استكمالاً لحديث الوثائق الذي قدمته الخليج للرد على افتراءات برنامج شاهد على العصر، تقدم الخليج ثلاث شهادات ومعها رؤية تحليلية لواحد من كبار أساتذة تاريخ مصر المعاصر حول ما ردده جمال حماد في ذلك البرنامج، وهي شهادات لثلاثة من رجال ثورة يوليو الذين أدوا أدواراً مهمة في مسارها الوطني والقومي التحرري، أول شاهد هو السيد أحمد حمروش الرئيس الحالي لمنظمة التضامن الآسيوي الإفريقي وصاحب الموسوعة التاريخية التي أرخت لثورة يوليو في عدة مجلدات، ومسؤول تأمين الإسكندرية ليلة قيام الثورة.
والشاهد الثاني هو السيد محمد فائق الأمين العام السابق للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ووزير الإعلام والدولة للشؤون الخارجية الأسبق، والمسؤول الأول عن حركات التحرر الإفريقية منذ عام 1953 حتى عام 1970. أما الشاهد الثالث فهو اللواء سمير غانم أحد كبار رجالات المخابرات المصرية وقائد المقاومة في منطقة قناة السويس إضافة الى شهادة رابعة يقدمها المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي.
والخليج إذ تنشر هذه الشهادات وتلك الرؤية لا تهدف لجدل عقيم حول شمس يسطع ضوؤها إنما هي تنحاز لشعارها الذي رفعته منذ صدورها والتزمت به وهو للحقيقة دون زيف، وللواقع دون خوف فكان لابد إذاً أن تصل المعلومة الصحيحة للقارئ.
قال المؤرخ الكبير وأستاذ التاريخ المعاصر د.عاصم الدسوقي إن الرواية الشفاهية في كتابة التاريخ تظل رواية وليست وثيقة يعتد بها، وهو ما يعني أنها تخضع لمنهج نقد النص أي بتفكيكه وإعادته لحالته الأولى، ودراسة الظروف التي كانت قائمة لكشف مدى تأثيرها في هذه الرواية.
وقال د.الدسوقي إن أبرز ملامح الرواية الشفاهية هو أن صاحبها لا يتحدث دائما عن نفسه، وإنما يحاول النيل من الآخرين من دون أن يقيم ذاته، مشيراً إلى أن اللواء جمال حماد في شهادته التي قدمها على عصر الثورة لم يتبع الشروط العلمية والمنهجية للشهادات، ومن ثم فقد خرجت في النهاية مجرد رواية ذاتية. مضيفاً: ربما كان ذلك نتيجة إحباطاته، حيث كان معروفا عنه أنه أحد رجال اللواء محمد نجيب، وأنه ارتكب انحرافات من نوعية إساءة استخدام السلطة وغيرها من الانحرافات التي كانت تستوجب محاكمته. وإلى نص الحوار:
ما الشروط العلمية والمنهجية التي يجب توافرها للتعامل مع المصادر الحية والروايات الشفاهية في كتابة التاريخ؟
الرواية الشفاهية في كتابة التاريخ تظل رواية وليست وثيقة يعتد بها، كما تظل رواية يرويها صاحبها وتخضع لمنهج نقد النص، أي تفكيك النص وإعادته لحالته الأولى، وبالتالي لابد من دراسة الظروف التي كانت قائمة وتؤثر في هذه الرواية حتى يمكن فهم طبيعتها.
والرواية الشفاهية التي يذكرها صاحبها دائما هي جزء من مذكراته الشخصية عيبها الرئيسي أن صاحبها لا يتحدث عن نفسه لكنه يتحدث عن الآخرين، ومن ثم يحاول النيل منهم من دون أن يقيّم نفسه ولا يقول مثلا إنه أخطأ أو تسرّع أو اندفع أو جانبه الصواب أو لم يكن مدركا لأبعاد أشياء كثيرة، لذا فإن حديثه ينصب دائما على الآخرين ويصورهم على أنهم لا يفهمون.
