ناحت الأم بحرقة وهي تحتضن مولودها الذي لم يُغَسل بعد . ثار غضب الرجل الذي دخل عليها، لمجرد تحديقه في ملامح الطفل . هذا ليس ابني، صرخ مطالباً بإجراء فحوص الحمض النووي (D .N .A) هذا جزء مما حصل في العاشر من يونيو/ حزيران عام 1995 حسب شهود عيان، كانوا في الغرفة ذاتها وفرحوا بمولودهم الجديد في أحد مستشفيات الدولة .
قصة تتزاحم الأسئلة معها حول مصير الطفل لو رفض ذلك الرجل نسبه له، هل سيبقى من دون اسم أو هوية؟ وكيف ستكون ردة فعل الآسيوية النازفة؟ هل ستحتفظ بالطفل وترحل؟ أم ستتخلى عنه انتقاماً، أو خشية إملاق، أو مقابل تمكنها من البقاء أو غير ذلك؟ وإذا ما حصل التخلي، في أي ظروف سيتم؟ وما المصير المنتظر للطفل البريء، وأقرانه من مجهولي الوالدين؟ أهو الموت أم الانتقال للعيش في كنف مؤسسة أو أسرة أخرى، بما في ذلك من تداعيات واشتراطات ومنظمات؟ ومن سيجيبه عندما يسأل: من أبي؟
بين ليس ابني ومن أبي؟، أسئلة كثيرة حاولنا الإجابة عنها في تحقيق نأمل أن يعلق ناقوس خطر على ظاهرة شح تناولها عميقاً، رغم استحداث القوانين والمبادرات لحماية ضحاياها، وكثرة الدعوات للحد منها، بل لاجتثاثها، لخطورتها على الجتمع عاجلاً أم آجلاً، بعد ان أظهرت الأرقام وتأكيدات ذوي الشأن أن ضحاياها بالمئات، وإن انخفضت .
ترنو لركوب الطائرة، تحلم بالسفر، تنشد الأمان، في سؤال ملح . . لماذا وألف سؤال مثل من وإلى متى . عائشة ابنة الخمس سنوات ذات الاسم الأجمل مثلما أقنعوها . مرضعتها الحاضنة لها منذ شهرها الأول اغرورقت عيناها بالدموع، تحشرج صوتها وهي تروي تفاصيل رحلة من المعاناة، طلباً للأمان والحرية لها وللطفلة .
بدأت قصة أم عبدالرحمن التي تعيش في إمارة الشارقة قبل خمس سنوات، عندما منحها الله عائشة قبل أن تكون عائشة أرضعتها وأحبتها ورفضت التخلي عنها . كشفت عنها بعد عامين وسجلتها بوساطة دائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة دار الرعاية الوحيدة في الإمارة، حيث منحت شهادة ميلاد فقط بعد إجراء الفحوصات . مقيداً عليها أن صاحبتها من دون أوراق ثبوتية، ووعدوا بزيارتها ومتابعتها، ولم يحصل ذلك سوى مرة قبل ثلاث سنوات، ومنذ أسبوعين تقريباً اتصلت الاختصاصية الاجتماعية للاستفسار عن عنوان مدرسة عائشة لزيارتها .
ناشدت الجهات المختصة استصدار بطاقة صحية، وجواز سفر، وأوراق ثبوتية للطفلة رهينة أحلامها بالسفر وركوب الطائرة كلما رأتها تحلق من دون جواب، هي وأمها المشكوك بأمومتها، حيث بدأت الطفلة تعي وتتساءل، على نعومة أظفارها، لماذا اسمها مغاير لأخوتها في الرضاعة، ليشرع المحيطون بمحاولات اقناعها بأن اسمها هو الأجمل، وعند علم الدائرة بتشكك الطفلة في نسبها طالبت بعدم الاعتراف لها إلا بعد إكمالها السنوات التسع على يد مختصيها، علماً بأنها تحمل اسمي أب وعائلة مختلفين لأسباب دينية، كالخوف من اختلاط الانساب، والخلاف على الميراث .
جاسم الحمادي، مدير إدارة حماية حقوق الطفل في دائرة الخدمات الاجتماعية في الشارقة قال: في المرحلة الأولى من الاحتضان تكون المتابعة مكثفة ثم تقل إلى مرة كل ستة أشهر أو سنة، وفي حالة اكتشاف مؤشرات خلل، تتم المتابعة المكثفة لحين حل ذلك الخلل . ويستمر الاحتضان لمدة ست سنوات، ثم يجدد إذا رغبت الأسرة بذلك، وتقوم اللجنة الدائمة لرعاية الأطفال المحرومين من الرعاية الاجتماعية برئاسة الشيخ محمد بن صقر القاسمي باختيار الأسماء للأطفال، وتصدر لهم شهادات ميلاد بأسماء من وحي المجتمع وتقوم الدائرة باستخراج الشهادة لهم من وزارة الصحة- إدارة الطب الوقائي ومن ثم البطاقة الصحية .
في حالة ثبت لدى وزارة الداخلية (الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب) أن الطفل مجهول النسب، يتم طلب استخراج الجنسية والجواز له، وهنا يتم التأخير في إصدارها لأسباب غير معلومة لدى الدائرة ولدى الأسرة الحاضنة . واستصدار الجنسية ليس مرتبط بدائرة الخدمات الاجتماعية، وإنما بوزارة الداخلية التي تتسلسل في مجموعة إجراءات لحين إصدارها بمرسوم من رئيس الدولة .
دائرة الخدمات
يضيف جاسم الحمادي ان الأطفال الموجودين في دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة من فئات مختلفة (مجهولي النسب، معنفين) تتراوح أعمارهم من أسبوع إلى 20 سنة حالياً، منهم (8) ذكور و(9) إناث، يتم إخبارهم بأنهم أيتام وأنهم فقدوا آباءهم لأسباب لا نعرفها، في حين دخلها 282 طفلاً منذ أن باشرت عملها في العام ،1985 حول منهم 240 عن طريق مستشفى القاسمي في الامارة، ولا أعتقد وجود لقطاء فيه الآن، لأنهم يحولون لنا أولاً بأول .
