من أبرز التوصيات اللافتة والمثيرة للاهتمام التي انتهى اليها مؤتمر رؤساء أجهزة التفتيش القضائي في الدول العربية الذي استضافته مسقط،كانت تلك الدعوة لعقد حلقة نقاشية حول دور التفتيش القضائي في محاربة الفساد والرشوة والحد من انتشارهما في المجال القضائي، ومخاطبة رؤساء أجهزة التفتيش للمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية بشأن موضوع أزمة ثقة المواطن بالقاضي وبيان أسبابها ووضع الحلول لها لوضعه في وثيقة تعرض على المؤتمر المقبل لمناقشته كمحور من محاوره العلمية .
ذلك يعني - وبلسان قانوني بليغ اعترافاً ضمنياً بتسرب فيروس الفساد والرشوة الى المجال القضائي العربي، واعترافا آخر بوجود أزمة ثقة بين المواطن العربي من جانب وقاضيه الطبيعي فضلا عن غير الطبيعي أو الاستثنائي من جانب آخر؟ حالة صدق وشفافية نادرة، لكنها متوقعة من مسؤولين عن آخر الحصون العربية التي يفترض أنها ملاجئ آمنة من الظلم والفساد .
هل تعني حصانة القضاة أنهم فوق المجتمع والدساتير والقوانين، أم أنها مجرد أداة لتأمينهم من التنكيل بهم وتعريض مستقبلهم للضياع دون إخلال بإحالته للمحاكمة التأديبية عن أية أخطاء يرتكبها؟ لكن، ألا يتعارض التأديب مع مبدأ عدم قابلية القاضي للعزل؟ أم أن الحصانة لم تقرر لكي تكون عاصماً من المحاسبة إذا اقترف أعمالا تؤثر أو تنال من هيبة السلطة القضائية أو تؤدي إلى الانتقاص من ثقة المتقاضين في أشخاص القائمين على شؤونها؟ وما مدى مساهمة الضغوط السياسية في افساد العمل القضائي وسمعته فضلا عن تعويق التفتيش وتعرضه للشلل .
وزير العدل العماني- الشيخ محمد بن عبدالله بن زاهر الهنائي- يقول إن القضاء في سلطنة عُمان وصل إلى المكانة العالية والمرتبة الرفيعة التي تليق به، وإن القضاة يحظون بالتقدير والإجلال والاحترام الذي يستحقونه بفضل الرعاية الدائمة والدعم الثري المتواصل والمتابعة المستمرة من جانب السلطان قابوس بن سعيد، مؤكدا أن أقوى لوازم الحراك البشري في مضمار البناء الحضاري وأمتن لوازم العطاء المعرفي في صنع مدنية راقية الهدف سامية المعنى قويمة المسلك أن تدور حركة الإنسان في الحياة حول محور الحق تجسيدا لكرامة الإنسان من خلال إجادة القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض التي ألقتها المشيئة الربانية على كاهل ابن آدم ابتلاءً وتشريفاً، موضحاً أن طبيعة وضرورة العيش واستمرار الحياة اقتضت وجود عمل يوجهه الضمير المؤمن بمبدأ العدل والإحسان وتنتجه الحركة والأداء الإنساني مسخراً لخدمة المجتمع، وأن التفاوت بين الأفراد في المدارك والتضاد في المصالح والاختلاف في المشارب والاتجاهات حتميات لا مناص إزاءها من إحسان أعمال الحق نظاماً يضبط العمل والسلوك ويضمن الصلاح بدفع الاعتداء على الحقوق وتحقيق التوازن العادل والمنضبط بين حقوق الأفراد فيما بينهم وبين المصالح العليا للمجتمع بما يتحقق الاستقرار ويدفع بالمجتمع نحو مزيد من الرقي والعزة،الا أن ذلك لن يحقق سوى بالتزام الجد والحزم بحيث لا يركن