صدر مؤخرا عن دار لاديكوفيرت الفرنسية كتاب جديد عن سوريا تحت عنوان: الاستثناء السوري بين الحداثة والمقاومة. ولا يبدو أن سوريا مفهومة من الغرب، وخصوصا من فرنسا. ومن هنا فإن هذا الكتاب يمكنه أن يُقدم إضافة إلى القليل من المعلومات المتوافرة. خصوصا، أيضا، أن الرئيس السوري الجديد بشار الأسد، لا يزال غير معروف، وزاد من الأمر غموضاً سوء العلاقات المفاجئ بين فرنسا وسوريا بصفة دراماتيكية بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وراء هذا الكتاب الصحافية الفرنسية، كارولين دوناتي،التي سبق لها ان عملت في بيروت مراسلة لصحيفة لاكروا الفرنسية، ما بين سنتي 1996 و2000 وقد سافرت إلى سوريا عدة مرات.
تستهل الكاتبة كارولين دوناتي مقدمة كتابها من سنة ،2007 سنة الانتخابات التشريعية في سوريا. وترى أن سوريا تغيرت وأن الرئيس بشار الأسد الذي وصل إلى السلطة بصفة مفاجئة، من دون تجربة تُذكر، بعد الرحيل المفاجئ لوالده الذي حكم سوريا خلال أكثر من ثلاثة عقود، قد شبّ عن الطوق. لقد واجه أكبر قوة عظمى، وأصبح له من الآن مقام الزعيم. لقد فاز في التحدي الذي كان بينه وبين التحالف الغربي. وتشير الكاتبة إلى شعار يستخدمه السوريون، بلهجة انتقامية وشبه تهديدية: من يَعْزل سوريا يَعزل نفسه عن المنطقة.
بشار الأسد يسير على خطى والده بنجاح
تتساءل من كان يتصور رؤية الرئيس بشار الأسد، في يوليو/تموز من سنة ،2008 في باريس في الشانزليزيه، يجلس على المنصة الرسمية إلى جانب زعماء دولة آخرين في احتفالات الرابع عشر من يوليو؟، وتعلق الكاتبة بالقول: إنه انتصار رائع لمن كان الكثيرون يتوقعون انهياره سنة 2005.
لا تبالغ الكاتبة في وصف المكانة التي يحظى بها الرئيس السوري في العالَم العربي: يحظى بشعبية كبيرة: خطبه اللاذعة ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما من العرب، تثير إعجاب المُعارَضات الشعبية. كما أن مقاومة بلاده أعادت إحياء أحلام الاستقلال لدى شعوب مجبولة/معجونة من الضغينة، كما أنه عرف كيف يرسي سلطته في الحزب وفي العائلة وفي الجهاز العسكري- الأمني، تضيف المؤلفة، ويبدو أن الرئيس الأسد قد هيمن على المحيط الذي جعل منه ملكا، وبدأ يُمارس بشكل كامل السلطات التي يمنحها له النظام الرئاسي المستبدّ المشخصن، بشكل بالغ، الذي أنشأه حافظ الأسد. إن بشار الأسد وهو يتتبع خطى والده يفرض نفسه، من الآن فصاعدا، في المواجهة. إنه يريد أن يفرض بلدَهُ كفاعل رئيسي للُّعْبة الشرق الأوسطية.
تتحدث الكاتبة عن صعود سوريا في التاريخ المعاصر، وخصوصا بعد تأثير النكبة، سنة ،1948 ولكن الدور المركزي يعود للرئيس حافظ الأسد. ومع البعثيين الأوائل، ابتداءً من سنة ،1963 حددت سوريا بنفسها خطوط سياستها الخارجية، ولكن الجنرال حافظ الأسد هو الذي أكّد القوة الإقليمية للبلد، وانطلاقا من سنة ،1976 وهو أزلج مشْهَدَها الداخلي، وتقول صحيح أن سوريا تعرضت لضربة قاصمة في لبنان سنة ،1982 حيث كانت سوريا الأسد تواجه فيها الجيش الإسرائيلي والولايات المتحدة قبل أن تعود بقوّة سنة ،1987 حيث استقر جيشها في بيروت. وفي سنة 1991 تم فرض السلام السوري Pax syriana. وفي سنة 2005 دُفعت للخروج من لبنان ولكنها قاومت خسارة تأثيرها إلى أن رأت نفسها وهي تُرتجى من قبل القوى الغربية سنة 2007 من المساعدة على استقرار بلد الأرز.