وتابع: وجود هذه الفئة إفراز طبيعي لأي مجتمع، ناتج عن تصرفات شباب وشابات غير ملتزمين بقيم وعادات وتقاليد ودين الجماعة، ويتم البحث عن أسرة بديلة مناسبة للطفل من خلال اللجنة الدائمة، وبعد عرض طلبات الاحتضان عليها تختار الأسر المناسبة، وأهم الشروط: أن تكون مواطنة مسلمة مقيمة بشكل دائم في الدولة، خالية من الأمراض، حسنة السيرة والسلوك، والأولوية للأسرة المتكونة من أم وأب، وتتوفر لديها شروط الرضاعة، ويتم التمهيد لكلا الطرفين (الطفل/ الأسرة) للاحتضان من خلال زيارات، ولكن إذا كان الطفل رضيعا فتتم العملية بشكل أسرع، وتتم متابعة الأطفال في الأسر، على أيدي اختصاصي اجتماعي، ومساعدة مؤهلين علمياً مدربين داخل الدائرة وخارجها، وجميع الأطفال يحصلون على احتضان باستثناء المرضى والمعاقين من مجهولي النسب .
القانون المنتظر
مشروع قانون مجهولي الوالدين أمان، رقم (-) لسنة 2009- في طريقه إلى مجلس الوزراء لمناقشته واتخاذ اللازم لإصداره- ويهدف لتنظيم رعاية مجهولي النسب في الدولة ومن في حكمهم، من خلال إنشاء دور رعاية أو تأمين أسر حاضنة، من أجل تحديد المسؤوليات والحقوق الواجبة والمترتبة على رعاية هذه الفئة من الدولة ومؤسساتها الحكومية الاتحادية والمحلية .
وينص مشروع القانون حسب مسودته المقدمة من الوزارة في 22 مادة، على الكثير من الشاردات الواردات بشأن رعاية الأطفال مجهولي النسب (الأطفال المولودين في الدولة لوالدين مجهولين)، ومن في حكمهم (من حرموا رعاية الوالدين والأقارب بسبب الوفاة أو وجودهما في منشأة عقابية أو تعرض الأسرة لأي عارض يهدم كيانها، والأطفال الذين ضاعوا عن ذويهم ولا قدرة
للإرشاد عنهم، والحالات الأخرى التي يقررها الوزير -الشؤون الاجتماعية)، ما يعكس مرونة قد تستوجبها ظروف أخرى .
وحدد القانون المنتظر التزامات كثيرة على الأسر البديلة، يبقيها على تواصل مع الإدارة ويبقى الطفل في دائرة الأمان، منها على سبيل المثال لا الحصر عدم الافصاح للمحضون عن طبيعة وحقيقة نسبه إلا بعد الرجوع لإدارة الخدمات الاجتماعية في الوزارة وبإشرافها وحضورها، الأمر الذي يجنب الأسر واللقطاء على حد سواء الكثير من الأزمات التي كشفت عنها التجارب .
ما قبل القانون
ترى جمعية الإمارات لحقوق الإنسان على لسان أمين سرها محمد الحمادي، أن القانون الجديد وأي قوانين ذات علاقة تنسجم مع توجه الحكومة، الموقعة على مواثيق واتفاقات دولية معنية بحقوق الإنسان بشكل عام، ومنها اتفاقية حقوق الطفل، وجاء في المادة (3) منها ان يولى الاهتمام لمصالح الطفل الفضلى، وأن تتعهد الدول الاطراف بضمان الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه، مراعية حقوق وواجبات والديه أو أوصيائه أو غيرهم من الأفراد المسؤولين قانوناً عنه، وتتخذ تحقيقاً لهذا الغرض، جميع التدابير التشريعية والادارية الملائمة .
وإذ ينفى عرض مشروع قانون رعاية مجهولي النسب على الجمعية رغم طلبها من المجلس الوطني إشراكها في أي قانون، فإنه يطالب الحكومة بعرضه على الجمعية وإشراكها بأي قانون يخص المجتمع، ودعمها معنوياً كواجهة للدولة في حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن أية ملاحظات على القانون سترفعها الجمعية للجهات العليا وعلى رأسها وزارة العدل .
ويقول الحمادي لدى الجمعية لجنة تمكين اجتماعي، من اختصاصاتها رعاية الأطفال وتثقيفهم واستقبال شكاوى ضحايا العنف بكل أشكاله، وتعيد تأهيلهم على أيدي ذوي الاختصاص، ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، بالتعاون مع جهات ذات علاقة بكل سرية، استقبلنا على سبيل المثال لا الحصر مجموعتين من اللقطاء الشباب، الأولى 3 ذكور سعينا لتوفير احتياجاتهم الخاصة وتوظيفهم، والأخرى اكثر من عشر شابات لقيطات، يعشن لدى أسر بديلة في الإمارات، تقدمن بطلب حماية من العنف اللفظي وسوء المعاملة . وحلت المشكلة واستجاب الحاضن لتوجيهات وارشادات اللجنة .
ويدعو المقتدرين لمساعدة المجتمع والدولة في رعاية اللقطاء، ضحايا أخطاء الآخرين، ليعيشوا في بيئة أسرية فيها الدفء أفضل من المراكز ودور الأيتام .
تقليص مساعدات 145
يعالج نظام الكفالة العائلية حسب مشروع القانون قضية استغلال بعض الأسر الحاضنة لمساعدة الشؤون الاجتماعية للطفل، علماً بأنه لا يوجد رصد فعلي للاستغلال الذي يتجلى في حالات فردية، الأمر الذي أكده مصدر رفض الكشف عن اسمه في وزارة الشؤون الاجتماعية، إذ تصرف المساعدة بعد أن يتقدم الشخص الكفيل بطلب رسمي، ويستمر صرفها حتى إنهاء اللقيط دراسته أو بلوغه السن القانونية وهي 18 سنة .
ويبين المصدر أن الوزارة تصرف مساعدات ل145 لقيطاً في الدولة من أصل 39 ألف حالة تقدم لها المساعدات، تندرج ضمن 16 فئة، ويعيشون مع أسر بعد دراسة لجنة المساعدات الخاصة لحالاتهم، على اعتبار انه يشترط في الكفيل الاقتدار حسب قرار المحكمة، عازياً السبب إلى تدهور الوضع المادي لبعض الأسر وباتت مستحقة . وتم تقليص قيمة هذه المساعدة من 4400 درهم إلى 2200 درهم، بموجب قرار مجلس الوزراء (25) الصادر في شهر يونيو/ حزيران ،2009 شريطة أن لا يكون هناك ازدواجية في عملية الصرف مع مؤسسة أخرى تقدم له الرعاية .