في تمكين النظام ضابطاً للحركة ومهيمناً على التصرف على مجرد الضمائر مهما بدا صفاؤها، ولا على المشاعر وإن أسفرت عفتها، ولا على النيات وإن رجحت سلامتها، وذلك لما يعتور الضمائر ويحيق بالمشاعر ويزعزع النوايا من الاضطراب جراء ما يكتنفها من المؤثرات بفعل البيئة والتقلبات النفسية والأحوال المعيشية، موضحا أن أقوم السبل لذلك هو النهوض بالعدالة قضاء لبه النزاهة وقوامه غزير العلم وواسع المعرفة يؤازره وعي يستوعب آفاق التجدد في الحياة ويجيد الفهم والتفاهم مع ما تفرزه معطيات العصر من المسائل المتشابكة والنوازل المعقدة، ولا شعار له إلا الكفاية القادرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح بمطلق العدل القائم على عمق التصور للأمور وفرط الكفاءة لمعالجتها، وأكد أن النهوض بالقضاء كرسالة لن يكون إلا باليقين الراسخ والفطنة واليقظة والضمير الحي - بعد العلم والمعرفة- في نفوس القضاة الذين على كل منهم واجب القيام بهذه المهمة تكليفاً وتشريفاً ليؤدوها خير الأداء صادقين في عزمهم مخلصين في عملهم أوفياء لأولي أمرهم ناصحين لأوطانهم ومجتمعاتهم، يدفعهم الحرص على إحقاق الحق إلى مضاعفة الجهود، ويحفزهم الشعور بجلال وجمال مهمتهم على الاستمرار في الاستزادة من تحصيل العلم والمعرفة، لا يفرطون في الأوقات ولا يقصرون في الواجبات، حافظين لحياة الناس وحرياتهم وأعراضهم وسائر حقوقهم في إدراك ووعي أن كثيراً من المصالح وجوانب الحياة وعوامل التنمية يتوقف على القضاء العادل الناجز النافذ من دون مواربة ولا تأخير غير ضروري .
مرآة التفتيش
ويقول الوزير الهنائي إن مفهوم التفتيش القضائي يعمل على تحقيق الفاعلية في العمل والجدية في الممارسة والارتقاء بالأداء وسرعة ودقة الإنجاز باعتباره مرآة تعكس ما يعتري القضاء من أخطاء أو يشوبه من عيوب بغية تصحيحها أو تفاديها، فضلاً عما يقوم عليه من الأركان الخلقية الفاضلة والأسس القِيَمية النبيلة بما تستدعيه الأمانة ويقتضيه القيام بالمسؤولية، وهو لايرمي الى إيقاع القضاة الذين يجري التفتيش على أعمالهم تحت وطأة التهديد بحسبان التفتيش سيفاً مصلتاً على رقابهم، لا هم للقائمين عليه الا تصيد الأخطاء أو تتبع الزلات أو التقاطُ العٌيوب، وإنما الغاية رفع شأن القضاء وعدالته والحفاظ على سمعة القضاة ومكانتَهم وصون رسالتهم، وإن أفضل ما يعين التفتيش على النهوض برسالته والقيِام بواجبه أن يسود الوعي ويهيمن الإدراك بأهمية وخطورةِ دوره في التقويم والتطوير وتلافي أوجه النقص والقضاءِ على أسباب الضعف ودرءِ الانحراف أو انطفاءِ جذوة الفاعلية والجدية في الوسط القضائي، سواء لدى الذين يجري التفتيش على أعمالهم أم لدى الذين يقع على كاهلهم القيام بمهمة التفتيش، مستهدفا ابقاء القضاء محوطاً بأقوى سياج من النزاهة يصونه عن أدنى مساس بهيبته ووقاره، ولتعزيز المؤيدات وتفعيل الوسائل التي تقوي جانبه وتشد من أزره بالتطوير المستمر والدأب على المراجعة والتقويم على أعلى مستوى ممكن من الصدقية والشفافية والوضوح .