وللأسف معظم المذكرات في الأصل هي روايات شفاهية، لكن بعض المذكرات قد تكتسب الصدقية خاصة إذا ما كان صاحبها كتبها بغير قصد النشر، ونموذج ذلك مذكرات سعد زغلول ومحمد فريد، حيث كان سعد زغلول يدون مذكراته على شكل يوميات وفق حجم الحادث، فكان يكتب كل شيء ويعترف على نفسه، حتى إنه قال إنه كان ضد شقيقه الذي كان يوشي به عند الملك وإن داء القمار قد تمكن منه، وإنه كان يشرب الخمر.
والرواية أي رواية لابد أن يتم التعامل معها على أساس منهج نقد النص وفق الظروف المحيطة بالرواية، ومن هو كاتبها من حيث وضعه الاجتماعي وانتمائه السياسي لاستبيان مدى التأثر في كتابتها خاصة أن هناك روايات تنشر اعتمادا على قاعدة الولاء لدافع الأجر أو لإرضاء السلطة، وبذلك يمكن القول إن صاحب الرواية إذا كان كذوبا لا يمكن الاعتداد به.
انحرافات حماد
في رأيكم هل اتبع اللواء جمال حماد في شهاداته حول ثورة 23 يوليو/تموز 1952 تلك الشروط؟
إطلاقا، لأنه روى في النهاية رواية ذاتية نتيجة إحباطاته حيث كان معروفا عنه أنه كان ياور اللواء محمد نجيب، سكرتيره الخاص، وكان أيضا ضمن مجموعة نجيب في أزمة مارس 1954 المعروفة، وعندما تم إعفاء اللواء نجيب من رئاسة مجلس قيادة الثورة في 14 نوفمبر عام 1954 تقلصت المكانة التي كان يتمتع بها حماد من خلال وجوده في معية اللواء نجيب، ومع ذلك لم يتخل عنه عبدالناصر، وإنما تولى وظائف كثيرة محافظا لكفر الشيخ عام 1965 في وزارة زكريا محيي الدين، لكنه ارتكب انحرافات في تلك الفترة من نوعية إساءة استخدام السلطة والتعسف في استخدام المسؤولية، وعندما أدرك حماد أن عبدالناصر أصبح على علم بمثل هذه الانحرافات أرسل إلى عبدالناصر التماسا من ست صفحات يستعطفه ويؤكد له أنه جندي من جنوده، وأنا أسأل حماد: لماذا أرسلت مثل هذا الخطاب؟ ولعلي أجيب: لشعوره بأنه ارتكب مثل هذا الجرم ويريد الاستعطاف.
لقد غلب على حماد في شهاداته الحقد الأعمى على هذه الفترة، ولما جاءته الفرصة لكي ينتقم راح يبث سمومه رغم أن المخالفات التي ارتكبها كانت تستوجب محاكمته وسجنه، لكنها فضيلة جمال عبدالناصر، فكل الذين اختلفوا معه لم ينكل بهم، بل إن كثيرين منهم شغلوا مناصب مرموقة بالدولة وخالد محيي الدين الذي اختلف مع عبدالناصر عين سفيرا في سويسرا.
كثيرون ينظرون إلى أزمة مارس باعتبارها واحدة من أخطاء عبدالناصر فما تعليقكم؟
أزمة مارس لخصها الراحل حسين الشافعي في مقولة بسيطة وهي: إن الذين صنعوا الثورة تخلصوا من الذين صنعتهم الثورة، وهذا تعبير دقيق جدا، وهنا أود أن أقول إن الصاغ أحمد عبدالله طعيمة وهو من الذين اختلفوا مع عبدالناصر وكان عضوا أساسيا في هيئة التحرير قال في مذكراته: إن مظاهرات مارس كانت مدبرة بين محمد نجيب وعمال النقل بهدف عودة الجيش للثكنات وإن يوسف صديق كان شريكا في هذه المؤامرة من خلال اتفاقه مع الصاوي والمحمدي بالتظاهر ضد الثورة والمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته، بل إن محمد نجيب منح الاثنين أموالا للقيام بهذه المؤامرة، وقال طعيمة في مذكراته إنه كان يعمل في ذلك الوقت مسؤولا عن العمال بهيئة التحرير، وقد أبلغ طعيمة عبدالناصر بأمر تدبير المظاهرات، فطلب منه الرئيس أن يأتي له بالصاوي والمحمدي وقد اعترف الاثنان لعبدالناصر بالواقعة فطلب منهما تغيير شكل المظاهرة من ضد إلى تأييد، وقد حدث ذلك، وبالفعل اعترف خالد محيي الدين بذلك وأشاد بمناورة عبدالناصر في إحدى شهاداته.