ويؤكد أن الوزارة حتى تاريخه لا تتدخل في أوجه صرف تلك المساعدات، ولكن في حال ثبت للباحثين الاجتماعيين من خلال زياراتهم نصف السنوية وجود مخالفة واضحة، وترد في حالة الطفل المكفول، تتخذ الإجراءات اللازمة ويستدعي الكفيل ويساءل ويوجه، هذا ما جاء في مشروع قانون رعاية الأطفال مجهولي النسب قيد الدراسة، بالإضافة إلى أنه في حال عدم الاستجابة وجسامة الإخلال، يصدر وزير الشؤون قراراً بسحب المحضون .
أما أطفال المشافي، فلا ترعاهم الوزارة إذ لا يتقدم أحد بطلب رعاية لهم، وكذلك من هم لدى مؤسسات رعاية خاصة نزولاً عند نص المادة الأولى من قانون الضمان الاجتماعي رقم (2) لسنة ،2001 التي عرفت مجهول الأبوين بمن ولد لأبوين غير معلومين، ولم يبلغ سن الرشد، وليس له مصدر دخل، ولم يتكفل برعايته شخص مقتدر، ولا تقوم جهة اعتبارية برعايته .
بلسمة جراح
لا ازدواجية في المساعدات التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية ل145 لقيطاً، وليست الوزارة وحدها من يقدم المساعدات لمجهولي النسب، فهناك مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر في دبي، إذ تقدم الخدمات والمساعدات المادية والعينية ل63 لقيطاً يعيشون مع 46 أسرة بديلة في الإمارة، تقل أعمارهم عن 21 عاماً (30 ذكراً، و33 انثى) .
تقول مريم علي الاجتبي الباحثة الاجتماعية في المؤسسة إن مبادرة رعايتهم انطلقت نهاية ،2007 وكان عددهم 2 آنذاك، وفي العام 2008 زاد العدد 39 . وفي العام 2009 أضيف ،22 وهناك 6 ملفات قيد الدراسة بعد تحويلها من النيابة العامة بدبي، وبلغ حجم مستحقاتهم المالية الشهرية التي تودع في حساباتهم البنكية الخاصة 120 الف درهم في العام،2008 و220 ألف درهم في العام ،2009 أما حجم الزكاة من جهات خارجية في العام الأول فبلغ 96 ألف درهم، وفي العام الأخير 189 ألف درهم .
تاله على الطريق
بالعودة إلى موزة الشومي فقد صرحت بأنه ستكون هناك توعية مسبقة للأسر البديلة، ومتابعة حثيثة من الحكومات المحلية بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، أو مؤسسة خاصة اتحادية ستخرج إلى النور لاحقاً تدعى تاله كاسم تسويقي يعني النخلة الصغيرة برمزيتها للأطفال مجهولي الوالدين، بما تحمل في طياتها من معاني القوة والثبات، وتعمل إدارة الحماية الاجتماعية بالوزارة حسب مشروع القانون على تأمين الأسر الحاضنة ضمن شروط خاصة، ولها انشاء دور رعاية، وفق معايير واشتراطات خاصة، وهذا ما حصل في مبادرة تاله مستبقة الوزارة صدور القانون في هذه المسألة .
وعن تاله التي لا تنسخ المؤسسات المحلية وتعمل إلى جانبها، فهي مؤسسة بادرت لها الوزارة، لإيواء هؤلاء الأطفال ورعايتهم، وتبدأ معهم حسب التصور الموضوع من نقطة الصفر، حيث تجمع الأطفال الصغار في حضانات خاصة وتقدم لهم الرعاية بمختلف أنواعها على أيدي قابلات واختصاصيات اجتماعيات، وحتى الآن لا توجد لائحة تنظيمية وهيكلة واضحة .
وتنسجم تاله مع ما نصت عليه المادة (20) من اتفاقية حقوق الطفل التي تعتبر الإمارات جزءاً منها، إذ للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له، حفاظاً على مصالحه الفضلى البقاء في تلك البيئة، الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة، وتضمن الدول الأطراف، وفقاً لقوانينها الوطنية رعاية بديلة لمثل هذا الطفل .
وتحاول تاله الجمع بين أفضل الممارسات المحلية والعربية والعالمية المتبعة ازاء رعاية هذه الفئة، من حيث تصميم المباني والأنظمة المطبقة في المعاملة، ولكن حسب موزة، فإن الكثير من المؤسسات التي تمت زيارتها في دول عربية كانت أشبه بالسجون، وعبارة عن عنابر تغلق على أبنائها، لكن تاله، ستطبق تجربة الأم البديلة أو ما تسمى الخالة التي تعيش مع الأطفال، وتمزجها مع نظام العنابر التي تجمع فئات عمرية مختلفة حتى 18 سنة، وجميع الاحتياجات ستكون في مكان واحد، باستثناء التعليم، فهو خارج أسوار المؤسسة، أي اشبه بالبيت النموذجي .
وسيكون المشروع في أم القيوين وهو متوقف على قضية التمويل من مؤسسة خاصة داعمة، وبدأ العمل بتسويق الفكرة عملياً بغية الحصول على الدعم ومباشرة العمل في المشروع .
مؤشرات خطر
ومن المتوقع أن تستقبل المؤسسة حسب التصور ما بين 150 و200 طفل، من سن يوم حتى 18 عاماً، ينقسمون إلى فئات (من يوم - 3 سنوات، 4- ،8 9-،13 14-18) ذكوراً واناثاً كلاً على حده، وبعد السن القانونية يخرج اللقيط مؤهلاً ليشق طريقه في الحياة، ويعود إلى الدار كزائر وقدوة حسنة لإخوانه ورفاقه، إذ قد تكون هناك جهات أخرى تتولى المسير، ولم توضع خطة بخصوص هؤلاء الشبان حال رغبتهم اكمال تعليمهم .
ويحدد مؤشر التوقعات لعدد من تحتضنهم المؤسسة بناء على احصاءات 5 سنوات مضت تظهر عدد اللقطاء الذين ابلغت عنهم مراكز الشرطة في الإمارات، من 2004 حتى 1/9/،2008 وبلغ مجموعهم ،154 يتوزعون على الإمارات السبع على النحو التالي (أبوظبي ،13 دبي ،83 الشارقة ،44 عجمان ،5 أم القيوين ،1 رأس الخيمة ،6 الفجيرة 2) .
