استعرضت ندوة الآثار الاجتماعية للتنمية الاقتصادية في دولة الإمارات، التي نظمها مجلس دبي الاقتصادي وتختتم أعمالها اليوم في فندق ذي أدرس دبي، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد ودائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، ومركز دبي للإحصاء، ومركز أبوظبي للإحصاء، أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسات التحليلية حول مسح إنفاق ودخل الأسرة 2007 ،2008 الذي أطلقته وزارة الاقتصاد والذي أعلنت نتائجه فبراير/ شباط الماضي، وذلك بحضور جمعة الماجد رئيس مجلس دبي الاقتصادي وهاني الهاملي أمين عام المجلس، وعدد من أعضاء المجلس الذين يمثلون مختلف الفعاليات الاقتصادية وممثلي الوزارات والدوائر المحلية في الدولة .

وأكدت الندوة خلال توصيات يومها الأول ضرورة الاستفادة من نتائج المسح والعمل على الخروج بتوصيات عملية تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين والوافدين باعتبارهم قدموا للعمل والمساهمة في تنمية الإمارات وليس لجلب الأموال فقط .

وأشارت الندوة إلى ضرورة العمل على رصد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية ذات العلاقة بموضوع الندوة وتحويلها إلى قرارات ترى النور بهدف تعزيز مسيرة التنمية الشاملة في الدولة وتحقيق أهدافها السامية، وسبل دعم الفئات منخفضة الدخل .

وفي كلمته الافتتاحية للندوة، أشار جمعة الماجد إلى أن القيادة الرشيدة لدولة الإمارات قد أولت اهتماماً كبيراً بالإنسان بوصفه غاية التنمية وهدفها، ووضعته في قمة أولويات التنمية الشاملة، التي انتهجتها منذ قيام الدولة، حيث حرصت الدولة على الحفاظ على كرامة الإنسان والعمل الدؤوب وزيادة رفاهيته وتقدمه .

استشهد الماجد بكلمات للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حينما قال: المواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض، مشيراً إلى أن هذه الرؤية قد انعكست بوضوح على جميع مناحي الحياة من خلال تشريع القوانين والسياسات ونظم العمل التي كفلت حرية الإنسان وعيشه الكريم ويحفظ حقوقه، وبما يدعم مسيرة التنمية ويرفع مستوى الحياة في مختلف صورها .

وأضاف الماجد، أن هذه الندوة جاءت لتسلط الضوء على زوايا مهمة في مسيرة الدولة، فبالرغم من التطور الاقتصادي السريع الذي شهدته الدولة في مختلف القطاعات والتي حولتها إلى مركز للمال والأعمال على المستويين الإقليمي والعالمي، والتي قادت العديد من أبناء الدولة لتحقيق نجاحات هامة في مجالات التجارة والصناعة والخدمات، إلا أن البعض من أبناء الدولة لم يتمكنوا، لأسباب عدة، من الاستفادة الكاملة من هذه الطفرة .

وأشار إلى حرص مجلس دبي الاقتصادي على جمع صناع القرار في الدولة مع الخبراء في شؤون التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر هذه الندوة، بهدف دراسة قضايا اقتصادية واجتماعية هامة تلامس المجتمع الإماراتي، من قبيل موضوع الفقر، والتفاوت في توزيع الدخل، والفجوة بين أصحاب الدخول المختلفة، والعائد على التعليم، إضافة إلى تقييم السياسات التي تتبعها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية للتصدي لتلك الآثار الاجتماعية المترتبة على عملية التنمية الاقتصادية في دولة الإمارات .

واختتم كلمته بضرورة ترجمة ما سيتم طرحه من دراسات وتحليلات ومناقشات وتوصيات حول الظواهر الاقتصادية والاجتماعية ذات العلاقة بموضوع الندوة إلى قرارات ترى النور بهدف تعزيز مسيرة التنمية الشاملة في الدولة وتحقيق أهدافها السامية .

وعلى هامش الندوة، قال هاني راشد الهاملي أمين عام المجلس: أن الإمارات شهدت خلال السنوات القليلة الماضية معدلات نمو اقتصادي غير مسبوقة، ارتفع وفقها متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي إلى واحدة من أعلى المستويات العالمية، إلا أن هذا النمو المتسارع قد صاحبه ارتفاع في معدلات التضخم، وتفاوت في فرص الاستفادة من هذا الازدهار الاقتصادي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى مواكبة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحكومية لهذه الظواهر الطارئة في خضم عملية التنمية الاقتصادية، وهو ما تصبو إليه الندوة للإجابة عن هذه التساؤلات من أجل اقتراحات السياسات الكفيلة باستدامة الاستقرار الاجتماعي ورفع معدلات الرفاة في المجتمع .