وتذهب الكاتبة إلى حد القول إن حافظ الأسد وبشار الأسد لا يختلفان في الإشكالية التي تحركهما: وهي مكانة سوريا على الخريطة الإقليمية وعلاقاتها مع إسرائيل. على الرغم من أن الرهانات والسياق كان مختلفاً بشكل جذري: كان حافظ الأسد يحارب من أجل فرض هيمنته في الشرق الأوسط العربي واستعادة الجولان المحتل سنة 1967 ومحو ندوب الهزيمة. بشار الأسد يحارب من أجل بقاء نظامه في حدود الجمهورية العربية السورية، التي تتعرض لتهديد القوة الأمريكية والتوازنات الداخلية الهشة.
وتسترسل الكاتبة تعرضت سوريا لضعف من خاصرتها العراقية وفي لبنان، ولكنها وهي الدولة المتمردة نجحت رغم كل شيء في اللعب على تناقضات خصومها في هذين البلدين، مُحافِظة على قوة إزعاج لم تتغير. بشار الأسد نادى بشرعية قومية سورية وعربية في آن، ويحاول بناء جبهة رفض جديدة إزاء النظام الأمريكي حول محور دمشق- طهران. فتمدد، بذكاء، على الخريطة الإقليمية، التي ارتسمت بعد سقوط صدام حسين، سنة ،2003 ومن خلال أخذ تركيا كضامن. وقد استثمر بشار الأسد بدائل للهيمنة الأمريكية ومتتبعاً انقلاب العالم نحو الشرق، عقد تحالفات جديدة في اتجاه آسيا والخليج، ووجد داعماً قوياً في إمارة قطر الثرية. وقد قد أتاح هؤلاء الحلفاء الجدد لسوريا تعويض خسارتها للبنان وتدهور علاقاتها مع المملكة العربية السعودية ومصر.
وترى الباحثة أن الحكم السوري يتصرف ببراغماتية كبيرة، حيث إنه يتم تقييم الاستراتيجية القومية العربية وفقاً للرهانات الداخلية، فاستعادة الجولان أساسية في الخطابات، ولكن في الأفعال، تتغلب المصالح الاقتصادية.
يتعلق الأمرُ بإزالة الحصار عن سوريا والعثور على شركاء يساعدونها على دعم تحديث بلد يواجه تحديات اجتماعية أساسية. ولكن السياسة الخارجية لسوريا لا تمليها فقط الاستجابة والتعامل مع التطورات الدولية؛ بل يفرضها أيضا واجب استمرار وديمومة النظام (السوري) وتغيرات المجتمع السوري، الذي لا تتجاوز أعمار نصفُ سكّانه العشرين سنة. إلا أن اللبرلة أطلقها ودعمها بشار الأسد والانفتاح على الحداثة التكنولوجية لم تأت بالتنمية الموعودة. والفرق شاسع جدا ما بين تحديث بعض قطاعات الأنشطة وبين إفقار المجتمع: الفوارق تزداد عمقاً بين طبقة وسطى غير مستقرة وبين محظوظين يزدادون ثراء.
وترى الكاتبة، وهو ما يصعب تأكيده، أن الطموح السوري في القوة لا يمتلك الأوراق في يده خلافا لما يوحي به الخطاب الرسمي: إذ إن سوريا لا تملك وسائل إفشال الولايات المتحدة في العراق، كما أنها لا تُملي سياستها لا على حزب الله اللبناني ولا على حركة حماس. فتعوّض عن هذا النقص من خلال اللجوء إلى المزايدات والتهديد والاستخدام. هذا هو رأي الكاتبة، وإن كان الكثيرون يرون في سوريا عائقاً أمام الاستقرار السياسي والعسكري في العراق وفي لبنان وفي فلسطين وحتى مع إيران.
وترى الكاتبة أن المسؤولين السوريين يطالبون صراحة، بالمقاومة، ولكنهم يتشبثون بالتحدي أو الممانعة. وتستخدم الكاتبة بعض الفكاهة المرة: ستقاوم سوريا إلى آخر لبناني. وهو ما كان يقوله، بسخرية، معارضوها أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006.