الضغوط السياسية
عبدالرحمن الصلح - رئيس المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية بجامعة الدول العربية-يقول إن مؤتمر رؤساء هيئات التفتيش هو من المؤتمرات الأساسية الهامة التي عمل المركز العربي ليكون نبراساً قضائياً في تحقيق الأهداف السامية انسجاماً مع مقاصد مجلس وزراء العدل العرب في توحيد التشريعات بين هذه الأجهزة، وإن لقاء مسقط من الخطوات المهمة في تحقيق تلك المقاصد وتوحيد الرؤية القانونية العربية وتطويرها لمواكبة التحولات الدولية المتسارعة، مشيرا الى أن المهام الملقاة على عاتق أجهزة التفتيش القضائي -كسلطة رقابية وتوجيهية- تهدف إلى إيجاد قضاء يتمتع بثقة المواطن متحرراً من التأثيرات مدركاً لقدسية المهمة التي يتوقف عليها أمن وسلامة المجتمع إذ حيثما وجدت العدالة والقضاء العادل، ساد الأمن والرخاء والاستقرار، وحيثما اضطرب القضاء، فقدت العدالة وسادت الفوضى والجريمة والانحراف، مؤكداً إن التفتيش القضائي - بأداء دوره الرقابي والتوجيهي- يعتبر صمام أمان للعدل الذي يعزز الانضباط السلوكي والأخلاقي في المجتمعات، وأن رفع الوصاية عن القضاء من شأنه تحصين الأحكام التي يصدرها، ويتحمل التفتيش مسؤولية المحافظة على التوازن بين مختلف الهيئات القضائية وبين المتقاضين عندما يهتم بالثوابت الأخلاقية والوجدانية وصقلها وتعزيزها بالإرشاد والتوجيه المستمر والمراقبة الدائمة وإيجاد علاقة ثقة وأمل بين القاضي المغيث والمواطن كمستغيث .
خاوية على عروشها
حمود بن طالب البلوشي - القاضي بالمحكمة العليا ورئيس الإدارة العامة للتفتيش القضائي بالسلطنة - يقول إن كل قاضي يجب أن يعي أن الاستقلال ليس معناه التحكم أو الاستبداد في الرأي بالحكم وإنما عدم الخضوع في استخلاص كلمة القانون وتطبيقه لغير ضميره واقتناعه الحر السليم وتحرر سلطته من أي تدخل، ذلك لأن القضاء هو الحارس الطبيعي للحريات والحقوق ينبغي إحاطته بضمانات مهمة من دونها تضحي الحماية القضائية خاوية على عروشها وهذه الضمانات فضلا عن استقلاله تتمثل أيضا في حيدته وحصانته ولكي يصبح كل ذلك أمراً مفعلاً يجب مراعاة عدة أمور: أولها- نظام تعيين القضاة، فقد بات الأمر مستقرا لدى كثير من الدول أن التعيين في المناصب القضائية غير قاصر على أصحاب الجاه والمال، إذ إن القاضي في هذه الحالة سيكون خادماً لجاهه أو ماله، فلقد غرست غالبية الدساتير مبدأ تكافؤ الفرص في التعيين لهذه المناصب فوضعت قواعد هامة ومجردة اتخذت من العلم والدين وحسن الخلق معايير للتفضيل، كما جعلت قرار التعيين نابعا من إرادة السلطة القضائية ذاتها حتى ولو كانت أداة التعيين مرسوم سلطاني أو ملكي أو قرار جمهوري أو وزاري، فلابد وأن يكون هناك تعاون قانون وتنسيق عملي فيما بين السلطة القضائية والنظم الحاكمة في الدولة حول صدور قرار التعيين، كما ينبغي ألا يكون هذا التعيين مبناه اتجاهات سياسية أو حزبية حتى لا يميل كل الميل إلى الاتجاه أو الحزب الذي ساهم في تعيينه .
والثاني- النظام الإداري والمالي للقضاة، حيث يجب أن يخضعوا لنظام إداري ومالي يحفظ هيبتهم ويمكنهم من مقاومة الضغوط التي قد تمارس عليهم ويحول بين وقوعهم أسارى لمصالحهم الشخصية، فمن غير المعقول أن يطالب القاضي بطهارة اليد وعفاف النفس وهو مكبل بأعباء مالية تفوق دخله بل وتلتهمه كله أحيانا، كما لا يمكن أن تطالبه بتطبيق العدل وهو في الظلم غارقا، ولتفعيل مبدأ الاستقلال يجب وضع قواعد عادلة تكفل للقاضي وضعاً إدارياً ومالياً خاصاً .