وأكدت دراسة الفقر في دولة الإمارات العربية المتحدة: الظاهرة، والأسباب، وطرق العلاج، التي أعدها الدكتور عبد الرزاق فارس الفارس كبير الاقتصاديين والمدير التنفيذي لمعهد دبي لأبحاث السياسات الاقتصادية بمجلس دبي الاقتصادي، والدكتورة روزاليا الفاريز أن الدراسة اعتمدت على تحليل بيانات مسح دخل وانفاق الأسرة الذى جرى لأول مرة على مستوى دولة الإمارات خلال عامي 2007 ،2008 وذلك بهدف إثارة الحوار وليس فرض النتائج المسبقة، واقتراح منهجيات وليس الالتزام بقوالب جامدة، والبحث عن الحقائق بدون قيود أو شروط مسبقة، إضافة إلى تحديد خطوط الفقر في الدولة وتحديد حجم ظاهرة الفقر بين المواطنين وغير المواطنين في إمارات الدولة، وتحديد المؤشرات الأخرى للفقر، والتي تترتب عليها سياسات محددة مثل فجوة الفقر وشدة الفقر، إضافة إلى محاولة تقييم مدى جدوى السياسات الحكومية الاجتماعية على المستويين الاتحادي والمحلي والتي تستهدف تخفيف ظاهرة الفقر وتقليص فجوة التباين في توزيع الدخل .

وأشار الفارس إلى أهم التحديات التي تواجهها دراسات الفقر هي تحديد الحد الأدنى من الرفاه الذي يعتبر النزول عنه دخولاً في دائرة الفقر، حيث قدرت الدراسة ثلاثة خطوط للفقر المطلق، هي لجملة السكان، وللمواطنين، وللوافدين، وتقدير خطوط أخرى للفقر مثل مؤشر عدد الرؤوس (نسبة الفقراء من السكان)، ومؤشر فجوة الفقر (مقدار العجز المجمع للفقراء نسبة إلى خط الفقر)، ومؤشر حدة الفقر (فجوة الفقر للأفراد تحت خط الفقر) .

وذكر الفارس أن خطوط الفقر المطلق المقدرة هي 29،576 درهم في السنة لجميع السكان في الإمارات، و 44،893 درهم في السنة للمواطنين، و24،320 درهم في السنة لغير المواطنين، موضحاً أنه إذا كان الدخل أقل من القيم المبينة، فإن الفرد يكون في دائرة الفقر .

ووفقاً لهذه الخطوط فإن حوالي 9 .16 % من سكان الإمارات هم فقراء مع تباين بين المواطنين وغير المواطنين (2 .7 % من المواطنين و 9 .13 % من غير المواطنين)، وحسب فجوة الفقر، فإن ظاهرة الفقر في الإمارات ليست عميقة وأن متوسط دخل الفقراء المواطنين يشكل نحو 1 .98 % من خط الفقر، وهذا يعني أن الفقير المواطن يحتاج إلى حوالي 2% من متوسط دخله ليخرج من حالة الفقر، أما الوافد فيحتاج إلى حوالي 5% .

واستعرضت الدراسة قضايا الفقر على مستوى إمارة دبي في ضوء تباين الموارد والرقعة والموقع الجغرافي والسكان والموارد البترولية، حيث بلغ متوسط دخل الفرد المواطن 144،481 درهم سنوياً على مستوى الدولة ككل، وتراوح متوسط دخل المواطن بين حد أعلى، بلغ 192،544 درهم وحد أدنى بلغ 92،784 درهم في الفجيرة .

أما تقدير خط الفقر المطلق على أساس حزمة استهلاك، أوضحت الورقة أن خط الفقر للمواطنين هو 44،893 درهم في السنة على أساس متوسط تكلفة المعيشة للأفراد الذين يزيد حجم إنفاقهم على 90% من الدخل، مشيراً إلى أنه وعلى أساس هذا المؤشر، لا يوجد أفراد تحت هذا الخط في إمارتي عجمان وأم القيوين .

وأوضح الفارس أن خط الفقر المطلق للمواطنين في دبي هو أعلى من خط الفقر للدولة ككل حيث يقدر بنحو 74،920 درهم في السنة، وعزا السبب في ذلك إلى ارتفاع تكاليف المعيشة في الإمارة .