ويقدر عدد لقطاء العام 2007 في الدولة 44 طفلاً، وهو المعدل السنوي الذي يبلغ عنه، مفترضة الشومي ان يصل متوسط عدد الأحياء منهم 35 سنوياً، وأشارت عند سؤالها عن وجود دور رعاية للقطاء في دبي إلى إمكانية وجود مبادرة خاصة بهذا الشأن لدى مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال .
الأكثر عدداً
ذكرت مصادر رسمية مطلعة ان عدد ملفات مجهولي الوالدين المحولة إلى النيابة العامة في دبي بلغ 231 من عام 1999 حتى يوليو/ تموز ،2009 في حين عدد مجهولي الأب من بداية 2009 حتى يوليو العام ذاته 6 . وذكرت مصادر نيابة الأحداث والأسرة أنها استقبلت 12 لقيطاً في ،2009 و17 في 2008 .
في إمارة الفجيرة وعلى لسان العميد محمد بن غانم مدير عام الشرطة: اللقطاء قلة ويتراوح عددهم بين 1 و3 سنوياً، وليس هناك ظاهرة تدعو للتخوف، والأمور طبيعية لا نلمس زيادة، وفي حال وجود حالة تتخذ الإجراءات اللازمة من بحث وتحر وعرض على النيابة، وينقل الطفل إلى المشفى، ويتم التحفظ عليه، ولا يتجاوز مكوثه فيه 48 ساعة، على اعتبار كثرة المحسنين والمستعدين لاحتضانه، حيث تستكمل إجراءات الحضانة بسرية تامة .
أما في إمارة عجمان وعلى لسان العقيد سلطان النعيمي نائب مدير عام شرطة الامارة، فقد بلغ عدد اللقطاء (10) خلال 8 سنوات مضت، فخلال العام الجاري ،3 في حين لم تسجل أي حالات خلال الأعوام الثلاثة التي سبقت، وسجل في العام 2005 حالة واحدة، وحالتان في كل عام من 2002 إلى ،2004 وتقوم الشرطة بالإجراءات لتحويل الطفل إلى مستشفى عجمان إلى حين تقدم أحد أهل الخير لاحتضانه، علماً بأنه لا توجد دار رعاية، عازياً سبب مشكلة مجهولي النسب إلى تعدد الجنسيات وكثرة العزاب من الجنسين، والثقافات والديانات المختلفة، وأحياناً غيابها، ما قد يستوجب ابعاد سكنات العزاب عن اماكن تواجد الأسر، بخاصة التي لديها خادمات، وإيجاد وسائل الراحة كافة، والخدمات الضرورية لهم، وفصل بعض الجنسيات عن المواطنين، والعرب لا سيما ذات الدين المختلف .
ويؤكد المقدم سالم الدرمكي، رئيس قسم التحريات بإدارة البحث الجنائي في شرطة رأس الخيمة أن معدل اللقطاء السنوي في الامارة لقيط واحد وهو العدد في الأعوام (،2000 ،2001 ،2002 ،2008 2009)، بينما عددهم (2) في (،2004 ،2005 2006) ولم يسجل أحد في (،2003 2007)، متسائلاً باستنكار: من هذه الأم التي تملك الجرأة لترك فلذة كبدها، سواء كان ابن حرام أم حلال؟، مشدداً على ضرورة وضع الحلول للسلوك المحرم شرعاً والمجرم قانوناً، إذ ان هناك بعض الحالات عرفت فيها الأم وقادت إلى الرجل بنسبة 90% و10% بعد إجراءات الاثبات والتدخل القضائي، وغالباً المسبب علاقات غير شرعية، 80% منها مع الخادمات، لذا يقع على مكاتب استجلابهم والأسر المشغلة التي قد يكون الاعتداء من داخلها جانب كبير من المسؤولية لجهة التوعية .
ويعزو الدرمكي سالسبب في أحايين عدة إلى تعقيدات التركيبة السكانية، وظاهرة الخادمات، لا محترفات الرذيلة، لأن الأخيرات في رأيه غالباً ما يكن محتاطات في استخدام موانع الحمل . جاء ذلك في وقت تؤكد الإدارة العامة لشرطة أم القيوين ان لا لقطاء في العام ،2009 بينما وصلها في فبراير/ شباط العام الذي سبق طفلة واحدة .
الوصل ينفي
وعند الحديث مع عفراء البسطي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال أكدت أن الموضوع أحد اختصاصات هيئة تنمية المجتمع في دبي، حسبما نص عليه قانون إنشائها منتصف 2008 .
وتوضح عفراء ان مؤسستها تأوي الأطفال المعنفين أسرياً (منبوذين، معرضين لعنف أسري، وتحرش جنسي)، وضحايا الاتجار بالبشر، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين، واللقطاء الذين يعيشون في كنف أسرة بديلة ويتعرضون للعنف من الأسرة وخارجها يتم إيواؤهم مؤقتاً إلى حين النظر في وضعهم .
ومنذ تأسيسها لم يصل المؤسسة سوى لقيط واحد تم تحويله من جهة رسمية عن طريق الخطأ، وهو الطفل الذي تركته أمه المنقبة قبل خمسة أشهر في عربة تسوق بجمعية الإمارات التعاونية (فرع حتا) بدبي، من دون أي إثبات لشخصيته، وكان عمره وقتها عاماً ونصف العام حسب البسطي التي تستبعد وجود دار خاصة برعاية مجهولي النسب في دبي .
من جانبه يؤكد الشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم، المدير التنفيذي للرعاية الاجتماعية في هيئة تنمية المجتمع ما ذهبت إليه البسطي، لجهة مهام الهيئة حسب نص قانون إنشائها، قائلاً: حالياً خدمات الرعاية الاجتماعية لمجهولي النسب متشعبة، بين الدوائر وهيئة الصحة بدبي التي تقدم الرعاية، ونبحث معها نقل المسؤولية، ودورنا حتى الآن مقتصر على التعاون مع الهيئة، وستتبع لنا قريبا خلال العام 2010 دار خاصة برعاية اللقطاء، وأطفال مشفى الوصل بدبي تحت إدارة الهيئة .