وهناك من الدول راعت هذا الاعتبار فمنحت القاضي راتباً ضخماً على نحو ثابت لا يتغير وجعلته على درجة واحدة لا يرقى بعدها حتى لا يكون لديه مطمع يرجوه من الحكومة وكان ذلك تأكيدا على استقلاله الحقيقي،ودولاً أخرى راعت أن تكون جداول المرتبات مرتبطة ارتباطاً آليا بارتفاع مستوى المعيشة بحيث تزيد الرواتب تلقائيا أول كل عام وفقا لمعدل معين ينظمه ويحدده قرار من المجلس الأعلى للقضاء بعيدا عن تدخل اي من السلطتين التشريعية أوالتنفيذية، فصحيح أن كفالة الحياة المستقرة الآمنة حق لجميع المواطنين سواء بسواء، لكن هذا الأمر يبدو أكثر دقة بالنسبة للقضاة لارتباطه باستقلالهم الذي يتوقف عليه ضمان الحريات والحقوق للمواطنين جميعا فمهما غلا ثمن الحصول على العدالة فإن الظلم أكثر فداحة وغلواً .
وثالثا- التبعية الإدارية للقضاة،فلا يجوز أن ينشأ بينهم نوع من التبعية الإدارية مهما اختلفت درجاتهم أو مستويات محاكمهم، فكلهم مستقلون لا يتبع أحد منهم أحداً مهما بلغت درجته أو ارتفع مقامه، بل يجب ان يكون الخضوع الإداري لجمعيات القضاة أو لجهاز التفتيش القضائي ثم لمجالسهم العليا،كما لا يجوز أن تتعدد مستويات القضاة لدى المحكمة وأن ترتبط بمزايا مالية معينة حتى لا ينشغل القضاة بالبحث عن الترقية وتوفير الدرجات الخالية بل يجب اخضاعهم جميعا لنظام مالي يكفل حسن المعاملة المالية للجميع دون استثناء، وألا ترتبط هذه المعاملة لمجرد العمل بالمحاكم العليا دون المحاكم الأخرى الأقل درجة، بل يجب أن يكون التوزيع على المحاكم مهما اختلفت درجاتها وفقا لمعايير موضوعية منها استعداد كل قاضي وكفاءته دون أن يترتب على ذلك تمييز أعضاء المحكمة الأعلى درجة بمميزات مالية محسوسة، لأن حسن المعاملة المالية للقضاة وإشعارهم بالاطمئنان والأمان ينعكس إيجابيا على استقلالهم القضائي،والمشكلة هي مدى صلاحية القاضي للاستمرار في وظيفته وتلك مسألة تقدرها المجالس القضائية ،فمتى تقررت صلاحيته، فلا يجوز أن يترتب على تخطيه في الترقية إلى منصب قضائي أعلى أي ضرر مالي يكدر حياته ويورث القلق لديه ولدى زملائه على مستقبلهم لأنه الخطر الحقيقي الذي يزعزع استقلال القضاء .
ورابعا- نقل القاضي، فقديكون وسيلة للترغيب والترهيب كما قد يكون عقوبة أو جزاء مقنعا يوقع ضده على قضاء قضى به، لذلك يمثل تنظيم نقل القضاة ضمانة مهمة تمس استقلالهم،فعملية النقل شرعت لتحقيق العديد من الأغراض منها سد النقص في المحاكم وإعادة توزيع الأعضاء عليها، وتبادل الإقامة في الجهات النائية، وحسن سير العمل بصفة عامة وهي تخضع في استعمالها لقيد عام، وهو الغرض الذي شرعت من أجله عملية النقل، فإن استهدف النقل غرضا من أغراضه المشروعة اتسم هو الآخر بالمشروعية وإن اتجه إلى تحقيق أغراض أخرى كان معيباً بالانحراف وإساءة استعمال السلطة، ولهذه الأسباب نظمت كافة التشريعات قواعد النقل، إذ لا يجلس القاضي في مكان واحد طوال خدمته القضائية، ووضعت لذلك ضوابط محددة لتنقلات القضاة كي لا يكون النقل وسيلة للترغيب أو الترهيب .
