تعرف الكثيرون في العالم العربي إلى نجم الكوميديا اسماعيل ياسين والمطربة ليلى مراد من خلال السينما والشاشة الصغيرة، وكان من المنتظر عبر مسلسلي أبوضحكة جنان وأنا قلبي دليلي أن يتعرفوا أكثر إلى النجمين الراحلين اللذين أدخلا السعادة إلى قلوبهم من خلال معرفتهم كواليس حياتهما اليومية مثلما شاهدنا في أعمال سابقة تناولت السير الذاتية مثل مسلسل اسمهان للمخرج شوقي الماجري، وجمال عبد الناصر لباسل الخطيب.
ما حدث في مسلسلي اسماعيل ياسين وليلى مراد كان غير ذلك، وكان آخر هم القائمين على العملين على حد سواء، لكم أفواه المشاهدين بأكبر عدد من الأحداث التاريخية وكأننا نقرأ قصة في حصة مطالعة، معتبرين أن روايتهم لقصص الكفاح والصعود والتعاقد على الأفلام منتهى الإبداع لنجد أنفسنا أمام عملين بلا روح.
اعتمد الكاتب أحمد الإبياري ابن الراحل أبوالسعود الابياري، وياسين اسماعيل ياسين في كتابتهما لقصة المسلسل، على تراث اسماعيل ياسين السينمائي ليستعيدا منه شخصيته، والحقيقة ان اسماعيل ياسين الإنسان لم يكن بالتأكيد بالصورة التي قدمتها الأفلام أو المسرحيات، فقد كانت لديه لزمات وحركات في الأفلام لم تكن بالتأكيد هي لزماته وحركاته ولا إفيهاته في الحياة، ففي السينما مثلاً كان يكرر تعبير يا دهوتي للخوف، ويا قهلا يا قهلا أو سلامو عليكو عند المغادرة، وهي كلمات طالما أحبها الصغار والكبار من النجم الراحل، ولكنها لم تكن بالضرورة مستخدمة في حياته العادية، خاصة أن كل من اقترب منه أجمع على بساطته وقربه من الناس.
وعلى الرغم من بعد أشرف عبدالباقي في الشكل عن اسماعيل ياسين، إلا أنه حاول بعد مذاكرة أفلام الراحل، تقليد حركاته ومشيته وقفزاته داخل الاستوديو، ودرجة صوته وترديد لزماته السينمائية، إضافة الى الماكياج المتقن لكلود إبراهيم، وبورتريهات الفوتوشوب التي تصدرت جدران البلاتوهات، للتقريب من ملامحه ومظهره، إلا أنه سرعان ما انزلق في المبالغات الفنية والتقليد المباشر لصوت وحركات اسماعيل ياسين الفنان وكانت النتيجة أن الجمهور افتقد اسماعيل ياسين الإنسان الذي كان ينتظر أن يتعرف إلى تفاصيل حياته عبر المسلسل.
استغرق المسلسل وقتاً طويلاً في عرض حقب زمنية معينة من حياة الراحل الفنية، مثل مرحلة عمله مع الراحلة بديعة مصابني، ومر مرور الكرام على مراحل مهمة في حياته، مثل علاقته بالراحل فطين عبدالوهاب الذي أخرج له مجموعة الأفلام التاريخية التي تحمل اسمه لأول مرة في تاريخ السينما العربية. كما لم نر شخصيات رئيسية في حياة اسماعيل ياسين الفنية مثل فريد الأطرش ومحمد فوزي وعلي الكسار.
واقتصر الاهتمام في المسلسل على شخصيات اعتبرها المخرج والمؤلف محورية في حياة ياسين، لكنها سرعان ما افتقرت للجديد وأصابت المشاهد بالملل، مثل صلاح عبدالله الذي جسد شخصية رفيق كفاحه أبوالسعود الإبياري، وجلسة القهوة التي أخذت من وقت الحلقات الكثير، وكان من المنتظر أن يترك المجال لنجوم مثل سمير غانم في دور نجيب الريحاني، الذي لم يظهر إلا في مشهد أو مشهدين عبر ثلاثين حلقة.
على المستوى الإخراجي لم يقدم المخرج محمد عبدالعزيز أية إضافة لسيناريو سمعة، وتناوله بشكل مباشر كعمل تاريخي وكأنه في مهمة رسمية تلاحقه فيها التواريخ والمناسبات، وكأن اسماعيل ياسين ولد فناناً.
أما مسلسل أنا قلبي دليلي ففيه افتقد المخرج محمد زهير رجب القدرة على تقديم حالة إبداعية ساحرة وجاذبة، بل كنا نتابع السرد المباشر للأحداث بلا عمق ولا متعة، وهو ما يشاركه مسؤوليته كاتب السيناريو والحوار مجدي صابر الذي اعتمد على الكتب والروايات والقصص التي رواها بعض المعاصرين للراحلة. وجاء اختيار البطلة صفاء سلطان لمسلسل أنا قلبي دليلي في غير صالح العمل.
وعلى صعيد الماكياج لم تستطع الدكتورة سامية عبدالعزيز بعد دراسة مستفيضة أن تقترب بصفاء من ملامح ليلى مراد، حتى وإن حدث ذلك في بعض المشاهد، كان من المفروض أن يدعم رسم الملامح، التعرف إلى طبيعة الدور ومكنوناته حتى يستطيع المشاهد تصديق ما يراه على الشاسة.
اقتصر المسلسل على تناول حياة الراحلة ليلى مراد من مرحلة الطفولة اليهودية، وحتى مرحلة النجومية التي صورتها السينما عند الثلاثينات من عمرها، وتناسى السيناريو أن هناك أربعين عاماً قضتها بعيداً عن الأضواء، ولم تكن على عكس ما يعتقد البعض معتزلة، ولو كلف المؤلف خاطره في البحث لوجد أحاديثها الموثقة في الإذاعة، تؤكد أنها طرقت أبواب المسؤولين في الستينات، وكانت تريد العودة الى السينما من خلال مؤسسة السينما التابعة للدولة، وعانت كثيراً لأن الأبواب أغلقت أمامها، لكنها ظلت حتى السبعينات من القرن الماضي تسجل للإذاعة المصرية أغنيات لتستطيع الإنفاق على تكاليف حياتها، وهو ما تجاهله نص المسلسل تماماً.
لم يوفق المخرج أو القائمون على العمل ككل في اختيار بقية الشخصيات، إذ بدت أغلبها وكأنها كاريكاتورية اختيرت لتمثيل مسلسل كوميدي، خاصة شخصية الراحل أنور وجدي التي قام بها أحمد فلوكس، الذي أرهق الجمهور في كل مشاهده من النظر اليه نظراً لحركة رأسه المبالغ فيها.
بقي أن نقول ان مسلسلات السير الذاتية قنبلة فنية موقوتة، إما أن تسطع وتقدم نجوماً تتلألأ في سماء الفن، أو تنفجر فيهم وتأخذهم وراء الكواليس.