وينفي مدير مستشفى الوصل في دبي الدكتور عبدالله الخياط مسؤولية الأول وهو أحد مؤسسات الهيئة الآن عن اللقطاء، ما تحدثت عنه الكثير من الجهات المقابلة، مؤكداً أنه ليس فيه أي منهم، كما كان عليه الحال قبل 6 أشهر تقريباً، أي قبل أن تأخذهم جهة حكومية رفض الكشف عنها، باستثناء الحالات الفردية التي يمكن أن تصله لتلقي العلاج وإجراء الفحوصات اللازمة فقط، نافياً علمه بالاعداد التي كانت تنتظر الحضانة من قبل .
لنا رب وأم
لنا الله، وأم ترعانا، بهذه الكلمات عبر عبدالله عن امتنانه لمحسنة تقدم الرعاية له و155 آخرين من الذكور والإناث، يعيشون في دار خاصة بدبي تتكفلهم منذ دخولهم الدار أطفالاً رضعاً، حتى يستقلوا في عش الزوجية، وحتى بعد ذلك في حال تطلب الأمر مساعدة، إذ تربى هو في الدار وتخرج في جامعة خاصة، وتزوج على نفقتها واستقر على عمل .
التقيناه وشريكة حياته التي تربت في الدار هي الأخرى، في إحدى الدوائر الحكومية، برفقة أحد القائمين على خدمة المقيمين في الدار أيتام، إذ يعمل ويعيش معهم منذ قرابة 18 عاماً، ليؤكد الأخير أن الموجودين يتوزعون بين أيتام حقيقيين ومجهولي نسب من دون الاشارة لذلك، حفاظاً على مشاعرهم .
وجميع الموجودين منحوا الجنسية الإماراتية، وتسميهم المحكمة، أو المحسنة تختار الاسم ويصادق عليه القاضي، وعدد منهم حول عن طريق المشافي أو الأهالي، ويقوم مربون ومدرسون بمتابعتهم على الصعد كافة، منقسمين إلى ذكور وإناث، حسب الفئات العمرية، وكلهم يكنونها بأمي .
حاضنة مواطنة
من جانبها تشترط صنعاء العجماني رئيس قسم الرعاية الاجتماعية في نيابة الأحداث والأسرة بدبي حسب القوانين السارية حتى تاريخه في الأسرة البديلة المتقدمة بطلب حضانة أن تكون الزوجة الحاضنة مواطنة لا يقل عمرها عن 25 سنة، فالطفل يسجل على اسمها، ولا يتجاز 45 سنة، والأسرة حسنة السيرة والسلوك، وقادرة مادياً على رعاية الطفل، يؤخذ عليها تعهد برعاية الطفل في جميع مراحل حياته، ومن كل الجوانب، وتبعث رسالة إلى قاضي الاشهاد في محاكم دبي بعدم الممانعة من كفالة الطفل، فيتم إصدار شهادة كفالة ورعاية .
جاء ذلك في وقت نص مشروع القانون المنتظر على أن توكل مهمة اختيار الأسر البديلة إلى إدارة الحماية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية على ان تشكل حسب المادة 7 لجنة الأسر الحاضنة في كل إمارة، بقرار من الوزير، وتتقدم الأخيرة بطلب خاص إلى الإدارة يخضع للدراسة، شريطة ان تكون الأسرة حسب المادة (9) مسلمة مواطنة مقيمة في الدولة، ومن زوجين لا يقل عمر كل منهما عن (25) سنة، ولا يزيد على 50 سنة، وحسنة السيرة والسلوك، وخالية من الأمراض المعدية، وتتعهد بحسن المعاملة والتربية الصالحة للطفل، وأية شروط اخرى يقررها الوزير، ولا تتعارض مع أحكام االقانون .
ويجوز لوزير الشؤون الاجتماعية هنا أن يعهد بحضانة مجهول النسب إلى امرأة لا يقل عمرها عن 30 سنة ولا يزيد على ،50 إذا كانت غير متزوجة أو مطلقة أو أرملة أو غاب عنها زوجها غيبة منقطعة . ويلاحظ ان مثل هذه الحالات موجودة في الدولة، ليأتي القانون مرناً معها يمكنها من أجر وثواب الحضانة وتحقيق حاجاتها الاجتماعية حسب هرم الحاجات لدى العالم ابراهام مازلو .
وتتابع صنعاء: يحق للأسرة منح الطفل الاسم الأول فقط، بينما يختار القاضي أسماء الأب والجد والقبيلة، ورضاعة الطفل ليست لزاما، بينما ينص مشروع القانون في المادة (4) على ان الدار هي من يختار اسماً رباعياً للطفل من دون الاشارة لكونه مجهول نسب في أية اوراق ثبوتية .
ويرى أحد علماء الدين أن نسب الطفل لغير والده الحقيقي حرام، ولأمه مرفوض شرعاً بأي حال من الأحوال، حفاظاً على الأسرة والنسب الحقيقي لأفرادها، والنص القرآني واضح في ذلك (ادعوهم لآبائهم) .
أما الإجراءات المتبعة مع اللقيط منذ لحظة العثور عليه فإنها تتم على مراحل بدءاً من فتح الشرطة بلاغ تحقيق في الظروف والملابسات، والوقوف على مدى رغبة الحاصل عليه برعايته، مروراً بالفحوصات الطبية اللازمة للطفل وأخذ منه العينات اللازمة والعلامات الفارقة، وتعميم بلاغ تغيب على جميع مراكز الشرطة في امارة دبي، وبعد عدم وجود رد، تجمع كل الأوراق بملف يحول للنيابة/ قسم الرعاية الاجتماعية، ويدرس الملف عن طريق اسرة متقدمة بطلب احتضان، على أن يكون الموكل هو المرأة، لأن الحضانة عادة ما تكون باسمها، أو أنثى أخرى تختارها الأسرة .
ابتسامة الليث
تقديم الدعم والرعاية لفئة مجهولي النسب في أبوظبي تتولاه مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة وشؤون القصر، وينضوي تحتها دار زايد للرعاية الأسرية التي يؤكد مدير إدارة شؤون الابناء فيها سالم الكعبي انها ترعى 429 طفلاً وشاباً من الذكور والإناث من عمر الرضاعة حتى مرحلة التمكين والاستقلالية، وهو الهدف الذي تسعى إليه حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، ويتوزعون بين فئات عدة (مجهولي النسب، أيتام، معنفين، ضحايا التفكك الأسري) تحت مسمى واحد هو فاقدو الرعاية الأسرية، وتؤمن لهم جميع الاحتياجات ويتابعون من عدة جوانب (صحية، تعليمية، انفعالية، جسدية، دمج في المجتمع، تمكين)، وجميعهم يحملون الجنسية والأوراق الثبوتية .
