أدهم الشرقاوي، هو اللقب والاسم الشعبي للسيرة التي خلدت أدهم عبدالحليم عبدالرحمن الشرقاوي المولود عام ،1898 أي بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر بما يقرب من 17 عاما، ولد في قرية زبيدة، مركز إيتاي البارود محافظة البحيرة، وقتل في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1921 وهو في ال 23 عاما، عمر الفتوة والشباب.
كان أدهم، كما جاء في كتب التراث والتاريخ، شابا أبيض اللون مستدير الوجه، يمتلك ذكاء لافتا، وقوة خارقة وصلت إلى حد القول إنه كان يرفع رحى الطاحونة الثقيلة بمفرده، وكان يتبارى مع فتوات عصره فيهزمهم، كما أنه كان فارسا يجيد ركوب الخيل، وسباحا ماهرا، ألحقته أسرته بالتعليم في مدرسة الشوربجي بمدينة كفر الزيات محافظة الغربية، وتعلم فيها الإنجليزية التي كان يتحدثها بطلاقة، وهو الأمر الذي وظفته السيرة الشعبية.
وحين قتل أدهم نقلت الصحافة وقتئذ الخبر: مقتل الشقي أدهم عبدالحليم عبدالرحمن الشرقاوي، فقد كان في نظر السلطة وقتذاك شقياً ولصاً، والبعض يعتقد ذلك في الحقيقة، لكنه في نظر الآخرين وما قدمته به الرواية الشعبية، يعد بطلا امتلك القدرة على منازلة السلطة والاحتلال والضحك عليهما، ونجاحه ضدهما في كل الجولات، وصاغها الخيال الشعبي على هذا النحو.
وكان أدهم في الحقيقة قد دخل السجن بعد تصميمه على الأخذ بثأر عمه محمود الشرقاوي الذي تم قتله بإيعاز من إبراهيم باشا حافظ، الذي كان يمتلك عزبة مجاورة لأرض الشرقاوي، ولما علم إبراهيم باشا بنية أدهم في الأخذ بالثأر، دبر له محاولة قتل، اكتشفها أدهم، وقتل أحد الذين تم استئجارهم لقتله، ودخل السجن على أثر ذلك، حيث قابل عبد الرؤوف عيد قاتل عمه فيقتله ثأرا، ويستطيع الهرب، في عملية تؤكد قدراته الخارقة حيث يخلع بوابة زنزانة السجن في هدوء، ويقيد حارسه بالسلاسل، ويهرب مع زملائه في الزنزانة بعد معركة دامية مع البوليس سقط فيها ما يقرب من ثمانين قتيلا. وفي رحلة بحث السلطة عنه في كل مكان، تقع مغامرات عدة من أدهم، يتنكر مرة في شخص يتحدث بلغة أجنبية وكأنه خواجة، ومرة يرتدي ملابس سيدة، وأخرى يتنكر في شكل غير شكله، ويدور كل ذلك في مسار الشخص الذي يمتلك القدرات الخارقة التي لا يستطيع غيره فعلها، ولا تستطيع السلطات كشفها، ويقتل أدهم صهر وزير الأوقاف، فيطير عقل السلطات من هذا الفعل القادر، وتتواصل المغامرات، وتفشل السلطات في الإيقاع به بكل الوسائل المعروفة لديها، غير أنها تنجح في النهاية في الوصول إليه ويقتله البوليس، وإن كانت السيرة الشعبية قد ذكرت غير ذلك، حيث أكدت السيرة أنه تم قتل أدهم عن طريق الخيانة، بعد أن تمت استمالة أعز وأقرب أصدقائه وتم إغراؤه بالمال، فأرشد إليه وتمت محاصرته وقتله.
بين الحقيقة والخيال تأتي سيرة أدهم التي تحمل في سطورها معنى تحدي السلطة ومقاومتها، لا يهم في ذلك أن تكون هذه المقاومة من قطاع الطرق أو اللصوص، فهو يتسامح في ذلك طالما أن السلطة ظالمة ومتجبرة، ولا تقيم العدل لرعاياها، ووصلت درجة ارتقاء الخيال الشعبي بأدهم إلى أن السيرة لا تريد أن يكون مقتله قد تم من السلطة مباشرة، وإنما من أعز أصحابه في دلالة على فشلها معه.
حول هذا المضمون تناولت الأعمال الفنية هذه السيرة، بأشكال عدة، من بينها الغناء الملحمي كما قدمها المطرب الراحل محمد رشدي في الستينات، والتي ظلت تطلب منه في العديد من الحفلات التي كان يحييها حتى رحيله، حيث كانت من أنجح ما غنى، رغم غناء نفس السيرة بصوت العندليب عبد الحليم حافظ، والتي استخدمت كمدخل وللتعليق على أحداث الفيلم السينمائي الشهير الذي قدم بنفس الاسم أدهم الشرقاوي ولعب بطولته باقتدار الفنان الكبير الراحل عبد الله غيث، ولبنى عبدالعزيز، وشويكار، ومحمد رضا، وآخرون، كما قدم كمسلسل تلفزيوني باسم أدهم في مطلع الثمانينات وجسد شخصيته الفنان الكبير عزت العلايلي.
ويبدو أن هذه السيرة ستظل معينا لا ينضب، حيث تم التفكير فيها من جديد رغم مرور ما يقرب من قرنين من الزمان عليها، ومرور ما يقرب من نصف قرن على تقديمها في عمل فني، ليكتبها المؤلف محمد الغيطي في مسلسل جديد، بدأ تصويره في منطقة دهشور غرب القاهرة.