وللعلم طعيمة كانت له انتماءات إخوانية لكنه قال في شهادات أخرى وهو يبكي إن عبدالناصر كان أشرف من الشرف، بل الشرف يشرف به وهذا خصم شريف، بينما الذين يهاجمون عبدالناصر الآن من شاكلة حماد ليسوا كذلك وكلامهم في حقيقته هو حديث العجزة ويكشف عن ضعف في إظهار الحجة.
ما شروط كتابة التاريخ؟
هناك قواعد لكتابة التاريخ أهمها جمع المعلومات من المصادر، ومنها أرشيف الدولة الوثائق بالإضافة إلى التشريعات الصادرة في الفترة المراد كتابة تاريخها، وكل ما يتعلق بنشاط الدولة في الموضوع المراد الكتابة فيه بالإضافة إلى نوع آخر من المصادر مثل الأشخاص المعاصرين وكذلك المذكرات التي تكتب وتظهر خلال الأحداث، قبل أن يتم تحليل كل هذه العناصر وتفسيرها ليس بهدف محاكمة الأشخاص ولكن لإجلاء الحقيقة.
وفق هذه الشروط هل يمكن اعتبار جمال حماد مؤرخاً للثورة؟
إطلاقا، فالمؤرخ الأول لثورة 23 يوليو/تموز 1952 هو عبدالرحمن الرافعي الذي كان يعد امتداداً للجبرتي، وقيمته أنه جمع كل الوقائع وتركها للباحث، وأصدر قبل وفاته في عام 1965 كتابين مقدمات ثورة يوليو مصر في ظل ثورة يوليو 52 1959 وسجل في الكتابين كافة الأحداث وكافة القرارات الصادرة.
السادات وخصوم ناصر
وفي رأيكم ما الخلفيات التي بنى عليها اللواء حماد هجومه على الثورة التي شارك في صناعتها؟ وما حقيقة المخالفات التي ارتكبها؟ وما قصة الالتماس الذي تقدم به إلى الرئيس عبدالناصر؟
كل الخلفيات تقول إنه تم تغييره في حركة المحافظين، وعندما تولى السادات السلطة خلفاً للرئيس عبدالناصر، أراد السادات أن يبرر كل توجهاته المستقبلية فأتى بعدد من الذين اختلفوا مع عبدالناصر من بينهم الفريق أحمد إسماعيل الذي عزله عبدالناصر نتيجة أخطاء في حرب يونيو 1967 وكذلك أنيس منصور الذي فصل من رئاسة تحرير مجلة الجيل الجديد، لكنه ظل يعمل كاتباً ويمارس عمله الصحافي، وكذلك أثرياء الأسر التي أضيرت من الإصلاح الزراعي مثل عائلة أباظة وممثلهم ثروت أباظة وهؤلاء أسندت إليهم مهمة مهاجمة جمال عبدالناصر في إطار حملة منظمة تستهدف تقديم صورة مختلفة للسادات عن عبدالناصر، وقد نجح السادات في استقطاب كل من كان له تحفظ على جمال عبدالناصر وكل من أضير من قرارات الثورة وسياساتها بدرجة أو أخرى، حتى إن جواز مرور البعض إلى مقدمة الصفوف في الحكم خلال فترة حكم السادات كان الهجوم على عبدالناصر، وقد التقط السادات جمال حماد ضمن هذه المجموعة التي شنت الهجوم على شخص عبدالناصر وعلى الثورة، وتفسيري لما قام به حماد وما يقوم به هو أنه ينتقم لتغييره ضمن حركة المحافظين بعد أن أساء استخدام السلطة، وحصل على ما ليس من حقه. وقد أرسلت وقتها شكاوى عديدة إلى الرئيس عبدالناصر الذي كان قارئاً جيداً للشكاوى، وقد قرأ ما أرسل إليه وكتب عليه ملاحظاته، وعندما أدرك حماد أن الرئاسة ستتحرك أرسل التماسا إلى عبدالناصر كان مليئا بالاستعطاف والرحمة (نشرت الخليج الوثيقة في 15/2/2009).
