جاء في سياق الأخبار المتداولة أن مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، اعترض على بث مسلسل يوسف الصديق التلفازي الذي تقدمه يوميا فضائية المنار اللبنانية . أساس الاعتراض أن هذا المسلسل يجسّد شخصية النبي يوسف ووالده النبي يعقوب وامين الوحي جبريل، وأنه يحتوي على العديد من المغالطات التاريخية وبذلك يعد هذا المسلسل مخالفة صريحة لفتوى المجمع التي تحرم تجسيد شخصيات الأنبياء .
بالطبع لمجمع البحوث الإسلامية أن يعترض أو يبدي رأيه، ولكن اللافت للنظر أن في هذا المسلسل بمجمله مخالفات وأخطاء أكثر جوهرية لم يلتفت إليها أعضاء المجمع، وفي مقدمتها أن المسلسل يعتمد اعتماداً شبه كلي على الرواية التوراتية التي تناقض في نقط مهمة الرواية الواردة في سورة يوسف كما وردت في القرآن الكريم، وبخاصة في تحديد هوية شخوص الرواية ومكان وقوع أحداثها .
لماذا؟ أولاً، لأن لا وجود لشخصية فرعون ولا فراعنة في الرواية القرآنية لقصة النبي يوسف عليه السلام، بل هناك ملك ( صفة للمالك في اللغة العربية قديماً وليس لصاحب عرش على مملكة كما هو مدلول الكلمة في الأزمنة الحديثة) يملك قرية اسمها مصر، ولم يحدد القرآن أين يقع هذا المصر . وفي مكان آخر من القصص القرآني، في قصة النبي موسى عليه السلام، ورد اسم فرعون لشخص واحد أصبح يملك مصر هذه، أي القرية التي أقام فيها النبي يوسف وأهله قديماً بعد أن وفدوا عليه من البادية القريبة .
ثانياً، لأنه لم يثبت، لا من علم آثار ولا لغات ولا مدونات تاريخية، أن أرض قبط، وهو اسم مصر الحالية قديماً، كانت ذات علاقة بالأنبياء المذكورين، إضافة إلى أن قوائم أسماء ملوك القبط، سواء ما ورد منها منقوشا على الأنصاب الحجرية أو في تاريخ مانثيون الشهير، لا تتضمن اسم فرعون لواحد منهم أو لقباً له إطلاقاً . وفي المقابل من المعروف بالدليل المكتوب أن إلصاق اسم مصريم التوراتية بهذه المملكة، وإضفاء لقب الفراعنة على ملوكها، إنما وقع في القرن الثالث ق .م تقريباً على يد مترجمي التوراة إلى اليونانية (التوراة المسماة السبعينية)، حين أحلوا اسم قبط والاسم أقباط محل اسم مصريم واسم مصريين في التوراة المترجمة أينما وردا، بل وضعوا النيل اسما للنهر المذكور في توراتهم أصلا بلا تسمية، تماما مثلما فعلوا، على سبيل المثال، بالنسبة لكسديم التوراتية التي حولوها إلى اور الكلدانيين فنقلوا مكان ميلاد وجولات النبي إبراهيم عليه السلام من الجزيرة العربية، حيث ولد وسكن وأقام البيت الحرام، إلى أور السومرية التي نقّب فيها البريطاني ليونارد وولي بحثاً عن صلة لها بالتوراة ومروياتها فلم يجد شيئاً . ولكن هذه التحريفات التي شاعت في الثقافة الدارجة أحدثت تشويهاً في الجغرافية وأحداث التاريخ، وقلبت الوعي الإنساني، فبدأ يسير على رأسه حتى اليوم، يستمد ثقافته من مرويات شبيهة بروايات ألف ليلة وليلة، ولم تفلت من هذا التشويه حتى الثقافة العربية الإسلامية قديماً وحديثاً . وهي المفترض أن تنتبه لنصها القرآني الواضح، وألا تجري وراء تفسيرات من خارجه يذكر القرآن ذاته في أكثر من موضع أنها تحريفات أدخلها مدونو التوراة على النص الأصلي . وهو الأمر الذي تحقق منه تاريخياً كل من درس هذا النص بمختلف تنوعاته والطوائف التي تداولته .
