يقال عنهم أصحاب سوابق، ورغم معاقبتهم بجريمة اقترفوها مسبقاً، إلا أن المجتمع لا يزال رافضاً لهم، فيلجأون إلى المحكمة والنيابة والجهات المختصة للحصول على رد للاعتبار من جريمة اقترفت سابقاً بغرض العودة إلى الحياة مجدداً وبدء صفحة جديدة، ومسح ما مضى .

رحم القانون هؤلاء الأشخاص وضمن لهم حق الحياة مجدداً إلا أن المعضلة التي تقف أمامهم تتمثل في عدم قدرتهم على الحصول على وظائف أو الزواج، وبالتالي

العودة إلى الحياة من بابها الصحيح وليس من باب الجريمة . وبعيداً عن الجانب الأمني والعقابي، نتطرق في هذا التحقيق إلى الجانب الاجتماعي والنفسي والإنساني والحقوقي الذي له أثر كبير في الوقاية من عودة من اقترفوا جريمة إلى هذه الحياة الصحية، وأهمية الطرق لمعالجتهم بعد خروجهم من السجن ليصبحوا أسوياء، وخاصة أن عدداً كبيراً منهم من الشبان، وما هي المتطلبات لدمجهم في ظل ما يوفره القانون من ليونة تمكنهم من العودة إلى المجتمع .

بدوره، أكد محمد الحمادي أمين سر جمعية الإمارات حقوق الإنسان، أن الجمعية استقبلت خلال دورتها الثانية حالتين طالب فيها أصحابها القضاء برد الاعتبار لهم، كونهم حصلوا على وظائف، ولم يستطيعوا الالتحاق بها بسبب دخولهم السجن .

ويشير إلى أن طلبهما عرضا على لجنة الشكاوى في الجمعية، موضحاً أن القانون يفرض ضرورة أن ينتظروا خارج السجن لفترة معينة حتى يتمكنوا من الحصول على رد للاعتبار .

ولفت إلى أن إحدى الحالتين حصلت على الوظيفة بعد انقضاء المدة القانونية، حيث تمت مخاطبة جهة العمل من أجل انتظار الفترة القضائية، فيما زالت تنتظر الحصول على رد للاعتبار .

وشدد على ضرورة أن يعطي المجتمع أي شخص يخطئ الفرصة ليعود إلى المجتمع كون كل نفس خطاءة، مؤكدا أن الجمعية تتعاون مع الجهات الحكومية وتقدم توصياتها من أجل تسهيل توظيف هؤلاء الأشخاص باعتبار أن دورها إرشادي .

ودعا كافة الدوائر الحكومية والخاصة إلى ترك النظرة السلبية تجاه المدانين بالجرائم، والتعاون معهم لإعطائهم فرصة العودة إلى المجتمع، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه ليس لدى الجمعية برامج لإعادة تأهيل المحكوم عليهم كونه ليس من اختصاصهم .

صحيفة السوابق

وبدوره، أكد المحامي محمد رضا أن رد الاعتبار نوع من تجديد الثقة بالشخص بعد مرور المدة القانونية المحددة للحصول عليه، وأن يعود الشخص إلى الطريق المستقيم من أجل إعطائه فرصة ثانية للاندماج في المجتمع .

وأكد أنه إذا استمر تواجد صحيفة السوابق بحق أي شخص فإنه لن يتمكن من العودة إلى المجتمع مؤكداً أن رد الاعتبار ميزة يمنحها القانون للشخص .

وأشار إلى أن أسباب طلب الأشخاص لرد الاعتبار عائد إلى رغبتهم في تنظيف صحيفة السوابق، بالإضافة إلى إقناع الجهات الرسمية بعدم رغبتهم في العودة إلى عالم الجريمة والدخول إلى المجتمع بشكل صحيح، مشيراً إلى أن معظم الطالبين لرد الاعتبار متهمون في قضايا بسيطة .

ولفت إلى أنه رغم وجود قانون رد الاعتبار للأفراد إلا أن هناك أيضاً أمن وقائي بحق المتهمين في جرائم، إذا رغبوا في العودة إلى المجتمع، منوها أن المقصود من الأمن الوقائي عدم رجوع مردود الاعتبار إلى العمل في ذات الظروف التي عمل بها سابقا، وبالتالي إعادة تهيئة ظروف الجريمة له، كالشخص الذي يعمل في بنك وأقدم على سرقته لا يمكن أن يعود إلى العمل في بنك كون الظروف هي ذاتها لظروف ارتكاب الجريمة السابقة، ويمكن أن يعود لارتكابها .

برامج رعاية

وبدوره، أكد الدكتور أحمد فلاح العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة على ضرورة توفير برامج للرعاية اللاحقة في الدولة، وتكثيف أعمال التوعية للأشخاص الخارجين من السجون لإشراكهم في المجتمع حتى لا يعودوا إلى تنفيذ أعمال غير قانونية .

