اختلف الشعراء العراقيون حول المشهد الشعري العراقي الراهن رغم غزارة الانتاج، فمنهم من رأى أن الشعر العراقي الآن يعيش في أوج مجده خصوصا على يد الشعراء الشباب، بينما رأى آخرون أنه يعيش حالة من التخبط.

وقال الشاعر محمد علي الخفاجي الذي يعد من رواد الحركة الشعرية في العراق: الشعر ربما كان ارثه في العراق حصرا، وقديماً قالت العرب: انا حنين ومنزلي النجف، وما زال العراق حاملا رايتي الشعر العربي، شعر العمود ما زالت رايته لا تسمى الا باسم الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري وشعر التفعيلة يتمثل بجيل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري.

واليوم لاشك اننا حينما نقول ان المشهد الشعري في العراق هو المتميز على مستوى الساحات العربية فقد يسمى ذلك انحيازاً، غير انني استشهد هنا بشهادتين احداهما للشاعر الراحل محمود درويش حينما قال: كن عراقيا لتصبح شاعراً، وهذه شهادة من شاعر غير عراقي. والشهادة الاخرى لأدونيس الذي سئل من أين ستأتي رياح التغيير في الشعر قال: من هناك وأعني العراق.

وبين الخفاجي ان القصيدة الآن تتعافى في العراق. وقال ربما أعطتها الظروف الموضوعية التي نشأت في العراق وكذلك الظروف المحزنة التي ضربت هذا البلد دفعا جديدا حينما وجد الشاعر مادة ثرة للتعبير عن هذه المأسي وعن الذبح الذي مر به العراق في السنوات الماضية. لذلك فإن القصيدة العمودية تشهد اليوم إحياء جديداً على يد جيل من الشباب منهم حسين القاصد، مضر الألوسي، نوفل ابو رغيف، عارف الساعدي. كما تشهد قصيدة التفعيلة تواصلاً إبداعياً ايضا من خلال جيل ستينات القرن الماضي وأنا أحد ابناء هذا الجيل بالاضافة إلى فوزي كريم، وخالد آل مصطفى، وخالد الخشاب. أما جيل قصيدة النثر، في العراق فقد أثبت حضوره عراقياً وخارج العراق وهناك اسماء شعرية عراقية تكتب قصيدة النثر بكفاءة فنية عالية مثل ياس السعيدي ومروان عادل حمزة وغيرهما، لأن هذا الجيل البارع بدأ بتثبيت قدم راسخة في الشعر العراقي والشعر العربي أينما كان.

وقال الشاعر ياس السعيدي رئيس نادي الشعر في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين وهو أحد الشعراء الشباب الذين حصلوا على جوائز كثيرة في العراق والامارات والجزائر وايطاليا: ان الشعر في العراق بعد عام 2003 كان يسير عكس تيار وموجة الأحداث التي ضربت البلد، حيث ان الاحتلال أسهم في تأخير أغلب جوانب الحياة العراقية، وهذا لا يعني ان الحياة العراقية في زمن النظام السابق كانت مرفهة لأبناء الشعب العراقي ولكن تضافرت عدة عوامل أدت إلى تراجع الحياة العراقية، قد يكون الارهاب الذي آذى العراقيين أو الفتنة الطائفية التي وضعت حدوداً بين المناطق، والاحتلال هو الذي كان سبباً رئيسياً في كل هذا التأخر. حيث إن الأدب العراقي بصورة عامة والشعر على وجه التحديد تقدم كثيراً عكس مناحي الحياة الأخرى التي تعرضت للتدمير أو الاحباط. فالشعر إذا كان يقاس بالنتاج فالعراقيون هم أكثر نتاجاً واذا كان الشعر يقاس بالحضور والمشاركة في المهرجانات العربية والدولية فإن المشاركات العراقية أغنت وتغني أغلب المهرجانات والتجمعات الثقافية والشعرية العربية ومنها ما امتد إلى خارج الوطن العربي. اما اذا كان التطور الشعري يقاس بالجوائز فحدث ولا حرج. اذ لا تكاد تخلو جائزة عربية من اسم عراقي. حيث لم أطلع على جائزة لم يحصل فيها مبدع عراقي على مركز متقدم. أما إذا أردت ان تأخذ مديات التطور الشعري بمقياس إبداعي أو فني، فالشعر العراقي متطور ومتطور جدا، فضلا عن ذلك ان الاكتشاف الشعري في العراق بدأ في منتصف تسعينات القرن الماضي ممثلاً في القصيدة العمودية الحديثة، وهذا يعد اكتشافاً عراقياً يدل على حراك هذا المشهد الشعري الحي، حيث بدأ عدد من الشعراء بكتابة قصيدة عمودية مختلفة تماما عن القصيدة العمودية القديمة.