ويقول الكعبي لا أعتقد أن هناك جهات أخرى لديها لقطاء في إمارة أبوظبي، ودار زايد تعمل وفق 4 مشاريع تربوية منها الاحتضان العائلي، أي إيجاد أسر إماراتية بديلة وفق شروط خاصة، وارضاع الطفل ليس لزاماً، ولدينا 20 طلب احتضان مستوفية الشروط، ولا يوجد أطفال دون السنتين لاستئمان تلك الأسر عليهم، ومن هم وفق الثانية من العمر يحولون إلى نظام الأسر البديلة المستقلة، بمعنى انهم يعيشون في فلل خاصة في مدينة العين يقيم في كل منها 7 أطفال، وهم مقسمون إلى فئات من 2-12 سنة للذكور، ومن 2-18 للإناث، تقيم معهم أمهات لمدة سنتين يوفرن لهم كل أشكال الرعاية، وتتسلم الأم المصروف الشامل، للإيفاء باحتياجاتهم اليومية، أما الذكور بعد الثانية عشرة، فيحولون لبيوت الشباب الموزعة في العين وأبوظبي برفقة أب بديل، والفتيات بعد ال18 ينقلن إلى بيوت الفتيات .
الولادة خارج القانون
وحول علاقة الولادة خارج القانون يؤكد الدكتور أشرف معوض استشاري أمراض نساء وتوليد، أن الولادة بطرق ملتوية في البيوت أو العيادات الخاصة بشكل غير رسمي عادة ما يكون الحمل فيها ناتج عن علاقة غير شرعية، إذ تفرخ مجهولي نسب، وهذا الشيء موجود ويمر عليه على فترات متباعده في المركز الذي يعمل به، مشدداً على ضرورة إظهار الحامل عقد زواج رسمياً، وجواز سفر ساري المفعول .
رأي الدين
والتقاط اللقيط مندوب إليه شرعاً يثاب فاعله إذا وجد في مكان لا يغلب على الظن هلاكه لو ترك، فإن غلب على الظن هلاكه لو تركه كان التقاطه فرضاً عليه، بحيث يأثم إذا لم يأخذه، لأنه مخلوق ضعيف لم يقترف إثماً يستحق عليه الإهمال، وإنما الإثم على من طرحه أو تسبب في وجوده من طريق غير مشروع، وملتقطه أحق الناس بإمساكه وحفظه، لأنه الذي تسبب في إحيائه، وليس للحاكم ولا لغيره أن يأخذه منه جبراً عنه، إلا إذا تبين أنه غير صالح للقيام برعايته، والإسلام الذي حرم التبني عُني بهذا اللقيط أوجب التقاطه وحرم إهماله وتضييعه، واعتبره مسلماً حراً إذا وجد في دار الإسلام أو التقطه مسلم من أي مكان .
علم الاجتماع
في وقفة مع الدكتور أحمد العموش أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة يعزو ظاهرة اللقطاء إلى عوامل عدة أبرزها ظاهرة الزنا في مجتمعاتنا العربية التي تزايدت بشكل ملحوظ أكثر عن السابق، بسبب إرغام الفتاة على الزواج ممن لاتريد، وضعف الوازع الديني، والحاجة إلى المال، بالإضافة إلى رغبات الافراد الجنسية ودرجة تحقيق الاشباع من العلاقة الزوجية، ويضاف إلى ذلك عوامل اخرى كمخالطة المنحرفين والتعرض للاغراء، ومشاهدة افلام الجنس، وغياب الرقابة الخارجية والداخلية، والخوف من العار سبب رئيس في تفشي ظاهرة اللقطاء .
ويقول: أغلب المتسببين في المشكلة من الشباب الذين يملكون المال والرغبة ويقومون بالدفع مقابل إقامة العلاقة، التي غالباً ما تكون مع نساء من الجاليات الأجنبية، بالإضافة إلى الفقراء غير المتعلمين ويعيشون حياة الملاهي والعلاقات العابرة ولا يريدون تحمل تبعاتها، وهناك الكثير من المخاطر لانتشار الظاهرة جهل فئة كبيرة أهلهم وأسرهم الحقيقية، ما يترك أثراً نفسياً كبيراً في نفوسهم، ولا تزال هناك صعوبة في تقبل هؤلاء الأفراد من المجتمع خاصة في مرحلة الزواج .
ويضيف الاختلاف في الشريحة السكانية وكثرة الجاليات الأجنبية، ساعدت في ازدياد هذه الظاهرة، خاصة مع الانفتاح الذي تعيشه دولنا حاليا من ناحية تقنية المعلومات ومعرفة الشباب بكل شيء وإمكانية الوصول إلى الحرام بأيسر السبل، لذا لا بد هنا من زيادة الوعي الديني، ونشر الثقافة في المجتمع بخطورة هذه الامر، وتقديم الخدمات المناسبة لهذه الفئة، وتأهيلهم ليكونوا أفراداً نافعين في المجتمع ومساعدتهم في تقبل ذواتهم .
جنوح في التاسعة
يقول حسين صالح الشواب مدير إدارة الحماية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية إن الإدارة تقوم بإنشاء قاعدة بيانات حول الأطفال مجهولي النسب على مستوى الدولة، تمهيدا لوضع الآليات المناسبة في التعامل مع تلك الفئة التي تعاني ما يعرف علميا بالحرمان الكلي .
ويتابع: تلك الفئة تتربي عادة وتنشأ في أجواء مؤسسية، وسوء تكيّفهم السلوكي يظهر في مرحلة متأخرة على شكل استجابات يائسة من الحياة والمستقبل والمصير، تتخذ طابع التمرّد والصراع وإدارة الظهر للتعلّم والتدريب المهني، وقد ينغمسون في الإدمان حيث تعيش تلك الفئة تصاحبهم حالة من النقمة على الدنيا والناس والوجود الفاقد للقيمة، ومن أبرز الأخطار التي يتعرّضون لها وقوعهم ضحية المستغلين جنسياً وهم يبحثون عن مظاهر الحبّ والحنان والحماية، لكونه يتسم بصفة الاستسلام لكل من يغرر به لقاء الحنان الذي يتعطش إليه، وقد يعانون التبعية والاتكالية وصعوبة الاستقلال وتعثّر بناء المستقبل الذاتي .
