هل تحسنت العروض والنتائج وأصبحنا نحقق بطولات؟

هل تخلينا عن التمويل الحكومي وتحولت أنديتنا الى شركات؟

الاحتراف . .كان حلماً فخاطراً فاحتمالا، ثم اضحى حقيقة لا خيالاً في رياضة الامارات بوجه عام وفي كرة القدم بوجه خاص، ولكن الى اين يمضي بنا قطاره بعد انقضاء ثلاث سنوات من انطلاقه؟

ودعنا الهواية غير آسفين عليها من بعد ان رميناها وحملناها بكل علل وأسباب تدني المستويات وتراجع النتائج في كل المشاركات الخارجية من تصفيات الى بطولات الى دورات قارية ودولية . . فهل تغير الحال مع الاحتراف؟

الاجابة نعرفها جميعا ،فتقريبا لا شئ تغير، المستويات - بالمقارنة - مازالت متدنية والانتكاسات مستمرة ومتوالية على مستوى الصفوف الأولى في الأندية والمنتخبات اقليمياً وقارياً ودولياً، علاوة على اننا مازلنا نشكو من ضعف الحضور الجماهيري وخلو المدرجات .

لأن العيب فينا وليس في الاحتراف، ولأن لا سبيل للتوقف أو العودة الى الوراء، كان لابد من وقفة نراجع فيها أنفسنا . . ماذا قطعنا؟ وماذا حققنا؟ وماذا ربحنا؟ وفيم قصرنا وتراخينا وأهملنا؟

اسئلة محورية كثيرة سنحاول التصدي لها في هذا التحقيق الذي حرصنا على ألا يكون مجرد صرخة للتوجع والشكوى من دون وصفة علاجية، فرصدنا الاحتراف في انجح صوره في أوروبا، ثم استطلعنا أنجح تجاربه في القارة التي ننتمي اليها، ثم نظرنا عربياً حولنا للمقارنة بين تجربتنا وتجارب كل من: السعودية وقطر ومصر والسودان .

وعند النهاية وجدنا بين أيدينا دراسة بحثية لا تحقيق، فعمدنا الى رصد كل النتائج التي وصلنا اليها، وأعددنا ورقة عمل للمستقبل بأهم المقترحات والتوصيات لتصحيح مسيرة الاحتراف، لعل وعسى .

الاحتراف ضرورة حتمية بالمرجعية الأولمبية

إعداد: ضمياء فالح

600 مليار يورو تدور في سوق المنتجات والخدمات الرياضية

الأندية الإنجليزية عرفت الاحتراف أثناء الكساد الكبير

الاحتراف في اللغة هو إتقان الصنعة التي يقوم بها شخص ما والتفنن والتخصص والإبداع فيها دون سواها، مما ينتج عنه تفرغ كامل للصنعة وهي على ثلاثة أنواع: يدوية كالصناعات أو فكرية كالهندسة بأشكالها التكنولوجية والمعمارية وغيرها، أو بدنية كما هو حال الرياضة التي يعنينا الاحتراف بها في هذا البحث الشامل، ولا سيما الاحتراف في كرة القدم على اعتبار أنه يخص اللعبة

الأكثر شعبية في العالم، ويدرج المتخصصون في عالم الرياضة المعادلة الأنجح وهي: المال + الهواية = الاحتراف، لكن مع التأكيد على جعل الاحتراف أسلوب حياة للاعب الذي يجب أن يرى في الاحتراف الطريق الوحيد ليكون أفضل الأفضل . وسوف نتناول الاحتراف الكروي من حيث التاريخ ومن حيث المردود المادي ومن حيث الرؤية المستقبلية في هذه الرحلة من الماضي الى الحاضر .