إن هذا المشروع نضج بشكل سريع وبات الآن نوعاً شعرياً معترفا به ولا يمكن التغاضي عنه إطلاقاً. حيث إن أغلب النقاد الذين يدرسون المشهد الشعري العراقي يدرسون هذه الظاهرة، وهذا الاكتشاف يحسب للشعرية العراقية، فتاريخ الشعرية العراقية معروف، الشعراء العراقيون وصلوا إلى مختلف أصقاع العالم بشعرهم الجميل. وحالياً يشهد المشهد الشعري العراقي حالة متميزة جدا واستطيع القول انه بخير لاسيما بوجود مجموعة من الشعراء الرواد الذين ما زالوا يغنون الحياة الثقافية العراقية اضافة إلى مجموعة من الشعراء الذين يكتبون أنماطاً متميزة من الشعر سواء من خلال قصيدة النثر أو قصيدة التفعيلة أو قصيدة العمود، وهناك منهم من يكتب كل الاشكال وهؤلاء متميزون وراسخون أدبياً وشعرياً. لذلك استطيع القول وبكل ثقة وتفاؤل ان المشهد الشعري في العراق بخير جدا وسيشهد الوطن العربي خلال السنوات القليلة المقبلة ظهور اسماء كبيرة جداً من الشعراء.

وبيّن السعيدي أن الثقافة العراقية تبدع وتنجز من دون وجود أي دعم مادي أو معنوي، حيث يكاد المثقف العراقي يستخدم أدواته الشخصية سواء كانت هذه الادوات اعلامية أو مالية من أجل منجزه الإبداعي. حيث لا يوجد من يقدم للمثقف العراقي بصورة عامة أي دعم مؤسساتي، وما يؤسف له أن الشاعر العراقي الذي يبدع ويتألق في ميادين المهرجانات العربية والعالمية لا يجد من يهتم به في داخل بلده، فيما عدا محاولات قليلة وفردية.

وقال الدكتور عبد العباس عبد الجاسم كاتب وباحث: ان قضية الشعر في العراق ليست جديدة، فقد قال الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري أرض العراق هي أرض الشعر. لكن مر الشعر في العراق بأنات وآهات جعلته ما زال يحبو ولا اقول يمشي أو يزحف، بل ما زال يحبو، لأن المضايقات تحيط به من كل حدب وصوب.. الشعر في العراق يحتاج إلى وزارة ثقافة تقيم له وزنا لا ان تتركه وراء ظهرها، فالعراق ابو الشعر، العراق أساس الشعر، العراق هو المفردة التي يمكن ان تقف وتكون قصيدة بأكملها هذا هو العراق وهذا هو الشعر.

وقال الشاعر مضر الألوسي: علينا أن نفصل كثيرا بين الانتاج الشعري وبين الشعر. والعراق من دون أية مقدمات هو بلد الشعر وهو البلد الذي طالما كان ينتج الابداعات المختلفة خلافا لما قيل سابقا ان مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ. فالعراق الذي يقرأ يعني انه البلد الذي بدأ بالعلم اذا أردنا التخصص بمفردة اقرأ ومعنى القراءة.

وأضاف الألوسي: الشعر الآن يتخبط في العراق، فهناك شعراء لا يعرفون ماذا يريدون، وهناك ركام من القصائد بلا معنى، وبلا مضمون، ونحن لا نريد أن نكتب قصائد في قامة المتنبي، نحن نكتب بمزاج شعري مختلف، وعلينا أن نكتب بروح شعرية جديدة لكي نطمئن إلى أن الشعر كائن حيّ، وانه ينمو.

واكد الألوسي أن الكثير من الشعراء يكتب ما لا يعي، بل وينسى بعد فترة ماذا اراد ان يقول من هذا الكلام.

ورأى الألوسي أن علينا ان نتجاوز مرحلة الحداثة، نحن الآن نحتاج إلى ما بعد الحداثة التي هي لغة الشعر الجديد في العراق. العراق هو الذي بدأ الشعر، العراق هو الذي يبدأ الجديد في الشعر. لذلك علينا ألا نبتعد عما أوقفه العرب من مسميات للشعر، وألا نكتب القصائد غير العربية باللغة العربية.