وقال: المنفذون لعقوباتهم يعاملون في المجتمع على أساس أنهم خارجون عن القانون، ويصابون بالعار، وبالتالي تفرض عليهم العزلة الاجتماعية والانسحاب من الواقع، ويخسر المجتمع عناصر مهمة يمكن أن تسهم في بنائه .

وشدد على ضرورة تغيير توجهات المجتمع بالنسبة للأشخاص، ورد الاعتبار لهم من خلال إشراكهم في الحياة الاجتماعية وتعزيز الانتماء لمحيطهم، وعدم تبني النظرة الدونية . ولفت إلى أن دخول الشخص إلى السجن يؤثر بشكل كبير في حياته الاجتماعية وبحثه عن الزواج والعمل حتى لو حصل على شهادة تأهيل أو براءة من تهمة توجهت إليه وبالتالي رغم ذلك فالمجتمع لا يبرئهم، وهذه نظرة سلبية يجب تفاديها كونها تهدم حياة هذا الشخص وتعيده إلى عالم الجريمة .

آثار نفسية

ومن جانبه، شدد علي الحرجان استشاري الطب النفسي الشارقة، على ضرورة توفير إصلاحيات جيدة وبمستوى عال لتأهيل الأشخاص الخارجين من السجون وخاصة فئة الشباب الذين إذا لم تتوفر لهم رعاية خاصة واهتمام قد يعودوا إلى ارتكاب الجريمة ويصبحوا محترفين فيها .

وقال: السجون تسمى إصلاحيات وبالتالي يجب أن تصلح من شخصية مقترف الجريمة، فيما من المفترض أن يتقبل المجتمع هذا الشخص ويسهم في دمجه من خلال توفير الظروف البيئية لذلك .

وشدد على أن الأشخاص الخارجين من السجون قد يعودون إلى ارتكاب الجرائم ويعانون من اضطرابات نفسية وإحباط نتيجة عدم تقبل المجتمع، ولكن في الوقت ذاته يجب أن يعلم الخارج من السجن أنه لن يستقبل بالورود من بعض الأشخاص، وقد يقطعون علاقاتهم معه، وبالتالي يجب أن يكون جاهزاً ومتقبلاً للواقع الجديد ويتعامل معه بواقعية لا أن يعود إلى الجريمة .

وشدد على أهمية أن تعمل المؤسسات الحكومية والخاصة على تهيئة السجين قبل خروجه من خلال توفير فرص عمل له لدمجه في المجتمع وتجنب عودته إلى عالم الجريمة، مشيراً إلى أن ذلك لا يعد تقديراً ومكافأة له ولكن لتجنب ارتكاب خطأ آخر من قبله، منوهاً إلى أهمية وجود إشراف طبي ونفسي في السجن للأشخاص الذين ارتكبوا جرائم كبرى .

حماية القانون

وبدوره، يحمي القانون الأشخاص الخارجين من السجن بأن كفل لهم العودة إلى الحياة، حيث نص قانون الاتحادي رقم (36) لسنة 1992م في شأن رد الاعتبار المادة 2: يرد الاعتبار بحكم القانون إذا لم يصدر خلال الآجال التالية على المحكوم عليه حكم بعقوبة جناية أو بعقوبة جنحة مما يحفظ بصحيفة الحالة الجنائية: أولاً: إذا كان الحكم بعقوبة جناية ومضت خمس سنوات على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها أو سقوطها بمضي المدة .

ثانياً: إذا كان الحكم بعقوبة جنحة ومضت ثلاث سنوات على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها إلا إذا كان الحكم قد اعتبر المحكوم عليه فيها عائدا أو كانت العقوبة قد سقطت بمضي المدة فتكون المدة خمس سنوات .

وعن الحالات التي يجب رد الاعتبار فيها، تنص المادة الخامسة من القانون على أنه يجب لرد الاعتبار: أولاً أن تكون العقوبة في جناية أو في جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة ونفذت تنفيذاً كاملاً، أو صدر عنها عفو أو سقطت بمضي المدة .

ثانياً: وأن تكون قد مضت من تاريخ انتهاء التنفيذ، أو صدور العفو مدة سنتين إذا كانت عقوبة جناية، أو سنة واحدة إذا كانت عقوبة جنحة . وتضاعف هذه المدة في حالتي الحكم للعودة وسقوط العقوبة بمضي المدة .

وتشير المادة 6: إذا كانت العقوبة قد قضي معها بتدبير فتبدأ المدة من اليوم الذي ينتهي فيه التدبير أو يسقط فيه بمضي المدة . وإذا كان قد أفرج عن المحكوم عليه تحت شرط، فلا تبتدئ المدة إلا من التاريخ الذي يصبح فيه الإفراج تحت شرط نهائيا . أما إذا كان الحكم مع وقف تنفيذ العقوبة، فتبدأ المدة من تاريخ صدور الحكم .