتفاعه ليتجاوز 800 دولار مع نهاية العام 2008 .
وتقول الصحيفة إن هذه التطورات في أسعار الذهب ونفوذها المؤثر على أسواق السلع الأخرى تعطي مؤشرا قويا على بداية دخول عهد جديد تزدهر فيه سوق السلع في العالم . وتتجلى أهمية هذه المرحلة الجديدة في الدور الذي سيلعبه الذهب كرمانة ميزان لتحقيق الاستقرار في أسعار السلع إضافة إلى كونه الملاذ الآمن بالنسبة للمستثمرين لجني أرباح والتحوط ضد التضخم بوصفه المكون الرئيسي للمجوهرات .
وفي تقريره حول آفاق تجارة السلع في ،2009 يستعرض ديف ميجر المدير التنفيذي لمؤسسة ألارون تريدينج لخدمات المعادن في شيكاغو جزءا من التساؤلات التي تلقاها من بعض المختصين حول ما إذا كان الذهب سيصلح كملاذ آمن، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يبد الذهب أداء أفضل أثناء الاضطراب الاقتصادي الحالي . ويعتقد ميجر بأن الذهب سوف يبقى ملاذا آمنا مستشهدا بأن أسعاره لم تتراجع إلا بالقدر اليسير مقارنة بالسلع الأخرى في الوقت الذي عصفت التقلبات بالأدوات المالية الأخرى . ويؤكد أن أهمية الذهب كأداة للاحتفاظ بقيمة النقد وقت الحاجة السبب الأساسي وراء عمليات البيع الجنونية .
ويعزو محللون السبب في ارتفاع أسعار الذهب مؤخرا إلى ضعف الدولار وتخفيض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة والتي وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية في الوقت الذي تصر البنوك المركزية الأوروبية على الاحتفاظ بالمستويات الحالية للفائدة . ويتوقع ميجر بأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي من شأنها أن تدعم المزيد من الارتفاعات في أسعار الذهب خلال الربع الأول من ،2009 بعدها ستبدأ الأسعار في التراجع نتيجة اشتداد الأزمة المالية واعتماد العالم بشكل أكبر على الدولار كاحتياطي نقدي مفضل . وخلال مؤتمر عقد في الثامن عشر من ديسمبر/كانون أول الجاري، توقع ميجر بأن يشهد العام الجديد تباطؤا في الطلب على منتجات الحلي الذهبية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، في الوقت الذي ستحافظ تجارة المجوهرات في الهند على تماسكها بفضل التقاليد الثقافية للمجتمع الهندي الذي يعد أكبر مستهلك في العالم . ويرى ميجر أن الضرر الحقيقي على تجارة الذهب سوف يكون مرجعه إلى المخاوف من تفاقم أزمة الانكماش بالأسواق العالمية .
أما فكتور سبرانديو الرئيس التنفيذي لمؤسسة ألفا فاينانشال تكنولوجيز للأبحاث في دالاس فيعتقد أن هناك ارتباطا وثيقا بين مسألة تعافي الاقتصاد العالمي والتضخم . ويقول: بالنظر إلى ما مضى من أحداث وما سنراه في الفترة المقبلة، فإننا نلحظ علاقة بين تسارع نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع معدلات التضخم . ويضيف سبرانديو: فإذا واصلت معدلات الطلب ارتفاعها، فسوف يعاني العالم نقصا في نفس المواد الأساسية التي كان يعاني منها قبل الركود مثل المعادن الصناعية والحبوب والنفط . ويشير إلى أن أهمية الذهب تكمن في حقيقة أخرى وهي أنه يمثل مؤشرا تقاس من خلاله صحة الاقتصاد العالمي، ولا يقل بأي حال عن أهمية مؤشرات أسواق المال العالمية .
ويتوقع معظم خبراء الاقتصاد والمحللين بأنه في حال تدهور حال الاقتصاد العالمي خلال النصف الأول من 2009 وارتفاع معدلات البطالة وتراجع أسعار العقارات نتيجة عدم كفاية خطط التحفيز، فإن ذلك من شأنه الهبوط بأسعار الذهب إلا في حال ما إذا ألقت الخزانة الأمريكية بورقة حل بديلة . لذا فالبعض ينصح باللجوء إلى ما يسمى صناديق الذهب المتداولة والتي تمثل مخزنا آمنا للمستثمرين للاحتفاظ بسبائك ومنتجات الذهب والاستفادة منها عند معاودة الحركة التجارية نشاطها من جديد . أما روك ميلر مؤسس وحدة إدارة وتخطيط الأدوات المالية بجامعة كامبريدج فيشير إلى أن السياسة التي تتبعها الإدارة الأمريكية لضخ المزيد من السيولة في النظام المصرفي من شأنها أن تقود الاقتصاد إلى التضخم مستقبلا، لذلك يرى بأنه من الأفضل الاستثمار في سندات الخزينة المحصنة ضد التضخم .