قيادة الثورة
من ضمن ما قاله حماد عن عبدالناصر أنه كان يخطط للانفراد بالسلطة منذ اليوم الأول للثورة؟
قائد الثورة الفعلي هو جمال عبدالناصر وليس محمد نجيب وبالتالي من حق عبدالناصر أن يقود تنفيذ الأهداف التي كان قد رسمها هو للثورة التي اختمرت في عقله منذ حصار الفالوجا في أكتوبر ،1948 وقد بدأ وقتها في تشكيل تنظيم الضباط الأحرار في أواخر عام 1949 وتولى رئاسة التنظيم في يناير 1950 وقد كان التنظيم عنقوديا بحيث لا تعرف مجموعة المجموعة الأخرى، وقد وضع عبدالناصر لكل مجموعة رئيسا لذا فقد كان هو الشخص الوحيد الذي يعرف كل أعضاء التنظيم، أليس من حق هذا الرجل أن يتولى قيادة الثورة؟
أما حقيقة رئاسة نجيب للضباط الأحرار، فقد ذهب عبدالناصر وعامر إليه وطلبا منه أن يخوض انتخابات رئاسة مجلس إدارة نادي الضباط في أواخر عام 1951 وهنا لابد أن أشير إلى أن عبدالناصر أراد من ذلك اختبار قدرة التنظيم، وبالفعل خاض اللواء نجيب الانتخابات وفاز أمام حسين سري عامر رجل الملك آنذاك ولم يكن عبدالناصر قد أفصح وقتها للواء نجيب عن أمر التنظيم.
في ذلك الحين بدأت منشورات الضباط الأحرار تنتشر في الجيش وتصل إلى منازل الضباط والسياسيين، وقد ربطت أجهزة الأمن بين المنشورات المذيلة بتوقيع الضباط الأحرار وبين نتائج انتخابات نادي الضباط، وأدرك الملك أن هؤلاء الضباط هم الذين يقفون وراء خسارة مرشحه، فتم حل مجلس الإدارة في 17 يوليو ،1952 ووفق رواية هيكل أنه ذهب إلى محمد نجيب كصحافي يستطلع ماذا يمكن أن يفعل نجيب أمام قرار الحل، لكنه وهو جالس دخل عليهما عبدالناصر وعامر، فأشار لهما نجيب بأن يجلسا وبعد أن انتهت المقابلة انتظر هيكل عبدالناصر وعامر أسفل البناية، وقال هيكل إنه أخذ الاثنين وأوصلهما إلى بيتيهما وأدرك حينها أن موعد الثورة قد تحدد.