يخوض بشار الأسد مقاومة تعويذية، ولكنه لا يتردد في البحث عن الحلول الوسط للحفاظ على نظامه. وتظهر البراغماتية السورية في عدم تحرجه من التعاون مع الغربيين حول قضايا سياسية إقليمية وأمنية ما دام أن الأمر يتعلق بالدفاع عن مصالحه، وهو ما ينعكس في قيام السوريين بتوقيف الجهاديين، وهم أعداء محتملون للنظام. وتقول إن السياسة الخارجية القومية للحكم السوري، التي باسمها يتم تبرير العطل الذي يعرفه الشأن الاجتماعي والاقتصادي والحد من الحريات والبؤس اليومي، أتاح لحد اليوم احتواء التهديد الإسلامي. وترى أن كل تغير في الاتجاه للاستراتيجيا يفترض تقديم مقابل فوري للسكان وكذا تأسيس عقد اجتماعي جديد، وإلا فإن التوترات ستزداد اشتعالاً، والتي ستتخذ منطقاً طائفياً.
وتصف الكاتبة الفترة الحالية، ها هي سوريا وهي تخرج حثيثاً من حصار قاسٍ ومن عزلة دبلوماسية، فهل يمكن لها، كما تتساءل الكاتبة، أن تستعيد وضعية الفاعل الكبير في الشرق الأوسط التي منحها له الراحل حافظ الأسد؟، وأية أجوبة يمكن للمسؤولين السوريين أن يقدموا لغياب التوازنات الاجتماعية والاقتصادية في البلد؟ هل سيعرفون كيف يمكن معالجة وإدارة التعبئات الهوياتية التي تنتج عن الأمر، والمرتبطة بشكل وثيق بتطور المحيط الإقليمي، ابتداءً بالعراق، المهدد بالتفكك من قبل منطقته الكردية؟ وهل سيؤمّن التكوين الجديد التسلّطي الذي بدأه بشار الأسد ديمومة نظامه؟ هل يمكن للخصوصية السورية أن تدوم؟
وترى الكاتبة أنه أمام أسئلة صعبة كالتي يطرحها الكِتاب، فإنها لا تدّعي تقديم أجوبة نهائية وجازمة.ومن باب تواضع مطلوب تكتب كارولين دوناتي: هذا الكتاب يرمي قبل كل شيء إلى ملء نقص في المعلومات بخصوص سوريا وتقديم عناصر فهم للقارئ، تم التقاطها خلال سنوات عديدة من التحقيق في سوريا وفي لبنان، وتضمن لقاءات مع سياسيين ودبلوماسيين ومثقفين ومقاولين... من دون نسيان شباب المدن الكبرى في البلد.
حين تتحدث المؤلفة عن الخصوصية السورية، فإنها تضيف لها وصف الغامضة.ومن هنا فهي تريد: مقاربة هذه الخصوصية، من خلال إضاءة التحليل السوسيولوجي عبر ملاحظة مباشرة، من دون مجاملة، ولكن يغذيه تعاطف، وفي نهاية الأمر تعتبر الكاتبة أن كتابها يهتمّ بالمجتمع المدني السوري.
ولادة سوريا الحديثة
تنطلق الكاتبة في تعريف تاريخي وجغرافي بسوريا. برّ الشام. أي سوريا، التي حصلت على استقلالها سنة 1943. وجاء الحكم البعثي ليحتفظ باسم سوريا، التسمية التي وُرِثتْ من المصادر العربية القروسطوية، في اتفاق مع أيديولوجية الحزب القومية العربية. وتقول إن المناورات الأيديولوجية والسياسية البعثية في السلطة منذ سنة ،1963 ليست بعيدة، بطبيعة الحال، عن هذا الغموض الهوياتي. فحسب أيديولوجية حزب البعث، تعتبر سوريا قُطْراً من الوطن العربي.
تتحدث الكاتبة عن أصول الوطن العربي، وخصوصاً بعد بتره، في مؤتمر سان ريمو في ابريل/نيسان من سنة 1920 الذي جمع ما بين البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين واليونانيين واليابانيين والبلجيكيين، وكان من نتائجها: منح سوريا الشمالية (سوريا ولبنان الحاليين) لفرنسا، ووسوريا الجنوبية (فلسطين والأردن وإسرائيل الحالية) بالإضافة إلى العراق لبريطانيا. ثم تنتقل إلى فسيفساء السكان (من أعراق وقوميات وطوائف وديانات).كما أنها تتطرق إلى بناء قومي ناقص، إلى المملكة العربية العابرة للملك فيصل. في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول من سنة ،1918 دخل الأمير فيصل، ابن شريف مكة حسين بن علي، إلى دمشق. وجد فيها قواته التي حاربت الأتراك في فلسطين.