واختتم الفارس ورقته ببعض الاستنتاجات، أهمها أن الإمارات تتبنى سياسات متعددة لتحقيق الرفاه الاجتماعي وإعادة توزيع الدخل وتخفيف وطأة الفقر على الفئات الضعيفة في المجتمع، حيث هنالك نحو 1 .27 % من المواطنين يتلقون مساعدات أو دعم مباشر من الحكومة الاتحادية أو الحكومة المحلية، ويقل دخل هذه الفئة من المواطنين عن متوسط دخل المواطنين ككل بنحو 5 .7 % فقط، وعن دخل الفئات التي لا تتلقى مساعدات حوالي 2 .10 % . كما أن التحويلات الحكومية تشكل نسبة قليلة من دخل الأسر الفقيرة، أقل من السدس، وهو عكس الانطباع السائد بأن المساعدات الحكومية المباشرة تشكل أهمية كبيرة في حياة بعض المواطنين، وكشفت البيانات المتاحة من المسح أن دبي هي الأكثر مساعدة لمواطنيها، حيث يشكل مواطنو الإمارة الذين يتلقون مساعدات أو دعماً حكومياً حوالي 7 .43% من جملة المواطنين الذين يتلقون مثل هذه المساعدات على مستوى الدولة، تليها في ذلك الشارقة، وأن جزءاً مهماً من الفقر في الدولة، وخاصة بين المواطنين، يتركز في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى التي تتوفر فيها فرص اقتصادية بما فيها فرص العمل، وهذه لا يمكن معالجته إلا بسياسة تخطيط حضري تأخذ في الاعتبار توزيع مشروعات التنمية على مختلف المناطق لخلق فرص التوظيف وللحد من ظاهرة الهجرة الداخلية .

من جانبه أوضح الدكتور علي عبد القادر علي، وكيل المعهد العربي للتخطيط بالكويت، في دراسته تحت عنوان توزيع الدخل والإنفاق في دولة الإمارات: نتائج أولية أن البنك الدولي يصنف الإمارات على أنها من الدول ذات الدخل المرتفع، وبأنها تنتمي لمجموعة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة .

وطبقاً لمؤشرات توزيع الدخل والإنفاق، كشف د .علي النقاب عن نتائج هامة، مثل عدم مساواة مرتفع سواء في توزيع الدخل أوالإنفاق بين المواطنين أو الوافدين أو على مستوى الدولة، وكذلك تفاوت درجة عدم المساوة في توزيع الدخل فيما بين الإمارات تراوحت بين درجة عدم مساواة مرتفعة للغاية في الفجيرة ورأس الخيمة وأم القيوين ودرجة عدم مساوة مرتفعة لبقية الإمارات، ودرجة عدم المساواة مرتفعة أيضاً لتوزيع الإنفاق،كذلك لوحظ تفاوت درجة عدم المساواة في توزيع الدخل للمواطنين فيما بين الإمارات .

وأضاف وبتحليل مساهمة كل إمارة في مكون عدم المساواة في توزيع الدخل، أتضح أن أوضاع أبوظبي ودبي والشارقة تفسر نحو 77% من عدم المساواة في توزيع الدخل، وتفسر نحو 73 % من عدم المساواة في توزيع الإنفاق .

وتوصل د . علي إلى بعض الاستنتاجات، أهمها أن الإمارات من بين الدول التي تصنف بدرجة عالية من عدم المساواة في توزيع الدخل وتوزيع الإنفاق على أساس المقارنة بما هو متوفر على مستوى العالم، ويهيمن مكون عدم المساواة داخل المجموعات، جنسيات أو إمارات، على تفسير إجمالي عدم المساواة . كما تبين أن مظاهر الحرمان في دولة الإمارات تُماثل تلك في الدول المتقدمة خصوصاً الأوروبية منها والتي تترجم نفسها في شكل إقصاء اجتماعي .

أما دراسة خصائص سلوكيات الاستهلاك في الإمارات العربية المتحدة التي قدمها د . سامي بيبي أستاذ في شبكة السياسات الاقتصادية والفقر بجامعة لافال بكندا فتوصلت إلى مجموعة من النتائج منها أن الأسر الأجنبية تخصص نصيباً أكبر لنفقات الاتصال والنقل والمطاعم والسكن مقارنة مع الأسر الإماراتية، كما أن حصص الترفيه والايجار تكون أكثر أهمية عند الأسر الغربية، وأن العرب والآسيويين متشابه سلوكهم للإماراتيين في النفقات المخصصة للترفيه في حين أنهم يخصصون نصيباً أقل بالنسبة لنفقات الايجار .