والمسلسل يعوّل عليه بطله الجديد الفنان الشاب محمد رجب، مجسدا شخصية أدهم، آمالا كبيرة في تأكيد نجوميته التلفزيونية بعد نجاحه في السينما، وتقديم البطولة المطلقة في أكثر من فيلم، كان آخرها المش مهندس حسن، ويعد المسلسل ليعرض في شهر رمضان المقبل.
يقول الكاتب محمد الغيطي: يتناول المسلسل كل عصر أدهم الشرقاوي من النواحي السياسية والتاريخية والشعبية والاجتماعية والاقتصادية، فهو يرصد حياة الطبقة الارستقراطية في خط موازٍ لرصد حياة الفلاحين والناس في الريف والقرى المصرية في هذا الوقت، كما يرصد ممارسات سلطة الاحتلال الإنجليزي والاستعمار مع نشاط الوطنيين، وفي الوقت نفسه يرصد العملاء والخونة الذين يمكن تواجدهم في كل عصر، مع كل احتلال أو استعمار، وأنه مثلما يوجد وطنيون شرفاء، يوجد أيضا خونة وعملاء.
ويضيف الغيطي: كما يرصد المسلسل لأول مرة في الدراما الحياة الخفية للرقيق وحريم القصور، بل تجارة الغلمان عبر الدول والتي كانت سائدة في ذلك العصر، وكذلك علاقة كبار الضباط الإنجليز والباشاوات بهذا العالم الخفي المثير، كما يسلط الضوء على حياة أدهم الشرقاوي وعلاقاته العائلية والصراع بين أعمامه، بين طيب وشرير.
ويقول الفنان محمد رجب بطل المسلسل: لا أبالغ عندما أقول إن هذا الدور كان أحد أهم أمنياتي كممثل، منذ أن شاهدت الفيلم السينمائي وأنا طفل، ولا أستطيع أن أصف سعادتي عندما عرض عليّ المسلسل لتقديم شخصية أدهم، وإن كنت أصبت بالرعب، ليس فقط لأنها شخصية ثرية دراميا وتحتاج إلى مجهود كبير، ولكن لارتباط الجمهور بهذه الشخصية، سواء من خلال السينما أو السيرة الشعبية التي غنت لها.
* ولكن أليست هذه مغامرة على اعتبار أن الشخصية قد قدمت بأكثر من شكل سابق، فما الذي حمسك لتقديمها مرة أخرى؟
لا شك أنها شخصية ثرية وتغري أي فنان بتقديمها، ولكن ما حمسني أنني وجدت أن السيناريو الذي كتبه محمد الغيطي فيه إضافات وخطوط جديدة لم تأتِ في الفيلم، فضلا عن أنه يتناول العديد من القضايا الأخرى التي لم يتم التطرق لها من قبل، مثل تجارة الرقيق، والعبيد، وعلاقة السلطة بالمستعمر، وقضية الوطن والخيانة، وخسارتنا بسبب العملاء على مدار التاريخ، وأن التاريخ دائما يكرر نفسه، مثلما حدث ودخل الإنجليز مصر بخيانة البعض للزعيم أحمد عرابي، وغيرها من حوادث الخيانة التي تتكرر حتى اليوم.
* لكن كيف وجدت شخصية أدهم وتعاملت معها دراميا؟
وجدته إنساناً بسيطاً وطبيعياً ينحاز لعمه الشهم الذي يحبه أهل القرية بينما يناصب العداء لعمه الآخر العمدة عميل الإنجليز والباشاوات، وتنقلب حياة أدهم رأسا على عقب بعد دخوله السجن.
وأعتقد أن المؤلف لم يترك كبيرة أو صغيرة من خلال العديد من التفاصيل الخاصة بالشخصية.
المخرج باسل الخطيب عبر عن سعادته بخوض تجربة ثانية في الدراما المصرية، مؤكدا أنه لم يكن في تخطيطه خوضها ولكن شخصية أدهم الشرقاوي لا تقاوم، خاصة أنها من الشخصيات التي حولتها السيرة الشعبية إلى أسطورة حقيقية، مؤكدا أن الشخصية وتاريخها وما قامت به ثرية جدا. ويعتقد باسل أن الصورة ستكون أحد أهم أبطال العمل، ولذا سيلعب عليها بشكل كبير وأساسي، وسيقدم المسلسل جانباً بصرياً غنياً وجديداً، سيتم فيه استخدام أحدث تقنيات الصورة بلغة فنية راقية، تليق بملحمة رمز من رموز المقاومة الشعبية في مصر.
وعن سبب اختياره للمطربة اللبنانية دوللي شاهين لتجسيد شخصية مهجة الفتاة الريفية، أكد باسل أن تميز دوللي بالحضور الشديد أمام الكاميرا الذي ظهر في الأدوار التي أدتها سواء في السينما أو في كليباتها، كان وراء اختياره لها، كما أنها تتقن اللهجة المصرية، وكل ما كانت تحتاجه هو أن تخضع للتدريب على اللهجة الريفية، ومثلها في ذلك مثل بقية فريق العمل الذي خضع لهذه التدريبات.
المسلسل يشارك فيه إلى جانب محمد رجب ودوللي شاهين، الفنانة الشابة نسرين إمام في أول بطولة مطلقة لها، وميار الغيطي ابنة المؤلف محمد الغيطي، وأحمد ماهر وجمال إسماعيل وغسان مطر وأحمد هارون، والعديد من الفنانين والفنانات، وأكثر من ثلاثمائة شخصية، يشاركون في صنع جزء من أحداث هذه الفترة التي تتناول مرحلة خطرة من حياة المصريين بين قرنين، ولذلك رصدت الشركة المنتجة ميزانية تقدر ب 18 مليون جنيه.