ثم نصل إلى الثورة السورية الكبرى لسنة 1925 التي دخلت في الذاكرة الجماعية للسوريين. وهي انتفاضة الدروز سنة 1925 التي تعتبر لحظة حاسمة في صراع النخبة السورية ضد المحتل الفرنسي، وقد لعبت الانتفاضة الدرزية الكبرى دوراً حاسماً في تاريخ سوريا. لقد أتاحت تثبيت القومية العربية في المدن السورية الداخلية. كما أن اختبار القوة دفع، بصفة خاصة، النخبة القومية إلى براغماتية أكبر. فالنبلاء نظموا جبهة سياسية، الكتلة القومية، وقرروا تحقيق هدف الحصول على الوحدة السورية في إطار حل وسط مشرف مع قوة الانتداب، ولكن الاستقلال الذي تم في نهاية المطاف لم يخلُ من محاولات انفصالية. المحاولات الانفصالية للعلويين والدروز هددت بشكل كبير قابلية الكيان السوري للحياة حتى بعد اتحاده الرسمي سنة ،1936 التي رأت جبل الدروز وأراضي العلويين مندمجة في سوريا وفق نظام إداري خاص. إن تمردات هؤلاء السكان ضد السلطة المركزية هي بالتأكيد نتيجة سياسة فرنسا التي تشجّع على الانفصال، ولكنها تعبّر، أيضا، عن التنافُس القديم بين المدينة والجبل. إنّ عدم خضوع الجبليين لسلطة مدن الداخل تاريخيّ.
وتصف الكاتبة مَشاهد فوضى عارمة من انقلابات ومن انتفاضات في سوريا الحقبة الانتدابية. الأقليات رفضت، مرات عديدة، سياسة الاستيعاب العنيف للسلطة المركزية. فالعسكريون، في حقيقة الأمر، الذين يحتلون السلطة من 1949 إلى ،1954 قاموا بمسلسل تفكيك الطائفية. في الفترة الأولى، سنة ،1949 تم الحدُّ من التمثيل الطائفي في البرلمان: ما بين 1947 و1949 رأت الطائفة المسيحية عدد نوابها يهوي من 19 إلى ،14 والعلويين من 7 إلى ،4 والدروز من 5 إلى ،3 في حين أن اليهود خسروا مقعدهم الوحيد، بينما تم استيعابُ الأكراد والأتراك والشركس في الأغلبية السنية (حسب باتريك سيل، فإن القانون الانتخابي لأيلول ،1949 خصص 108 نواب، يمثلون 30 ألف مواطن، 86 نائباً مسلماً، و15 مسيحياً، ويهودياً واحداً و6 من ممثلي القبائل..). في سنة ،1949 تمت إزالة الدائرة الانتخابية الخاصة بالقبائل. في سنة 1953 أعلن الدكتاتور أديب الشيشكلي عن إزالة الطائفية. والنتيجة هي أن القانون الشخصي والتشريعات الدرزية والعلوية التي أرساها الانتدابُ تم إلغاؤها. كما تم منع المسؤولين الدينيين للأقليات من أي ظهور سياسي. وفي نفس الوقت تم خوض عملية تعريب منظمة في كل ميادين الحياة العمومية (تعريب الأسماء وجعل اللغة العربية لغة تعليم حصرية في المدارس الرسمية) كما أن دستور سنة ،1953 جعل الإسلام دين رئيس الدولة. الأمر الذي نُظر إليه باعتباره هيمنة الطائفة الأغلبية، مما أدى إلى إلغائه سنة 1954 حين شاركت الأقليات (الكردية والدرزية والعلوية، والمسيحيين أيضا) في التعبئة لقلب الرئيس أديب الشيشكلي.
الرهان السوري
كأن الماضي العربي الحافل والذهبي هو الماضي. فكما أن الكثيرين يتحدثون عن العصر الذهبي في مصر النظام الملكي، فإن المؤلفة ترى النظام البرلماني في سوريا. انتخابات حرة، حق التصويت للنساء 4 سنوات فقط بعد إقراره في فرنسا. أول نائب برلماني شيوعي في العالم العربي، أولى الدول العربية التي خلقت بنكاً مركزياً، الاعتراف بالحريات النقابية، صحافة رأي حرة وتعددية... الجمهورية العربية السورية وعصرها الذهبي: سنوات الخمسينات (من القرن العشرين)، وتضيف إن الحنين إلى هذه الحقبة يجعلنا ننسى أن هذه السنوات، سنوات ما قبل- الأسد، تجمع أرقاما قياسية في عدد الانقلابات. في ما بين سنتي 1946 و1970 عرفت الجمهورية العربية السورية عشرة رؤساء.