ربما سيكون العزاء لمن بدأ احترافه في ظل الأزمة المالية الحالية، أن يعلم أن الاحتراف في الأندية الإنجليزية عموما بدأ أثناء الكساد الكبير الذي شهدته بريطانيا بين عامي 1937و1938، وكان آخر مواسمه باسم دوري الدرجة الأولى موسم 1991-،1992 ونادي شيفيلد يونايتد كان أول من عانق فكرة الاحتراف في عام 1876 ثم تلته الفرق الأخرى على مراحل . أرباح أول موسم للاحتراف 1992- ،1993 كانت 33 مليون جنيه لكن 15 من ال 22 ناديا المتنافسة كانت مثقلة بالديون، أما أرباح موسم 2007-2008 فوصلت الى 185 مليون جنيه حققها 11 ناديا من أصل 22 . وبين عامي 1992 و2008 عاشت ميزانيات الأندية تجربة الصعود - نمو بنسبة 4 .5 في المائة - والذي وصلت بفضله الأندية الإنجليزية الى العالمية والشهرة التي أدت الى تدفق الأموال الى خزائنها بشكل استثنائي مما حداها الى بناء الملاعب الإسطورية وتوسيع قاعدتها الشعبية وامتلاء جيوب مالكيها بالمال وقفزت عوائد ال 20 ناديا الى 16 في المائة سنويا في موسم 2007-2008 أي 11 مرة أكثر من أرباح موسم 1991-1992 وتصل اليوم مجموع عائدات الأندية المتنافسة في الدوري الممتاز الى ملياري جنيه أي بمعدل 100 مليون جنيه لكل ناد وهذا نجاح منقطع النظير لم تشهده أي تجارة في العالم . بيد أن رياح التغيير لا بد أن تهب رغم أن كرة القدم ولاعبيها ظلوا بمنأى عن التأثيرات الكبيرة لانهيار الاقتصاد العالمي، ففضلاً عن ارتفاع وتيرة المنافسة وشدتها مع ظهور أندية من شرق أوروبا مدعومة بأموال كبار المليارديرات، هناك تعطش المشجعين الى مزيد من النجاحات لكن القمة لا تتسع للجميع والمعاناة بدأت في الأندية ذات الشعبية القليلة .

وكانت الألعاب الأولمبية حتى القرن العشرين لا تقبل إلا الهواة في الألعاب لكن الدعم المالي للرعاة سمح بمشاركة المحترفين الذين يتقاضون أجوراً كبيرة ويستقطبون في المقابل جمهوراً أكبر مما يعني في نهاية الأمر أرباحا أكثر للجنة الأولمبية المنظمة . وكان الحاكم سولون ملك أثينا القديمة أول من وعد كل فائز بالألعاب الأولمبية بجائزة مالية تصل الى 500 دراخما، وذلك في مسعى لتشجيع المنافسة بين اللاعبين وكانت تلك الجوائز منتشرة ليس في العاصمة فقط، بل في جميع المدن مما يرسم الشكل القديم للاحتراف، وكان الفائز يوشح بالذهب والحرير، ويرفع في المقابل راية مدينته أو الحاكم الذي يدعمه وكان من أعظم أنواع الخيانة انتقال لاعب من مدينة الى أخرى .

الاحتراف كان على المستوى الفردي لكنه تحول الى الألعاب الجماعية في 1846 وبدأ مع فريق الكريكيت الإنجليزي وسمي الفريق ب أول إنجلاند ايليفن أما في الولايات المتحدة فقد بدأ الاحتراف مع فرق البيسبول في عام 1864 وجرت أول مباراة لفريقين محترفين في 1869 .

غير أن الاحتراف الأولمبي يواجه تحدياً متمثلاً في هروب اللاعبين المحترفين صوب الدول الأكثر تطوراً من الناحية الرياضية والاقتصادية، كما هو الحال في هجرة العدائين الأفارقة صوب الولايات المتحدة التي تفتح ذراعيها لهم لجلب ميداليات الذهب، وكل ما تقدمه لهم مزيد من الأمان والاحترام والتدريب المحترف .

المحترف موهوب وملتزم وغالباً فاشل دراسياً

الفرق بين الرياضي الذي يمارس رياضته على سبيل الهواية لإمتاع نفسه ولإبراز مهاراته والآخر الذي يحترف الرياضة ويتخذها مهنة له هو درجة الالتزام بالواجبات . فاللاعب المحترف يجب أن يكون ملما بكل جوانب اللعبة وقوانينها علاوة على تقديم أقصى ما لديه في الملعب لإمتاع الجمهور الذي دفع المال لمشاهدة مهاراته والحمية في الطعام والالتزام بروتين يمتد طوال العام، ولا يتركه حتى في إجازته السنوية ولا يلعب التحصيل الدراسي دوراً في اختيار اللاعب، فالمهم هو موهبته ومهاراته وليس درجاته في المدرسة لذا نجد أغلب اللاعبين المحترفين فاشلين دراسيا لكنهم متألقون في الملاعب ومشهورون لدى الجمهور حتى أن بعض الفلاسفة وصف لاعبي كرة القدم بمقولة أخفقوا في الدراسة والعلم ونجحوا في كسب المال .

ويجب على اللاعب المحترف أن يتمتع الى جانب قوة اللياقة البدنية الى القوة الذهنية كي يستطيع التأقلم مع الضغط النفسي في أيام لعبه وأيام اصابته . ويتقاضى اللاعب المحترف أجرا يتراوح بين ال 40 ألف جنيه الى ملايين الجنيهات سنويا وفقا لمستوى أدائه . غير أن قرار الاحتراف يجب أن يكون مسبوقا بتفكير عميق لأن الالتزام بمتطلباته قد يكون شاقاً على البعض الذين يرون المال والشهرة ثمناً زهيداً مقابل ما يقدمه من التزام وتضحية على المستوى الشخصي، بل وحتى الأسري إذ يتطلب في أحيان كثيرة أن تنتقل أسرة اللاعب معه، حيث حل كما هو حال الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي أجبر احترافه بسن ال 13 أسرته على الهجرة من البلاد وحط الرحال في إسبانيا .