وأستطيع أن أقول هنا إن عبدالناصر وعامر أبلغا نجيب بحقيقة الأمر وهو أنهما قادة التنظيم (الضباط الأحرار) وأن هذا التنظيم كان وراء فوزه في الانتخابات وأن الملك قد كشف التنظيم. وقد اتخذ عبدالناصر القرار وهو في منزل نجيب بأن تقوم الثورة ليلة 22 يوليو/تموز ،1952 أليس كل ذلك تراكمات تدفع لأن يأتي عبدالناصر في مقدمة المشهد ويقود الثورة؟
وما الأسباب الحقيقية وراء قرار عزل نجيب بعد الثورة؟
بعد أن قامت الثورة جاء عبدالناصر بمحمد نجيب لرئاسة المجلس رغم أن الأخير لم يكن صانعا للثورة ولم يضع لها خططا، وقد بدأ الخلاف بين مجلس قيادة الثورة ومحمد نجيب بفعل استقطاب القوى السياسية لمحمد نجيب وحثه على الانفراد بالقرار من دون الرجوع إلى مجلس قيادة الثورة، وهنا استشعر أعضاء المجلس خطورة الموقف خاصة عندما بدأ نجيب يكسب ود القوى السياسية التي حكمت البلاد مع الملك وأدت سياستها إلى انتشار الفساد والمحسوبية والفقر والجهل في البلاد، وقد بدأت تتأزم الأمور داخل مجلس قيادة الثورة بين نجيب من جهة وباقي أعضاء المجلس من جهة أخرى خاصة عندما وجدوا نجيب يردد ما تطالب به الأحزاب السياسية بأن تتولى هي قيادة البلاد وأن يعود الجيش إلى ثكناته، وهو أمر غاية في الغرابة إذ كيف يمكن أن يسلم الحكم لأحزاب فشلت وتسببت وعاشت في خدمة الملك والإنجليز، وقد استشعر عبدالناصر حجم الخطر الذي يمكن أن تقع فيه الثورة، خاصة بعد أن استغلت الأحزاب قرارها بإلغاء الدستور في ديسمبر 1952 وراحت توقع بين نجيب وعبدالناصر، علما بأن إلغاء الدستور أمر معروف في كل ثورات العالم.
لكن البعض اعتبر إلغاء الدستور خطأ وقعت فيه الثورة؟
لا يمكن أبدا احتسابه خطأ، فإذا لم يلغ الدستور، فلماذا إذن قامت الثورة؟ لقد قامت الثورة ضد حكم فاسد كان يحكمه الدستور لذا فقد كان الأمر الطبيعي هو أن يلغى هذا الدستور ودروس التاريخ تؤكد ذلك، فالثورة الأمريكية التي قامت ضد المستعمرات والإدارة البريطانية وأعلنت استقلال المستوطنات، صدر دستور لها عام ،1781 والسؤال هنا: كيف يمكن أن أقوم بثورة وأبقي على دستور يؤكد أن الملك يملك ويحكم؟ فكيف يمكن للثورة أن تطيح الملك في ظل بقاء الدستور؟
الإخوان والثورة
هل كان لجماعة الإخوان المسلمين دور في قيام الثورة؟
قال انتوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا في مذكراته إن بريطانيا كانت تعتمد على الإخوان المسلمين في إحداث الاضطرابات في مصر أثناء المفاوضات بشأن الجلاء التي بدأت في مارس/ آذار 1953 حتى يوليو/ تموز ،1954 حتى تنهي بريطانيا التفاوض وتبقي الأمر على ما هو عليه. وقد حصلت مؤامرة إخوانية في سلاح المدفعية بقيادة الضابط حسن الدمنهوري وتم كشفها والقضاء عليها. وما يحسب للثورة أنها ألغت الأحزاب وأبقت على استمرار جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها ليست حزبا سياسيا.
البعض فسر بقاء جماعة الإخوان المسلمين إلى رغبة عبدالناصر في عدم حلها بوصفه كان واحدا من الذين انتموا إليها يوما ما؟
ليس صحيحا أن يكون دافع الثورة في عدم حل الجماعة هو رغبة عبدالناصر في ذلك لأنه منذ أن قام بتأسيس الضباط الأحرار، وقد وضع عبدالناصر عند تأسيسه للتنظيم شروطا من أهمها أن يخلع الراغب في العضوية أي رداء حزبي أو ديني أو سياسي، بمعنى ألا يكون العضو أسير تنظيمه السابق لتنظيم الضباط الأحرار، وقد نجح عبدالناصر من خلال منشورات التنظيم أن يعبر عن مختلف ألوان الطيف السياسي للأحزاب وللجماعة التي كانت تنادي وقتها بالاستقلال التام والعدالة ومحاربة الجهل والمرض.