وتقول الكاتبة، تسببت النكبة في إثارة صدمة كبيرة في العالم العربي. وفي سوريا تم اعتبار الأمر هزيمة وطنية، وقد كانت الصدمة في مستوى الأهمية التي تحظى بها فلسطين في عيون السوريين القسم الجنوبي من محافظة سوريا القديمة والحماسة التي انخرط فيها السكان في المعركة، والتي تقترب من يقين الانتصار، وكي تستعيد سوريا ما كانت تعتبره أرضها، فهي التي منحت القسم الأكبر من الجنود مقارنة مع الدول العربية الأخرى، من دون تعداد العديد من المتطوعين في جيش الإنقاذ الذي أرسلته الجامعة العربية.
بالفعل وجدت سوريا نفسها، بين أحلام قومية كبرى تتجاوزها، وبين أعداء وخصوم عديدين لا ينظرون إليها بعين الرضى. هذا هو قدرها، وهو قدرٌ قاسٍ.. رأت سوريا، المحاصرة من قبل أنظمة موالية للغرب ومسلحة من طرف الولايات المتحدة، والمُهدَّدَة، عسكرياً، من قبل الأتراك، والمنخرطة في حرب استنزاف مع الإسرائيليين، الخناق يشتدّ من حولها، وللخروح من هذه الوضعية القاسية، ارتأت مجموعة من الضباط تجنيب سوريا الفوضى أو سقوط البلد في أيدي نظام شيوعي، وحصلت على تشجيع من البعثيين، دفعوا الحكومة في اتجاه خيار راديكالي: الوحدة مع مصر.
وترى الكاتبة أنه إذا كانت للزوابع الإقليمية والدولية وقعٌ على المشهد الداخلي السوري فلأنها كانت تجري في مجتمع في قمة الحركة ومسيَّس للغاية. محاربة الامبريالية تتطابق بل وتذوب في الصراع ضد جمهورية النبلاء. احتل الشباب الشارع، ودانوا الدسائس السياسية والتواطؤات البرلمانية. في عشر سنوات من الاستقلال، تغيّر البلدُ بصفة عميقة تحت تأثير التحديث. في سوريا سنوات الخمسينات كان التسيّس شاملاً وسريعاً: يحدُث في المدرسة وليس في فترة النضج كما كان شأن الجيل السابق.
حكم الأسد
تقول المؤلفة ان الرئيس السوري، حافظ الأسد، وصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، فأرسى نظاماً رئاسياً تسلطياً مشخصناً. فتصدى لتقوية الدولة وانخرط في سياسة التنمية. باحتفاظه بالمؤسسات والقوانين الاستثنائية الموروثة من الثورة البعثية (محاكم عسكرية، محكمة أمن الدولة، منظمات شعبية...)، يمنح رجل سوريا القوي لنظامه قاعدة دستورية. وترى الكاتبة أن سوريا الأسد، والحركة التصحيحية، ليست مجرد ديكتاتورية عسكرية بعثية، لأنّ التسلط يشتغل فيها وفق ترابط القمع والاختيار التكميلي (وفق نظام زمالة). حافظ الأسد والجنرالات الذي يخوصصون الدولة يتحكّمون في المجتمع من خلال الشبكات المؤيدة التي أنشأوها أكثر مما يتحكمون في المؤسسات. الولاء للنظام يُكافأ بالممتلكات المادية. وقد نسج الرئيس تحالفات مع الطوائف السورية الأخرى، على مجموع التراب الوطني، من دير الزور شمالاً إلى السويداء جنوباً مروراً بدمشق. شبكات التضامن هذه تم تشكيلها في الحزب وأجهزته الملحقة (نقابات ومنظمات شعبية) والبيروقراطية وعالم المقاولات، مانحة للنظام قاعدة عريضة وسط السكان وموظفي القطاع العامّ والفلاحين وعمال القطاع الخاص. بفضل هذه الشبكات وليس فقط بواسطة الماكينة القمعية وحدها حقق حافظ الأسد انتصاره على الإخوان المسلمين سنة 1982، ولكن هنا يكمن ضعف نظام الأسد: الارتكاز على رجال وليس على مؤسسات، يجعل النظام هشّاً، كما برهنت عليه أزمة الخلافة سنة 1983، ولكن الأسد الذي قام بانقلابه بعد أن أصبح أقلية في حزب البعث السوري، اكتشف أن التحكم في الجيش هو مفتاح السلطة.