خامسا- حصانة القضاة وعدم قابليتهم للعزل، حيث لا يجوز إبعاد القاضي عن منصبه القضائي سواء بطريق الفصل أو الإحالة للتقاعد أو الوقف عن العمل أو النقل لوظيفة غير القضائية، فالقاضي الذي يخشى على منصبه لن يحكم بالعدل، ولا يعني ذلك أنه يصبح مالكاً لوظيفته، أو أنه مهما أخطأ أو أساء سوف يستمر في منصبه، وإنما يعني فقط مجرد تأمينه من التنكيل به وتعريض مستقبله للضياع، دون إخلال بإحالته للمحاكمة التأديبية عن أية أخطاء يرتكبها، وقد كفلت الدساتير العربية حصانة القضاة فأكدت جميعها على هذا المبدأ بالنص على عدم جواز عزل القضاة إلا بالطرق التأديبية وأمام مجلس قضائي تأديبي خاص، فالقضاة غير قابلين للعزل وينظم القانون مساءلتهم تأديبياً .
الحصانة والتأديب
وعن مدى تعارض التأديب مع مبدأ عدم قابلية القاضي للعزل؟ يقول إن الحصانة - بمفهومها الصحيح - لا يجوز أن تكون موطئا لحماية أعضاء السلطة القضائية من المساءلة عن عثراتهم التي تخل بأهليتهم القضائية أو بقيامهم برسالة القضاء على الوجه المعصوم من مظنة الشكوك والريبة، فالحصانة لم تقرر لكي تكون عاصماً من محاسبتهم إذا ما أتوا أعمالا تؤثر أو تنال من هيبة السلطة القضائية وعلو منزلتها أو تؤدي إلى الانتقاص من ثقة المتقاضين في أشخاص القائمين على شؤونها، وإنما يتعين أن تظل الحصانة غير مرتبطة مقاصدها ممثلة في تأمين العمل القضائي من محاولة التأثير فيها ضماناً لسلامته، وقد فرضتها الدساتير ابتغاء استقلال القضاء في مواجهة السلطتين الأخريين وتكفل حريتها في العمل وتصون كرامة أعضائها وهي تلازمهم دوما طالما ظل سلوكهم موافقاً لواجباتهم، مستجيبا لمتطلباتها معتصما بالاستقامة والبعد عما يشينها، وإلا حقت مساءلتهم تأديبا وتنحيتهم عن الاستمرار في عمل إذا هم تنكبوا سبيله القويم، وفقدوا شروط توليهم أعباء الوظيفة القضائية وتحملهم لتبعاتها، كما أن التعارض المقال به بين الحصانة المانعة من العزل، وجواز مساءلة أعضاء السلطة القضائية تأديبيا وتوقيع الجزاء الذي قد يصل الى حد العزل لا يكون له محل، فيخطئ من يفسر الاستقلال بغير ذلك أو أن يدعي بأن القاضي فوق المجتمع أو أنه بعيد عن يد القانون وسلطة الدولة، إذ إن التعريف التقليدي للقضاء أنه إحدى سلطات الدولة التي تخضع لسيادة القانون فوظيفته تطبيق القانون وليس مخالفته!
سادسا- ولاء القاضي،يجب أن يكون للدولة التي اقسم اليمين فيها على أن يحكم بالعدل وأن يحترم كل ما فيها من قوانين، وأن ينظر نظرة متعددة الجوانب تشمل الظروف التاريخية والاجتماعية الاقتصادية والسياسية فيها،ولا يتعارض ابدا استقلال القضاء مع واجب الولاء لنظام الحكم،وهو ما يقتضي عدم مهاجمته لنظام الدولة وفلسفتها الاجتماعية في الاجتماعات العامة والخاصة ويلتزم دوما بعدم القيام بأي تصرفات تسيء إلى هذا النظام في الداخل والخارج، أو تجريح أشخاص هذا النظام والإساءة إليهم،فخروج القاضي على هذا الواجب يشكل مخالفة تأديبية في حقه، فإذا ما تراءى له أن نظام الحكم في بلده على غير هواه أو غير جدير بالولاء فعليه أن يخلع عنه ثوب القضاء ويستقيل من مهنته ويتفرغ حينذاك للعمل السياسي . . ويتوافق مبدأ استقلال القضاء مع مبدأ الولاء للأمة ذلك أن القاضي في أحكامه وقراراته غير ملزم بالحكم لصالح الدولة لأن رسالته السامية تقتضي أن يضع عازلا سميكا بين ولائه للدولة وبين تحقيق العدل وإرساء أركانه بحسبان أن ذلك هو دوره الرئيسي، ويتعين على القاضي ألا يظهر في احكامه ما قد يكون لديه من معتقدات أو أفكار دينية أو اجتماعية أو سياسية تتعارض مع ما هو سائد في بلده الذي يقيم ويعيش على أرضه عند مباشرته لولاية القضاء .
