لم يكن الشعراء عبر تاريخهم القديم وحتى الحديث من سوية واحدة. كان النقد وحده هو الكفيل بتصنيفهم وترتيبهم وإعلاء مراتب بعضهم على بعض، وتقرير أن فلاناً أشعر من غيره وهكذا.
ورغم ذلك، فلم يستطع النقد حينها أن يفض الاشتباك، وكان يخرج دائماً من يتمرد على قول النقاد ولا يلتفت إلى آرائهم. وبمرور الزمن، ودخولنا في عصر الحداثة ونشوء فنون جديدة كالقصة والرواية، وتأسيس الجامعات والأكاديميات، واحتضانها لما يسمى بالنقد المتخصص وظهور تفريعات اخرى مثل: النقد التكاملي، النقد الكلاسيكي، النقد الواقعي، المثالي، واستمرار القائمة وصولاً إلى النقد الشكلاني والصحافي وغيرها الكثير، استمر الحال على ما هو عليه، ويبدو أن التخصص أيضاً لم يشفع في حل المشكلة القائمة بين النقد والإبداع، وربما فاقم من ذلك ظهور المدرسة البنيوية ومن ثم التفكيكية (على وجاهتهما)، وبزوغ نجم رولات بارت أبو النقد الحديث الذي أعاد خلط الأوراق بموت المؤلف فأحدث خلخلة كبيرة في الرؤية الفنية، وترك للنص حرية تقرير مصيره في شبكة العلاقات الاجتماعية والفلسفية والفكرية وبحسب ما يقرره المتلقي وهكذا.
وحقيقة الأمر أن مثل هذا التصنيف الجديد، يحمل بعض الفائدة، إذا نظرنا إليه من أكثر من زاوية، معتبرين أن ثمة بعداً آخر، غير مرئي في النص، قد يحمل شرارة توهج فني وجمالي، قصّرت مدارس النقد في التقاطه، ومن جهة أخرى، فانّ في احالة النص إلى فضاء واسع من الاحتمالات، وأيضاً العلاقات غير المنظورة، فيه احترام كبير لهذا النص الإبداعي، الذي لا يجب حصره في فضاء تنظير واحد، أثبتت المخيلة البشرية عجزه، عن الإلمام بملكات تشكله سيميائياً ودلالياً.
وعودة إلى النقد العربي القديم، تروي الحادثات ما كان يجري إبان نقد الشعر في العصر الجاهلي، آنذاك وصف هذا النقد باعتباره نقداً انطباعياً صادراً عن فهم فطري للغة، وفي هذا المجال تروي كتب الأدب أن طرفة بن العبد سمع قول المسيب:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
فقال طرفة مقولته الشهيرة:
استنوق الجمل أي استخدم الصيعرية للجمل وهي صفة للناقة.
لعل هذا النقد يدل على بصيرة طرفة بن العبد بمعاني الألفاظ ومواضع استعمالها.
ومن صور النقد الانطباعي ما جاء على لسان لبيد ابن ربيعة العامري، حين مر بالكوفة، وسألوه عن اشعر الناس فقال: الملك الضليل، ويقصد امرؤ القيس ثم الغلام القتيل ويقصد طرفة بن العبد، ثم أبو عقيل ويقصد نفسه.
ولم يمثل هذا الرأي في حينه جزما بشاعرية فلان على حساب الآخر، بل إن كتب التاريخ تذكر أن زوجة امرئ القيس قد اعتبرت علقمة بن الفحل اشعر من زوجها حين تباريا في وصف الفرس، فما كان من امرئ القيس إلا أن طلقها، فتزوجت بدورها علقمة الفحل إمعاناً في غيظه واعترافاً بشاعرية علقمة. يبقى للنص الشعري وهجه الخاص، ويبقى النقد غير قادر على فض الاشتباك. فهلمّوا إلى الإبداع أيها الشعراء والقصاصون والروائيون وهلمّوا إلى الإبداع يا أيها النقاد.
عثمان حسن