هناك علاقة بين الحرمان العاطفي والانحراف واضطرابات النوم والخوف من المستقبل، وتبقى الأخطار محدودة إذا توفر النمو السليم والقبول والحماية في سن مبكرة . وهذه الفئة بحاجة إلى برامج مكثّفة من الإشباع العاطفي وتعزيز الثقة بالنفس والمفهوم الإيجابي للذات .
ويسوق الشواب قصة فتاة لقيطة في التاسعة من العمر حيث لاحظ الكفيل قيامها بتكرار بعض الممارسات الجانحة، فأخذت زوجته تنصحها بعدم ممارستها، وتشرح لها مضارها، بينما حاول الكفيل نهرها، ومن ثم كان يقوم بمعاقبتها عندما كان يلاحظ عليها القيام بتكرار تلك الأفعال، فخشي على أبنائه منها، وحضر إلى الوزارة طالبا النظر في رعاية الفتاة وإخضاعها لبرنامج علاجي .
أقرب إلى الرفض
ما موقفك إذا تقدمت لخطبة فتاة، أو تقدم لخطبتك شاب كان مكتمل المواصفات ولا يعيبه شيء، واكتشفت في اللحظة الأخيرة أن شريك الحياة المأمول لقيط أو مجهول نسب؟ وماذا لو اكتشفت أن صديقك، أو صديقتك، المقرب المثالي كذلك الأمر لقيط، هل ستختلف النظرة؟ أسئلة وغيرها كثيرة قد يتعرض لها أي منا في لحظة حاسمة، حاولنا طرحها على عدد من الشباب المتعلم جامعيين لتكون إجاباتهم متباينة بين الرفض والقبول بحذر، وهي أقرب منها إلى الرفض حسبما سيظهر .
آمنة خوري، تقول: لن أوافق على خطبته إذا علمت أنه من مجهولي النسب، حتى لو كانت سمعته وسمعة العائلة التي قامت بتربيته ممتازة، لأنني أريد تفاصيل نسبه وأصله وفصله، فقد تكون هناك أمراض وراثيه لدى أهله الأصليين، هو نفسه لا يعلم بها . وكما قال رسولنا الكريم (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس، حتى لو تطبع بطبع العائله التي قامت بتربيته .
ويؤكد الشيخ أسامة المعاصري، الباحث في الشريعة، أن الحديث واضح حيث اختيار المرأة والرجل الصالحين من الموطن الصالح، والمعيار الأبرز في الاختيار هو التقوى، لقوله تعالى في سورة الحجرات: إن أكرمكم عند الله اتقاكم . وإذا تقدم إنسان صالح وتقي لخطبة فتاة ورفض أهلها يأثمون، في المقابل تزويج الفتاة لسيىء الدين والخلق يؤثم .
شما الكندي: نعم أوافق، لما لديه من أخلاق حسنة، وهذا الأهم بالنسبة لي، فالأخلاق تحكم أي شخص في هذه الدنيا، ولا ذنب له في أنه عاش لقيطاً، وتربى في أسرة غير أسرته .
الشاب خليفة . م: لا مانع لدي من الزواج من فتاة مجهولة النسب، لأنها إنسانه في المقام الأول والأخير، ولديها قلب وإحساس، ولأنها لم تختر هذا المصير، وليس لها أي ذنب في ذلك، كما أنني لن أهتم إذا ما كان صديقي المقرب من هذه الفئة .
الشاب أحمد راشد: من غير الممكن إطلاقاً بالنسبة لي أن ارتبط بفتاة لقيطة، لأن النسب من أحد الأسباب التي تنكح من أجلها المرأة،
كما أن الأبناء في المستقبل بحاجة إلى الجد والجدة والأخوال والخالات، إلا أنني لا أكترث إذا ما كان صديقي المقرب لقيطاً .
دفع الثمن غالياً
تروي أم سالم قصتها في الاحتضان قبل 15 عاماً قائلة: علمنا بوجود مجموعة من الأطفال مجهولي الأبويين في قسم الأطفال بمستشفى صقر بن غباش برأس الخيمة، وتوجهنا إلى المستشفى، واخترنا طفلاً، وتسنى لنا استخراج شهادة ميلاد تحدد عمره التقريبي وهو سنة ونصف السنة، مما يوجب رضاعته حسب المحكمة الشرعية، وسمي الطفل سالم .ع .ع، حيث لم ينسب الطفل لزوجي لعدم شرعية التبني بالإسلام، وأرضعته شقيقتي، واستخراجنا له جواز سفر من الدولة صادراً من إمارة الكافل، استغرق إصداره 11 شهراً .
وبعد أن ترعرع وكبر وأصبح يعي ما حوله حاول جاهداً معرفة الفرق بين اسمه واسم زوجي ولم الاختلاف إذا كان هو والده، وفي كل مرة نبرر له بحجة ما، وهذا هو الخطأ الذي دفعنا ثمنه غالياً حتى هذه اللحظة .
ضاق صدر سالم عندما علم أنه مجهول الأبوين ولا نعلم من أخبره بذلك وجهود 14 عاماً ذهبت هباء، فأصبح يتذمر ويخرج من المنزل ويتعرف إلى رفاق سوء ويهمل دراسته حتى طرد من المدرسة لسوء سلوكه، وبات يتعمد فعل كل ما يضايقنا ويحملنا بشكل غير مباشر مسؤولية ما آل إليه من سهر خارج المنزل ومصاحبة رفاق السوء، وهو في سن المراهقة، ما زاد الطين بلة، أنه بعد ما كان من الأوائل وينافس على المراكز الأولى في الدراسة أصبح جل وقته النوم في البيت من دون مدرسة، أو السهر مع رفاق السوء، بعد أن كان أصدقاؤه يشار إليهم بالبنان، والحمد لله شيئاً فشيئاً استطعنا احتواء غضبه وتمرده وعاد إلى مقاعد الدراسة بعد ان اضاع سنة من عمره في التخبط والضياع، وذلك بمساعدة بعض الاختصاصيات الاجتماعيات في وزارة الشؤون الاجتماعية .
