مع استمرار العدوان الصهيوني الغاشم وتصعيده إلى مستويات غير مسبوقة على إخواننا الفلسطينيين من أهالي غ0زة هاشم، مثوى سيدنا هاشم بن عبدمناف جد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومهد الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي الذي كان يحن إلى رياضها ويقول:

وإني لمشتاق إلى أرض غزة

وإن خانني بعد التفرق كتماني

سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها

كحلت به من شدة الشوق أجفاني

وفي ظل هذه الوتيرة المتسارعة من التدمير الشامل والخروج عن كل التقاليد والأعراف الإنسانية والصمت المتخاذل للضمير العالمي، يعاودني تذكر منهج التربية النبوية الراقي للصحابة رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم، عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لثوبان: كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام يصيبون منكم، قال ثوبان: بأبي وأمي يا رسول الله أمِن قلة بنا؟ قال: لا أنتم يومئذ كثير ولكن يُلقى في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال (مسند أحمد 14/331 برقم 8713)

إذ بجانب تصحيح نسبة الكثرة والقلة، وتصحيح مدى ارتباط الكثرة بالغلبة والنصر، نجد أن المنهج السديد في سؤال سيدنا ثوبان حول ماهية الأسباب التي توقعنا في الأزمات المحدقة، فلم يسأل رضي الله عنه عن إمكانات الأعداء ولا جعلها مبرراً للتخاذل والهزيمة، وإنما كان السؤال والمدخل الصحيح حول مقومات الأمة ذاتها، وما الذي أوصلها إلى تلك الدرجة من الهوان والضعف والتخاذل.

فالتساؤل حول ضخامة عتاد العدو وعدته أو عدم تكافؤ الإمكانات تساؤل مغلوط ومقدمة منفكة الصلة بأي نتيجة، فضلا عن إثارتها للفتن وزرع القنوط واليأس والمرارة في النفوس والقلوب، فبداية كل هزيمة انهزام داخلي وخوار عن المواجهة وتلمس لذرائع ومبررات للتخاذل استناداً إلى قوة الأعداء وهمجيتهم في التعامل.

بينما أن دلالات النصر الحقيقية التي نتلمسها من شهر الله المحرم وما به من يوم عاشوراء تبدو لنا واضحة للعيان لو تأملنا معاني وصور النصر التي تتحقق بالثبات على المبدأ مهما كانت علاقات النسبة والتناسب في العدد والعدة.

ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى منهم فصوموه (6/96 برقم 4737).

والى جانب دلالات أننا أولى بسيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات والسلام، نرى معاني النصر في حقيقة الثبات الذي يلقيه الله تعالى على عباده المؤمنين عند انقطاع السبل والاسباب، فقد أمر الله تعالى رسوله بأن يسري ببني اسرائيل خروجاً من طغيان فرعون الذي تملكه الكبر والكبرياء، والكبر اذا تمكن من القلب مع وجود سلطة ما من قوة أو مال أخذه الى معاني الطغيان، والطغيان يخرج الانسان عن الثبات واتزان التصرف.

حتى اذا وصلوا الى حد البحر وأدركوا انهم قد أحيط بهم من البر والبحر وأسقط في أيديهم ولم يعد لهم من الأسباب من شيء، فها هو فرعون يلاحقهم ويطبق عليهم بكل كبريائه وجبروته، فما كان جواب سيدنا موسى الا قوله: كلا إن معي ربي سيهدين، فالنجاة التي كان يرتقبها عليه السلام لم تكن من التخطيط ولا التدبير فهذا كله من قبيل الأخذ بالأسباب والتي تعبدنا الله بضرورة الأخذ بها، لكن اعتماده كان على مسبب الاسباب، فإذا توقفت الاسباب وانتهت الى حصار البر والبحر واطباق العدو عليهم من كل جانب، فإن رب الأسباب ومسببها باق سبحانه وتعالى.

وهذا يورث في القلب حقيقة اليقين وعدم الاهتزاز، وعندما يمتلئ قلب المؤمن بأن الله معه تظهر عجائب آيات وقدرات الله تعالى في التثبيت والنصر، فما ظنكم بطائفتين دخلتا بقعة واحدة من البحر فينجي الله تعالى الأولى ويغرق الثانية، لأن الأولى دخلتها باعتماد على الله وثقة بموعوده ونصره، والثانية باعتماد على الطغيان وآلة الحرب وعدم تكافؤ العدد والعتاد، فهذا من معاني الثبات والنصر في شهر الله الحرام.