وقد تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من استقطاب محمد نجيب وتجلى ذلك في أزمة يناير/ كانون الثاني 1954 وفي مظاهرات الجامعة التي تزعمتها قيادات الإخوان وأحد عناصر مجاهدي خلق الإيرانية وكانت سبباً في قرار حل الجماعة.
هذه المظاهرات التي ذهبت إلى قصر عابدين وشهدت مشهدا غاية في الغرابة عندما وقف عبد القادر عودة بجوار محمد نجيب في شرفة القصر، في مشهد بالغ الدلالة.
وماذا فعل عبدالناصر إزاء هذا الموقف؟
في اليوم الثاني للمظاهرات ذهب محمد نجيب إلى السودان لحضور توقيع دستورها الجديد فقرر عبدالناصر بوصفه رئيسا للوزراء في ذلك الحين مع مجلس قيادة الثورة حل الجماعة، وعندما عاد نجيب إلى مصر وفي أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة وجد نفسه محاصرا بعدد من الأخطاء التي ارتكبها في الفترة الماضية، وقد اتفق خلال هذا الاجتماع ألا يقوم نجيب بالإدلاء بأي تصريحات أو اتخاذ أي قرارات من دون الرجوع إلى مجلس قيادة الثورة حتى لا يحدث مزيدا من عمليات الاستقطاب والخلاف الذي بدأ، وهو ما أدى إلى شعور نجيب بأن المجلس بدأ يضيق به فأسرع بتقديم استقالته في 25 فبراير 1954 ولم يعلن عنها على الإطلاق إلا في يوم 28 فبراير ،1954 وللعلم لم يعلم أحد ماذا حدث في الأيام الثلاثة أو بقصة الاستقالة إلا عندما أعلن مجلس قيادة الثورة أن الرئيس عاد ليمارس سلطاته وأنه تراجع عن استقالته التي قدمها، وبعد مداولات بين نجيب والمجلس أعلن في 5 مارس/ آذار عن فترة انتقالية لمدة ثلاثة شهور يعود بعدها الجيش لثكناته. وقد لعب عبدالناصر دورا مهما أولا في احتواء غضب نجيب، وثانيا ظهور المجلس بمظهر التوحد وعدم التفكك.
يقول اللواء حماد، إن عبدالناصر كان متسلطا ولا يرغب في عودة الديمقراطية وأن تمسكه بها في بدايات الثورة كان نوعا من التمثيل لأنه لم يكن يشعر بقدر السلطة والسلطان، فما رأيكم في هذا القول؟
هذا تفسير عقيم، لأن من قال مثل هذا الكلام يعتقد في قرارة نفسه أن العمل السياسي عمل مزاجي، والقضية أن مصر ليست بدعة خارج الشعوب وثورة يوليو ليست بدعة خارج الشعوب، وثورة يوليو ليست بدعة خارج الكرة الأرضية، وباستعراض تاريخ الثورات في العالم نجد أنها ظلت فترة طويلة حتى تمكنت من الاستيلاء على السلطة تماما، فمثلا محمد علي كان والياً عام ،1805 وكان السلطان العثماني ضده ويحاربه الإنجليز لأنهم كانوا يريدون محمد الألفي بك المملوكي، وقد شعر محمد علي بأنه استولى على عرش السلطان بعد أن تخلص من ثلاث عقبات: الأولى الإنجليز تم دحرهم عام ،1807 والثانية خلع عمر مكرم الذي كان يفرض رقابة عليه عام ،1809 وفي عام 1811 تخلص من المماليك ومن هنا بدأ محمد علي يشعر بأنه فعلا أصبح واليا، فهل كان معقولا لثورة يوليو 1952 أن تفتح ذراعيها للأحزاب فور قيامها ليعود مجتمع الباشاوات والصفوة مرة أخرى؟
الثورة والديمقراطية