كرة أستراليا احترفت عام 1990

رغم أن كرة القدم في استراليا موجودة كهواية منذ 80 عاما مع تأسيس الاتحاد الفكتوري لكرة القدم في 1897 إلا أنه عرف طريق الاحتراف عام ،1990 وسميت بطولته المحلية بالدوري الأسترالي لكرة القدم (آي .أف .إل) بعد اتساع القاعدة الشعبية للعبة .

أرقام من واقع الاحتراف

يشير فلاديمير اندريف، استاذ العلوم الاقتصادية في جامعة السوربون الاولى في باريس، ان حجم السوق العالمي لكل المنتجات والخدمات الرياضية يقدر اليوم بحوالي 600 مليار يورو، منها 250 مليارا لكرة القدم وحدها، و150 ملياراً للادوات الرياضية و60 مليارا لحقوق النقل التلفزيوني للاحداث الرياضية . ولنقارن هذه الارقام بما تخصصه الدول النامية للرياضة من اجمالي ناتجها المحلي وهو 5 .1 الى 2% فقط .

ولو نظرنا الى الاحتراف في فرنسا، على سبيل المثال، نجد ان حقوق النقل التلفزيوني تشكل وحدها 58% من ميزانيات نواديها، تتبعها حقوق الاعلان والرعاية التي تعود لها ب 168 مليون يورو، أي 18% من ميزانياتها، والتذاكر 139 مليوناً، أي 14% من ميزانياتها . ولا تمثل الاعانات من الجمعيات المحلية الا 2% من عائدات الأندية الفرنسية .

هل ارتقى مستوى المسابقات المحلية وعادت الجماهير الى المدرجات؟

هل تخلص لاعبونا من كل أمراض الهواية واصبحوا محترفين؟

الفيفا وفرض الاحتراف

صفقات اللاعبين تهزم التضخم

شهدت صفقات شراء اللاعبين المحترفين انطلاقا من عام 1995 ارتفاعا كبيرا ساير التضخم في الأسعار العالمية، وأحيانا تفوق عليه وبدأت الأندية تتنافس في احتلال المرتبة الأولى في أسعار صفقاتها، وكان أول من فتح الباب ريال مدريد الإسباني بصفقة شراء الفرنسي زين الدين زيدان عام 2001 مقابل 75 مليون يورو، وهو مبلغ أعلى 15 مرة من المبلغ الذي دفع في شراء الاسطورة دييغو مارادونا عام ،1982 ثم عاد النادي الإسباني ليتفوق في سجل أغلى الصفقات بشراء البرتغالي كريستيانو رونالدو عام 2008 .

يعود بعض الفضل في ارتفاع أجورهم الى بيع الأندية لحقوق بث مبارياتها علاوة على انشاء بعض الأندية لقناتها الخاصة وكان نادي تشلسي الإنجليزي الرائد في هذا المضمار عندما عرض عام 1997 بث مبارياته مقابل 122 مليون يورو ولحقه سمبدوريا الإيطالي عام 1999 مقابل 5 .3 مليون يورو، فمباريات كرة القدم منتج ممتع يجد من يشتريه عبر التلفاز كما يجد من يشتري التذاكر لحضورها .

ولم يعد الاحتراف مجرد قرار محلي يمكن أن يعمد اليه هذا النادي أو ذاك، بل بات اليوم ضرورة حتمية يفرضها الواقع الرياضي العالمي . فإذا ما رغب أي نادٍ الخوض في الكرة العالمية عليه أولاً أن يطبق الاحتراف وفقا لقرار الفيفا الأخير الذي جعل الاحتراف شرطاً أساسياً لخوض المنافسات القارية . ورغم أن هذا الأمر سيكون صعباً على بعض الأندية التي لا تتوفر لها الامكانات المادية والبشرية والمهنية لتفعيل هذا القرار على أرض الواقع إلا أنه من ناحية أخرى سيمثل مناسبة جادة تجعل مثل هذه الأندية في مواجهة نفسها وظروفها وتحدياً عليها التغلب عليه .

من ناحية أخرى، لم يعد العالم ينظر الى الرياضة وفق المنظور القديم القائم على اساس الهواية التي تتم خارج اوقات الدوام والدراسة أو المتعة والترفيه والتسلية التي لا تحتاج الا لمساحة خالية من الارض وكرات وفانيلات . كلا، الرياضة اليوم، خاصة كرة القدم، هي اعقد من ذلك بكثير ومخطئ من يظن انها مجرد صناعة واحدة كما يردد البعض بل انها مجمع متكامل من الصناعات ابتداء من التشكيل وانتهاء بالتسويق وتحقيق الأرباح التي تضمن دوام التشغيل، وهذه كلها علامات الاحتراف .