توصيات رؤساء أجهزة التفتيش القضائي العربية
أكد المؤتمرون على التوصيات الصادرة عن المؤتمرات السابقة،والتي من بينها مساهمة هيئات التفتيش القضائي بإعادة إدماج السجناء في مجتمعهم من خلال مراقبة السجون والعمل على إصلاحهم،ورفع مستوى القضاء وتطوير أدائه من خلال تفعيل دور هيئات التفتيش القضائي بتطوير المناهج والأساليب للرفع من أداء المحاكم والإدارة القضائية،وإنشاء المركز العربي لتدريب المفتش وإعداد دورات تخصصية للعاملين فيه من قضاة ومساعدين عدليين كل على حدة،والعمل على زيادة عدد القضاة والمحاكم بما يتلاءم مع عدد السكان مراعين أماكن تجمعهم وصولاً إلى تقرب القاضي من المتقاضين،وتفعيل تبادل الزيارات وتبادل الخبرات والبحث بشكل عملي لإنشاء منتدى للقضاة العرب، وإعادة تعميم الاستبيان على رؤساء أجهزة التفتيش القضائي لتمكين من لم يجب عليه موافاة المركز بها أو العمل على تحديث الإجابات السابقة التي تم الإجابة عنها وقيام المركز بإعداد الوثيقة في هذا الشأن وفق منهجية علمية تظهر فيها أولويات البحث في تفعيل التوصيات وتنفيذها واستخراج رؤية طموح لعمل مسيرة مؤتمرات رؤساء أجهزة التفتيش القضائي، وضرورة التركيز على موضوع تسيير الإدارة القضائية والطلب بأدراجها كمادة تدريبية في برامج التأهيل بالمعاهد القضائية العربية نظراً لأهمية هذا الموضوع وضرورة إتقانه لها من قبل القاضي،وتكليف المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية بمخاطبة رؤساء أجهزة التفتيش لمعرفة التوصيات التي يستحيل تطبيقها وبيان المعوقات التي تحول دون ذلك لعرضها جميعها بوثيقة تقدم إلى المؤتمر المقبل،والتأكيد على أن انجاز العدالة هو ما يهدف إليه الجميع ما يستدعي التركيز على مقومات ثلاثة من خلال وجود قاض مؤهل تأهيلاً علمياً ومسلكياً ووجود تشريع قوي وضمانة نيل ثقة المتقاضين، والتركيز على اختصاص القاضي والعمل على إيجاد قاض متخصص ومتعمق الدراسة في إحدى فروع القانون لمواكبة التطور الحاصل في العالم وما يقتضيه من معرفة وإلمام من أجل تحسين الجودة وتحقيق العدالة الناجزة لتمكينه من دراسة المسائل الفنية الدقيقة في فرع قانوني بعينه، والتركيز على كيفية اختيار الخبراء ومراعاة توافرهم على تخصص متمكن في شتى المجالات نظراً للدور الهام الذي يقومون به بغية إصدار القاضي لحكمه وذلك استناداً إلى أدلة فنية ومتخصصة على ضوء تقارير الخبرة المقدمة من جانبهم التي يجب أن تتسم بالجودة في مهام اختصاصهم،ومخاطبة رؤساء أجهزة التفتيش القضائي للمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية بشأن موضوع أزمة ثقة المواطن بالقاضي وبيان أسبابها ووضع الحلول لها لوضعه في وثيقة تعرض على المؤتمر المقبل لمناقشته كمحور من محاوره العلمية،والتأكيد على وجوب إيلاء موضوع تنفيذ الأحكام الأهمية الكبيرة والعمل على أن يكون هناك قاض متفرغ لمتابعة تنفيذ الأحكام القضائية لأن العدالة لا تكتمل إلا بصدور الحكم العادل وتنفيذه معاً،والتركيز على وجوب وجود نظام محاماة متطور باعتباره أحد جناحي العدالة نظراً لما يحتله من مكانة هامة في إدارتها، وضرورة