نقرأ في الكتاب أشياء لا تخفى على الكثيرين، في العالم العربي. صحيح أنها مهمة للغربيين لفهم سوريا ونظام الحكم فيها. ومن بينها الدور الرئيسي للجيش في حكم البلد. وهذا الدور من خلال سلسلة من الضباط العسكريين الأوفياء لحافظ الأسد. الجيش حاسم، ولكن ما دور الحزب؟ استفاد حافظ الأسد من تجربته الخاصة، حين كان أقلية في الحزب وحين كان هذا الحزب مع الرئيس صلاح جديد، ولهذا فمن الأفضل له أن يكون الجيش والحزب معا في جيبه. وتقول انه كان الرئيس حافظ الأسد يروقه دائما أن يكرر: كنت دائما رجل مؤسسات، ولكن البعث يظل حزبا مُفْرغا من كل جوهر سياسي. كما أنه تحّول، مع حافظ الأسد، إلى شبكة واسعة للرعاية: تُوزِّع ترقيات فردية وجماعية على مستوى القرى والفدراليات النقابية، وهو ما ترى المؤلفة أنه فتح باب البيروقراطية. ولكن على الرغم مما تبدو عليه الماكينة البعثية من قوة، فإنها اصطدمت بالحقائق المحلية. ففي الأرياف السورية اضطر الحزب إلى الاعتماد على شبكات التضامن التقليدية واللعب على وتر التعارُضات القبلية أو الطائفية لتجنب الصراعات.
وتعود الكاتبة للتحدث عن أزمة 13 نوفمبر/تشرين الثاني من سنة ،1983 حينما نقل الرئيس حافظ الأسد إلى مستشفى الشامي في دمشق. وكان الأمر يتعلق بأزمة قلبية، وهنا طُرح موضوع الخلافة، ما دفع أخاه رفعت الأسد إلى المطالبة بحقه في خلافة أخيه، باعتباره الوريث الطبيعي. وقد مرت سوريا أثناء مرض الرئيس بأزمة كبرى، حيث تنقل الكاتبة عن باتريك سيل: إن الجنرالات الأقوياء في سوريا اتّحدوا من حول رفعت الأسد ورفضوا اللجنة المكونة من ستة مسؤولين حزبيين التي عهد لها الرئيس بإدارة شؤون البلد في غيابه. ولكن المُؤلّفة تتساءل، دون معرفة الجواب، عن الأسباب التي دفعت هؤلاء العسكريين إلى مساندة رفعت الأسد. هل السبب هو المحافظة على مصالحها أم يتعلق الأمر بالمناورة من أجل التحكّم في أخ الرئيس؟.
تعتبر الكاتبة أنه من مآثر حافظ الأسد اشتغاله على السياسة الخارجية. وليس أدلّ على هذا من حالة العزلة التي كانت عليها سوريا بعد هزيمة ،1967 وكيف أنه قرّر الخروج منها. تنقل ما قاله عن نظرته إلى السياسة الخارجية: في السياسة الخارجية لا يوجد حب ولا حقد أبديان، ولكن فقط مصالح دائمة. على هذه القاعدة يتوجب علينا أن نعامل الدول الخارجية على ضوء دعمها أو معارضتها لمصالحنا القومية. إن سياستنا الخارجية يجب أن تظل في منأى من التشنجات ومن الطفرات المزاجية.
وتقول تمظهُرُ هذا التغيّر في السياسة، هو إحداث قطيعة مع سياسة المغامرة التي سلكها من سبقوه. والنبرة تغيرت، بالضرورة. في سنة ،1970 لم تَحِنْ ساعة تحرير فلسطين ولكن حانت ساعة تأكيد المصالح القومية العربية، والسورية في المقام الأول. وبافتخار، يؤكد حافظ الأسد أنه الأقدرُ على الدفاع عن المصالح العربية في مواجهة إسرائيل. ومن هنا فما على الأردن والفلسطينيين ولبنان سوى الخضوع لاستراتيجيته وأن يكونوا خلف زعامته، ولكن، حذار من الكلمات. فالرئيس الأسد ليست لديه أطماع في أراضي جيرانه. لا يريد تحقيق سوريا الكبرى ولا إنعاش حلم المملكة العربية لفيصل.