وهناك معان أخرى للنصر وان لم يظهر بادي الرأي للناس معنى النصر فيها، فهل نعد ما جرى في غزوة أحد نصراً؟ وكيف نسميه نصرا رغم ما به من قتلى وجرحى وتمثيل بالأجساد؟ إن وجه النصر فيه هو ما تعلمه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من أن النصر قرين الثبات على المنهج، والثبات على أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقولوا لي بالله عليكم كيف يشعر المسلمون بالنصر مع مخالفتهم لمنهج رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

وهو الأمر الذي تكرر مع غزوة حنين حيث خرج مع جيش المسلمين عدد من حديثي العهد بالاسلام، وأعجبتهم كثرة الجيش من عدد وعتاد وقالوا لن نهزم اليوم من قلة تعبيراً عن تحول خطير في منهج الاعتماد على الأسباب. فلما أعجبتهم كثرتهم حصل الانكسار والهزيمة المحققة، لتبرز لنا معاني النصر الحقيقي في ثبات الرسول عليه الصلاة والسلام والناس من حوله ينهزمون، ثم يأمر عمه العباس رضي الله عنه بأن ينادي أصحاب بيعة الرضوان والمهاجرين والانصار والأوس والخزرج، أي كل هؤلاء الذين عايشوا معنى التربية على الثبات وعرفوا معنى الصلة بالنصر الحق، ويذكر ابن هشام ان الرجل منهم كان يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذلك هو المنهج الذي تربى عليه الإمام ابو عبدالله الحسين سبط رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام وعاشه وعلمنا إياه في ساعة عصيبة كالساعات التي تشهدها أمتنا في تلك الأيام، من الثبات على الحق مهما كانت دعاوي الباطل وزيفه وجبروته دون مداهنة ولا نكوص ولا قبول إغراءات، معنى ما زالت الأمة تنهل من دلالاته بعد كل تلك القرون المتلاحقة، فما هو واجبنا نحو إخواننا من أهل غزة وكيف نتحقق بحقائق الثبات في يوم النصر؟

إن البداية الحقة للنصر هي الالتجاء إلى الله والأوبة إليه والابتهال والاستغفار والتضرع في حال إخواننا الفلسطينيين في غزة وفي بقاع الأرض عموماً والقنوت لنازلتهم، ولذا أوصيكم وسائر المسلمين بذكر الله تعالى بقوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (آل عمران: 173)، فنقول حسبنا الله ونعم الوكيل 450 مرة لمن يقدر أو 70 مرة صباحاً ومساء، نقول بعدها قوله تعالى: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (آل عمران: 174).

كذلك وبالنظر الى فداحة الخطب والأحوال الانسانية التي تزداد سوءاً كل يوم في القطاع، واستشعاراً للواجب الشرعي بضرورة النصرة لإخواننا في غزة هاشم، علينا المساهمة بكل إمكانياتنا في التخفيف من ويلات الحرب هناك عبر التبرع في الجهات الموثوق بها وجميع القنوات الشرعية المتاحة عيناً ونقداً، ولا يخلو بلد من بلادنا من منظمات ثقة وجمعيات حكومية أو خيرية رائدة قادرة على توفير وتوصيل المعونات والإمدادات.

ولا يوقفنكم عن هذا الواجب ما تعتقده أو تظنه من احقية هذا الطرف او ذاك في السلطة والحكم ولا ما بينهم من خلافات ولا ما نراه من تقديم للتحالفات السياسية وانقساماتها على قدسية القضية، فالأمر جلل والخطب فادح بل ينبغي ان نتوجه بالمعونات الى الأهالي الابرياء الذين يعانون ويلات الحرب في كل ساعة وليس لهم من ملجأ إلا الله تعالى، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: ما من امرئ يخذل مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه عرضه الا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وتنتهك فيه حرمته الا نصره الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته (شعب الايمان/ التعاون على البر والتقوى 10/99 برقم 7226).

والخلاصة في النقاط التالية:

1 التوبة والرجوع الى الله مع الاعتقاد الراسخ بأن الاصرار على التقصير في الامتثال لأمر الله هو اساس كل البلايا والمصائب.

2 الذكر والدعاء مثل تكرار (حسبنا الله ونعم الوكيل) 450 مرة او 70 مرة صباح مساء.

3 التبرع المالي والعيني وبالدم عبر المؤسسات المعتمدة.

واخيرا كونوا على ثقة بأن نصر الله لقريب تبدو بشائره اكثر وضوحا كلما ضاقت واستحكمت، وإني لأرى فرج الله القريب حق اليقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز او بذل ذليل (مسند احمد 8/155 برقم 16957).