آخراً
وتوصي أم سالم بضرورة التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية باللقطاء، وأن تكون وزارة الشؤون المرجعية، وان تكون هناك دور ايواء تشرف عليها، وتسريع إجراءات الاحتضان واستخراج الأوراق الثبوتية للطفل، ومتابعة حالته بشكل حثيث ودوري على ايدي مختصين، والتركيز على إرضاعه رضاعة شرعية، حتى يكون محرم ذكراً كان أو أنثى على الزوجين وتفادياً للحرج ووسوسة إبليس، وتوخياً للعدل مع الأبناء الأصليين، أضف لذلك اصدار بطاقات صحية (فئة مواطن) لمن لا يحملون جوازات سفر بعد، وقبولهم في المدارس الحكومية .
قصص وحكايا
علياء .ع موظفة مواطنة من دبي حدثتنا عن قصص وحكايات في قبيلتها الكبيرة في الإمارة والمشهورة عوائلها بحضانة أطفال لقطاء، بل وتبنيهم أيضاً، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لأن عدداً من أفرادها كانوا يعانون ضعفاً في الانجاب، ومن باب حب الخير، كانت تنسب الكثير من الأطفال لها وتمنحهم اسمها كاملاً، وأسر اخرى كانت تبقيهم على أسمائهم بعد فشل محاولاتها لفعل ذلك، ورفض الجهات الرسمية لاحقاً .
م .ع عمة علياء احتضنت لقيطة ذات ملامح غربية شقراء وعيون ملونة، وأبقتها على اسمها بعد فشل محاولتها الحثيثة نسبها لزوجها، وكان عمر الطفلة آنذاك بضعة أشهر ولم يرضعها احد من العائلة، وأصبح عمرها الآن 10 سنوات تقريباً، من دون ان تتلقى أي نوع من التعليم لمعاناتها اعاقة خلع ولادة . وماء الرأس، الأمر الذي لم تظهره فحوصات المشفى قبل الاحتضان، ورغم ذلك بقيت الأسرة متمسكة بالطفلة وتعتني بها على أكمل وجه .
الأغرب من ذلك في رأي علياء حكاية تلك الأسرة المقتدرة التي تبنت ثلاث طفلات من جنسيات مختلفة، ونسبتهن لها، وأصبحن مواطنات، منهن سورية وهندية في العشرينات من العمر أكملن تعليمهن، وتخرجت السورية الشقراء ذات الملامح العربية من الجامعة وانخرطت في العمل، ولم تك تدري طوال 22 عاماً أن لها أباً وأماً آخرين، حالت دونهما قضبان سجون تجارة المخدرات، وعندما عرفت الحقيقة كانت الصدمة حسب علياء، ملمحة إلى أن الأولى كانت تعيش حالة غرور إلى حد ما قبل الحقيقة المرة، لكنها بعد ذلك بدت تعاني شبه انكسار، رافضة البحث عن أبويها الحقيقيين .
أما الطفلة الهندية التي كبرت وكبرت معها المعاناة، من معايرة ومضايقة الأبناء الحقيقيين للأسرة، نتيجة اختلاف ملامحها ولونها الأسمر، فعندما نضجت بدأت تزدحم الأسئلة في رأسها، لتلقى الإجابة التي لا يتمناها أحد . فمسألة التبني يصعب إخفاؤها على الطفل مهما طال الزمن، من هنا تبرز أهمية الوضوح مع الأطفال وضرورة
إخبارهم بالحقيقة في الوقت والمكان المناسبين، الأمر الذي نص عليه مشروع القانون الخاص بمجهولي الوالدين قيد الدراسة .
انتحار ابنة الـ 15
حدث في الدولة قبل عامين أن طفلة في الخامسة عشرة من عمرها ودعت مدرستها التي تحب، لتلقى بنفسها ليلاً من الطابق السادس منتحرة، وعن الدوافع، ذكرت صديقاتها باكيات أنها كانت مسجلة باسم جدها لجهة الأم، لتبدو كأنها شقيقة أمها، في هذه الحالة، فضلت الموت على القيل والقال وكثرة السؤال، لتكون ضحية ضغوط نفسية نتجت عن اكتشاف الحقيقة المُرة، وهي أن لا أب معروفاً لها، أو رفض الاعتراف بها .
تلك القصة تقودنا إلى أهمية إخبار الطفل اللقيط أو مجهول الوالدين أو أحدهما بحقيقة الأمر في الوقت المناسب والطرق السليمة .
وفي خضم تعليقه على حالة مجهولي النسب النفسية، لما يتعرضون له في جميع المراحل، يقول الدكتور علي الحرجان، اختصاصي الطب النفسي في الشارقة إن هذا الموضوع ذو حساسية عالية، ويؤثر سلباً وبشكل كبير في طفل لا ذنب له، فالمجتمع لا يزال ينظر إليهم نظرة دونية، ويرفضهم لاعتبارات اجتماعية وأخلاقية، وكلمة لقيط يجب ان تلغى ويمنع تداولها بشكل رسمي، لما لها من مدلولات سلبية، واستبدال مصطلح أطفال التبني مثلاً بها .
ويضيف يمكن أن تنعكس ردة فعل مجهول النسب على الآخرين والمجتمع سلباً، حيث تتولد الكراهية والحقد عن النبذ والتعليق، علماً بأنه من حق هذا الطفل أو الشخص العيش بكرامة وسعادة، ويبدأ الطفل إدراك حقيقة ما يدور حوله عند سن الخامسة أو السادسة، والأصل ان يواجه الطفل اذا كان هناك ضرورة لشرح الحقيقة بعد 18 عاماً، أي عندما يكتمل لديه النمو الذهني والنفسي والاجتماعي، ويصبح على استعداد لتقبل الحقائق التي تنقل له تدريجياً من خلال الحوار والاقناع على أيدي مختصين .
وقبل هذا العمر تحدث إشكالات إن لم يعالج الموضوع من البداية، وعلى الحاضنين أن يبرروا للطفل بصيغة تتناسب مع عمره، أي أن يقولوا له (أبوك سافر، أو ذهب إلى السماء، ونحن أهلك)، والأهم من ذلك في رأي الحرجان توفير الحنان والإشباع العاطفي للطفل، وعلى الأهل الاستماع إلى نصائح وارشادات أناس مختصين . والمشكلة الحقيقية تبرز عندما يبدأ تمييزه عن اخوانه والتعامل مع بحدية، ويشعر عندها بالفرق .