لكن الثورة كان من ضمن أهدافها تحقيق ديمقراطية سليمة؟
معنى ذلك أنه كانت هناك ديمقراطية غير سليمة، فالديمقراطية التي كانت قائمة بعد دستور 1923 لم تأت إلا بملاك الأراضي الزراعية الكبار، وكذلك كبار الباشاوات وقد ظل الحكم منذ 1923 حتى الثورة في يد كبار الملاك، ولا وجود لطبقة وسطى، ولم يكن للإخوان ولا للشيوعيين أي منفذ من منافذ الوصول للحكم، والديمقراطية السليمة التي استهدفتها الثورة هي تمثيل الفئات التي تم تهميشها قبل ثورة 23 يوليو ليرسخ المعنى الحقيقي للديمقراطية، وهي حكم أصحاب المصلحة وهم الطبقة الوسطى المكونة من تحالف قوى الشعب بما فيها الرأسمالية غير المستغلة أي الخاضعة لقوانين الدولة، هذه هي الديمقراطية الحقيقية أو السليمة، وهنا لابد أن أسأل: هل الديمقراطية التي يريدونها لا تعتبر ديمقراطية إلا إذا جاء مصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين وغيرهما وإلا فلا؟
برأيكم لماذا تجاوزت ثورة 23 يوليو/تموز حدود مصر الجغرافية؟
هذه النقطة مهمة لأنها دائما ما تثير الجدل من دون دراسة للظروف الموضوعية، ولفهم ذلك لابد أن أرجع إلى الثورة الفرنسية، التي قامت في 14 يوليو/تموز عام 1789 وقد كانت أول ثورة في أوروبا تعلن الجمهورية وسط دول يحكمها ملوك، كل هذه الدول تكاتفت للقضاء عليها حتى لا تنتقل هذه الثورة إلى تلك البلاد، وكانت الثورة الفرنسية تسعى لما يعرف الآن بفكرة تصدير الثورة لتأمين نفسها، والمعروف أنها انهزمت عام 1814 وعادت الملكية لفرنسا مرة ثانية، ثم عادت الجمهورية مجددا.
وثورة يوليو كانت نقطة جديدة وسط محيط كبير، فسعت لمساعدة حركات التحرر في الدول المجاورة وانضمت إلى حركة الحياد الإيجابي وذلك ليس فقط لتأمين الثورة في مصر ولكن لإيمان قائدها العسكري بأهمية تحرير الأوطان من الاستعمار وثورة 23 يوليو/تموز لا تقل شأناً ووزناً عن الثورة الروسية أو الفرنسية وكان عبدالناصر يؤمن إيماناً حاسماً بشأن التوجه القومي وبأهمية الوحدة العربية التي لم تكن ممكنة في ظل الاحتلال الأجنبي للبلدان العربية، وهو ما انعكس أيضا في إيمانه بالبعد الإفريقي.
لماذا يؤرق عبدالناصر خصومه حتى الآن على الرغم من وفاته؟
لأنه لم يمكنهم من فرض اختياراتهم الذاتية، بل كان أكثر وعيا منهم، ويكفي أنه قد تركهم إلى حال سبيلهم، ونصر له أنه لم يمكنهم من تنفيذ أهدافهم المتمثلة في الإبقاء على حكم الإقطاع والرأسمالية، كما يؤرقهم وأنهم فشلوا في إنهاء صورة عبدالناصر الزعيم الثوري الكبير، وأذكر هنا ما قاله السادات لهنري كيسنجر في نوفمبر 1973 في اجتماع مغلق: أنا أريد أن أتخلص من ميراث عبدالناصر في المنطقة، وهو ما كشفه كيسنجر فيما بعد للصحافي ريتشارد كالب، وقد وعد كيسنجر السادات بمساندته في ذلك، لكن أكثر ما يؤرق خصوم عبدالناصر الآن هو أن الناس مازالت ترفع صوره وتتذكر مواقفه رغم رحيله منذ 39 عاماً.