تتدثر أجواء الإمارات هذه الأيام بطلّ جميل يندر مثيله في مثل مناخ الجزيرة العربية الصحراوي، ويصاحبه بدايات مطر ينعش الأنفس قبل أن ينعش الأرض، وهذا الإنعاش كثيرا ما كان مصدر إلهام للشعراء الذين من طباعهم أن ينشط خيالهم في حالات الفرح أو الحزن القصوى، ويمتلئ الشعر العربي بشبكة من مفردات ذات صلة بالماء مثل المطر والغيم والرياح والضباب والرعد والبرق، وهي المفردات ذاتها التي تشكل قاموس فصل الشتاء .
بعض الشعراء يقول إنه فصل أنثوي يعوّل عليه في الكتابة، حين ترغم زخات المطر وبرودة الجو الشاعر على لزوم البيت والتوحد مع ذكرياته التي تنهال عليه جميلة مؤلمة، فلا يجد لها إلا الورق، فيبثه ذلك الجمال والألم على نحو ما فعل نزار قباني في رائعته:
إذا أتى الشتاء . .
وحركت رياحه ستائري
أحس يا صديقتي
بحاجة إلى البكاء
على ذراعيك . .
على دفاتري . .
إذا أتى الشتاء
وانقطعت عندلة العنادل
وأصبحت . .
كل العصافير بلا منازل
يبتدئ النزيف في قلبي . . وفي أناملي
كأنما الأمطار في السماء
تهطل يا صديقتي في داخلي . .
عندئذ . . يغمرني
شوق طفولي إلى البكاء . .
على حرير شعرك الطويل كالسنابل .
ويرى البعض أن الشتاء بلياليه الطويلة وثقل غيومه يرمز إلى الحزن، فيما يرى آخرون أن الشتاء يستثير الرغبة في الكتابة ويشيع جواً من الحيوية الداخلية في النفوس خصوصاً لدى شعوب البلدان التي يشح فيها هطول المطر .
الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في قصيدته أنشودة المطر يجسّد مثال الحزن الذي يمكن أن يشيعه المطر . . يقول:
مَطَر . .
مَطَر . .
تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال
تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .
كَأَنَّ طِفلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام:
بِأنَّ أمَّهُ - التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ
فَلَمْ يَجِدْهَا، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال
قَالوا لَهُ: بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ . . .
لكن للشتاء مذاقاً آخر في الجزيرة العربية خاصة، ومناطق الصحراء، فهو يغسل حرارة الصيف ويلطف النهارات، ويمد الأنفس بالسكينة والطمأنينة، فهو الذي يمهد للربيع ويبذر الغرس الذي ينبت فيكون أزهارا يانعة جنية في فصل على نحو ما قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في رائيته الخالدة:
نزلت مُقَدَّمةُ المصيفِ حميدةً
ويدُ الشتاءِ جديدةٌ لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاءُ بكفّه
لاقى المصيفُ هشائماً لا تزهر
مطرٌ يذوب الصحوُ منه وبعده
صحوٌ يكادُ من الغضارة يمطر
غيثان فالأَنواء غيثٌ ظاهرٌ
لك وجهه والصحوُ غيثٌ مضمر
أو لا ترى الأشياء إذ هي غيرت
سمجت وحسن الأرض حين تغير
وعلى شاكلة أبي تمام يذهب الشاعر أحمد العسم الذي يرى أن فصل الشتاء هو فصل الطمأنينة، والخروج للصحراء والتخييم محاكاة لأهل البادية قديما، وهناك ينشط الإنسان للعمل، وهو موسم كتابة تبعث بهجته على التفكير وتدعو قسرا إلى اصطحاب القلم .
أما عبد الهدية فيقول إن الشتاء يوحي له بالتواصل لأن الأرض تتواصل فيه مع السماء بهذا المطر الهاطل الجميل، وفيه طموح من الأرض للعلو حيث تتجمل بأبهى حللها، وجوه يساعد على الإبداع لأن فيه سكينة وصفاء للروح، يغتسل فيه القلب من الأدران كما تغتسل الأرض من لوافح الصيف، فينبعث الحنين للكتابة يقول الهدية:
تبكي الغيوم على حالي وتغمرني
بأوصالها كلما سرّحت أدعيتي
فتحبس الدار عني ثدي مرضعتي
ويشرب الناس من مزرابها هبتي