الاهتمام بحق المواطن باللجوء إلى القضاء بأبسط التكاليف وصولاً إلى مجانية التقاضي وتسهيل الأحكام الصادرة بأدنى التكاليف وتبسيط إجراءات التقاضي وتقريب القضاء من المتقاضين،ووجوب تعزيز إنشاء الشباك الوحيد - الموظف الشامل - في المحاكم الذي يتلقى من المتقاضين عرائض الدعوى وغيرها عوضاً عن لجوئهم إلى مراجعة العديد من الإدارات وذلك لتيسير أعمالهم،وإعادة التأكيد على ضرورة الانفتاح على المحيط الدولي - مثل الاتحاد الأوروبي- للتعرف إلى المناهج المتبعة حول تقريب العدالة وإدارة العدالة للاستفادة منها والتأكيد مجدداً على ضرورة الإعداد لعقد اجتماع مشترك مع رؤساء التفتيش القضائي الأوربي، واعتماد الأسلوب الإحصائي على الصعيد القضائي في كل دولة عربية نظراً لما له من دور واضح في كشف الواقع القضائي وبيان القضايا المنجزة منها والمتأخرة وما تم إنجازه من قبل كل قاض، وإقرار وثيقة مسقط حول الارتقاء بالإدارة القضائية باستخدام معايير الجودة الشاملة لتحسين الأداء القضائي،وإعداد مسودة لمشروع قانون عربي استرشادي حول صلاحيات رؤساء وهيئات التفتيش القضائي وتكليف لجنة خماسية بإعدادها مؤلفة من رؤساء المؤتمرات الأخيرة على أن تعقد اجتماعها بمقر المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، والإشادة بجميع أوراق العمل المقدمة في هذا المؤتمر واعتماد ورقتي العمل المقدمتين من دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية السودان كأرضية لمناقشة المحور السادس من محاور المؤتمر المقبل، والتأكيد على إنشاء موقع على شبكة الإنترنت للمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية لكي يكون مركزاً رئيساً يربط جميع المواقع العربية، والموافقة على محاور المؤتمر الرابع عشر- القادم - لرؤساء أجهزة التفتيش القضائي،وهي مدى تفعيل التوصيات الصادرة عن المؤتمرات السابقة، وعرض تجربة متميزة من قبل بعض أجهزة التفتيش القضائي في إطار مهامها والتي ترغب في عرضها بقصد الاستفادة من هذه التجربة، وتعزيز ثقة المواطن بالقضاء وتقديم وثيقة تتضمن جميع وجهات النظر في هذا الموضوع وصولاً إلى إقرار خطة لتعزيز هذه الثقة، ووضع استراتيجية لمعالجة بطء البت في القضايا واتخاذ الإجراءات الكفيلة لسرعة تنفيذ الأحكام،والإجراءات الواقعة بشأن التوفيق والمصالحة في حل المنازعات، وشروط وآليات المحاكمة العادلة وحدود السلطة القضائية التقديرية،وإنشاء محاكم أو دوائر متخصصة في المجالين الاقتصادي والمالي في إطار القضاء العادي، وإنشاء شرطة قضائية - أعوان قضائيين - خاصة للعمل على للمساعدة في تبليغ وتنفيذ جميع الأحكام والأوامر والقرارات الصادرة من الجهاز القضائي،وعقد حلقة نقاشية حول دور التفتيش القضائي في محاربة الفساد والرشوة والحد من انتشارهما في المجال القضائي،وضرورة التعاون القضائي بين الدول العربية في ظلّ انتشار ظاهرة العولمة وانتشارالجريمة المنظّمة على امتداد المجتمع الدولي،متطلعين إلى وضع استراتيجية لمسيرة مؤتمرات رؤساء هيئات التفتيش القضائي في الدول العربية وصولاً إلى تفعيل التعاون فيما بينهم لعمل عربي مشترك .