وتوصلت دراسة أنماط الإنفاق لدى الأسر محدودة الدخل، التي أعدتها ضحى فاضل، محللة بحوث اقتصادية- معهد دبي لأبحاث السياسات الاقتصادية-مجلس دبي الاقتصادي إلى مجموعة من النتائج أهمها أن إنفاق الأسر المواطنة محدودة الدخل على الضرورات المعيشية يتساوى تقريباً مع إنفاق الأسر المواطنة متوسطة أو مرتفعة الدخل عليها وذلك لوجود الدعم الحكومي في قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والطاقة، بينما لوحظ زيادة في الإنفاق على الضرورات المعيشية من قبل الأسر الوافدة خصوصاً محدودة الدخل . كذلك أوضحت الورقة استئثار مجموعة الإيجارات والوقود بالنصيب الأكبر من ميزانيات الأسر المواطنة والوافدة وهي بذلك تفوق إنفاق أسر الاتحاد الأوروبي على نفس المجموعة .

وخلصت دراسة التطورات العامة في الدخل والإنفاق ورأس المال البشري في إمارة دبي بين مسحي 1998 و2008، التي أعدها الدكتور معاوية العوض، مستشار اقتصادي بمعهد دبي لأبحاث السياسات الاقتصادية- مجلس دبي الاقتصادي إلى بعض النتائج، منها أن حصة الفرد من إجمالي الدخل في إمارة دبي قد زادت بحوالي 1 .3% سنوياً بالقيم الحقيقية لإجمالي السكان وبحوالي 2 .4% للمواطنين، إلاّ أن الهوة قد زادت بين الفقراء والأغنياء، سواء كان ذلك للمواطنين أو الوافدين، إضافة إلى ذلك، فإن تكاليف المعيشة قد زادت بشكل واضح خلال الفترة إلاّ أن التحويلات للخارج والادخارات داخل الدولة كنسبة من إجمالي الدخل لم تتأثر بشكل كبير .

واقترحت دراسة أهم نتائج مسح نفقات ودخل الأسرة 2007 لإمارة أبوظبي أعدها أبو بكر العمودي من مركز إحصاء أبوظبي . وقدم خلالها إضاءة حول المسح الثاني للإنفاق ودخل الأسرة 2007 2008 الذي تم تنفيذه في إمارة أبوظبي من قبل دائرة التخطيط والاقتصاد، حيث نفذ المسح الأول في عام ،1997 أن يصبح هذا المسح دورياً كل 5 سنوات .

وتضمنت نتائج تحليل البيانات توزيع الإنفاق، حيث بلغت حصة أفقر 20% من السكان 4 .6% من مجمل الإنفاق، وفي المقابل حصل أغنى 20% من السكان على 7 .42% من مجمل الإنفاق . كما أتضح ارتفاع نسبة تركز الأفراد المواطنين في الفئات العشرية كلما اتجهنا من الفئة الأولى، الأفقر، إلى الفئة العاشرة، الأغنى؛ والوضع معكوس بالنسبة لأفراد الأسر الجماعية، مع ثبات نسبي تقريباً للأفراد غير المواطنين . كما تبين أن مجموعة الإيجارات والصرف على المسكن والصيانة تستحوذ على أعلى حصة من مجمل انفاق الأسر (7 .37%)، تلتها حصة النقل والاتصالات (9 .17%)، ثم حصة الطعام والشراب والدخان (4 .16%)، فالملابس وملبوسات القدم (7 .9%) .

الأفقر والأغنى

بلغت حصة أفقر 20% من السكان في إمارة أبوظبي 3 .5% من مجمل الدخل، بينما بلغت حصة أغنى 20% من السكان 6 .49% من الدخل . وأوضح تزداد نسبة الأفراد المواطنين في الفئات العشرية كلما انتقلنا من العشير الأول، الأفقر، إلى العشير الثامن: ترتفع النسبة من حوالي 13 % إلى 6 .55 %، وفي المقابل تنخفض نسبة كل من الأفراد غير المواطنين وفي الأسر الجماعية . ويشكل متوسط الإنفاق الاستهلاكي 63% من متوسط الدخل، أي أن نحو 37% تخصص للادخار أو التحويلات . وعلى مستوى نوع الأسرة، استحوذ الإنفاق الاستهلاكي على حوالي 51% و61% من دخل الأسر الجماعية وغير المواطنين على التوالي .