لذلك نرى ان الرياضة في الوقت الراهن اصبحت ترتبط أكثر فأكثر بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فاذا ضربت أزمة من أي نوع هذا المجتمع او ذاك ترى ان الرياضة من بين اول الضحايا، وهذه علامة اخرى على احترافها . واذا عانى شعب ما من ظروف اقتصادية سيئة لاي سبب كان فلن يجد الاحتراف طريقه اليه، واذا ما حصل ذلك فسيكون احترافاً أعرج تشوبه النواقص .

الاحتراف الحقيقي يبدأ بتهيئة وتوفير الكثير من المفاصل الأساسية مثل الانشاء، المواد، التجهيزات، البحث، التطوير، التدريب، التغذية، الرعاية الصحية . . . وغيرها، ولا ينتهي يوماً بل يتواصل من دون توقف .

7 خطوات ذهبية لصناعة بيئة احترافية

1- إيجاد ثقافة جديدة تتضمن التميز والتطلع لأهداف أكبر .

2- تبني عناصر النجاح وعدم إغراق المحترف بالمكافآت حال تقدم أدائه فالهدف هو الاستمرارية والنجاح .

3- الموهبة تتعدى اللياقة البدنية ويمكن الوصول الى قمتها من خلال التمرينات المكثفة وينصح بإنفاق عشرين ضعفا من المال في تطوير الموهبة على إنفاقها في شراء مواهب جديدة .

4- التسهيلات الكبيرة لا تصنع فريقا ناجحاً، بل تسهم في بلورة موهبة اللاعب المحترف في حال وجودها أصلاً .

5- تبني أحدث النظريات العلمية في الرياضة واستخدامها لتطوير أداء اللاعبين وتطوير برامج المدربين واستعداداتهم على المدى البعيد .

6- تواجد المدرب بشكل مستمر مع اللاعبين رغم أن جعله مدرباً بدوام كامل لا يجعل منه بالضرورة مدربا بطراز عالمي .

7- عدم التذرع بنقص المال فالاحتراف ينشأ أولا من الرغبة في الفوز والنجاح الذي ينتج من تطوير الأداء في الملعب والاستعداد الجيد للمباريات .

الاحتراف . . استثمارات وفرص عمل

الاحتراف في كرة القدم يوفر بلا شك فرص عمل هائلة، فهناك الآلاف من العمال لبناء الملاعب ثم العشرات لصيانة العشب والتسهيلات، علاوة على العديد من المتاجر التي تبيع فانيلات الفرق المحترفة وأوشحتها، ناهيك عن المئات من العمال في المصانع المنتجة لهذه السلع التي تتغير كلما هبت رياح التغيير في غرف الملابس فنجم شهير مثل كاكا غير فانيلته من ميلان الى ريال مدريد وآخر مثل روبينيو انتقل من الريال الى مانشستر سيتي وهكذا دواليك .

وملاعب اليوم تضم أيضا متاحف لعرض تاريخ النادي وكؤوسه وهو يحظى باهتمام النشاطات المجتمعية علاوة على تقديم النادي في فترات استراحته عروضا لتدريب الناشئة مقابل مبلغ معين، ناهيك عما تجنيه الفرق الكبيرة من جولاتها الترويجية في قارات العالم ليكون الموسم كله مربحاً وليس فقط أيام المباريات .

أرخص الهدايا

الكرة في انجلترا جزء لا يتجزأ من حياة مواطنيها، وهي أقرب الى الطقس الأسبوعي الذي لا يتغير وقد أظهرت احصائية لعدد الحضور أن أعداد الجمهور فاقت ال 16 مليون شخص في موسم 2008-2009، وأظهرت أن بعض الفرق - رغم أدائها المتراجع في الملعب - نجحت في بيع جميع تذاكرها كما هو حال نادي نورويتش سيتي الذي باع أكثر من 18 ألف تذكرة موسمية لموسمه 2009-2010 رغم هبوطه لدوري الدرجة الأولى .

والسبب في ذلك يعود الى رخص تكلفة تذكرة المباريات كأسلوب من أساليب الضيافة بالمقارنة مع غيرها، فهدية عيد الميلاد عندما تكون تذكرة موسمية أرخص ثمنا من عشاء في مطعم فاخر أو لعبة ألكترونية حديثة، وهي تدخل السرور على قلب المشجع الصغير والكبير على حد سواء لأنها تشعره باهتمام الآخرين برغباته .