ثالثاً، جاء اسم مصر عملياً إلى أرض قبط في القرن السابع الميلادي حين بنى الفاتحون المسلمون مصراً في موقع فسطاط عمر بن العاص القديم بالقرب من القاهرة الحديثة، مثلما بنوا أمصاراً في بلدان أخرى، أي أحدثوا أماكن عامرة، في العراق والشام . فيقال مثلا ان الموصل مصر العراق أو إن بصرى مصر الشام . . وهكذا . وحتى الآن يطلق اسم مصر على منطقة هذا المصر تحديداً، أي القاهرة القديمة، فيقول القادم من الصعيد إنه ذاهب إلى مصر حتى بعد أن تعمم اسم المصر وأصبح يطلق على البلد كله . ويقال في اللغة العربية مصّر الأمصار أي بنى مدناً عامرة بالناس والتجارات والأسواق، أو مراكز حضارية بتعبيرنا المعاصر .
رابعاً، بالعودة إلى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس في الاسكندرية نجد أنه لم يخاطبه باسم عظيم مصر بل باسم عظيم القبط، وفعل المقوقس الأمر ذاته حين عرف شعب وادي النيل باسم القبط، وليس المصريين . وبعد أن تزوج الرسول الكريم مارية التي أرسلها إليه المقوقس، عرفت لدى المسلمين باسم مارية القبطية حتى اليوم، ليس لأنها مسيحية الديانة، فقد ظل هذا اللقب ملازما لها حتى بعد إسلامها، بل لأنها تنتمي إلى أرض قبط . وفي هذا دليل على أن المسلمين الذين اتخذوا رسولهم والوحي القرآني هدى لهم، لا يأخذون بتحريفات التوراة اليونانية ولا الإسرائيليات التي اعتمدها بعضهم تفسيراً لما بين يديه .
المحير بالطبع أن يلجأ كاتب نص مسلسل يوسف الصديق، إلى الرواية التوراتية التي يقول القرآن بعبارات صريحة إنها رواية دخلها التحريف، فتم تغيير مواضع الكلم، ولوى المحرفون كلماتها لياً بألسنتهم، واختلقوا الأكاذيب . والمحير أكثر أن قصة النبي يوسف عليه السلام في القرآن محبوكة بشكل رائع ومنسجم مع منطق جغرافية الحدث وشخوصه وكان الأولى بأصحاب المسلسل اعتمادها، الإخوة البداة الرعاة، والقافلة العابرة في طريق تجاري، والتقاطها ليوسف الذي ألقاه إخوته في الجب، وبيعه لرجل اشتراه من مصر، ثم سجنه بسبب اتهام امرأة العزيز الباطل له، وخلاصه حين تذكره من كان سجينا معه، فأخبر الملك، ملك المصر، عن قدرته على تأويل الأحلام، حيث تحدث لحظة التنوير ويصعد نجمه في إدارة شؤون المصر، واستقدامه لإخوته وأبيه من البادية ليسكنوا هذا المصر .
في كل فصول هذه الرواية القرآنية لا يوجد أشخاص مثل فرعون وفوطيفار وزليخة . . إلخ من أسماء أدخلها رواة التوراة، ولا توجد قصور ومقابر وتحنيط وكهنة دخلت بوحي من تحريفات التوراة اليونانية . فصار المصر التجاري، وأمثاله في الجزيرة العربية كثر، مملكة هائلة، وصار حاكمها فرعونا التقطوا صورته من صور ملوك أرض قبط . ورأينا في المسلسل أعاجيب تبدأ ولا تنتهي، ولا تتصل من بعيد أو قريب، ليس بالقرآن فقط، بل لا تتصل بصلة نسب لأي بحث في آثار مملوك القبط وديانتهم ولغتهم وتاريخهم .
هل كان من الضروري أن يستدخل من كتب نص هذا المسلسل وأخرجه الخيال التوراتي في قلب قصة غير خيالية؟ إن من يدرس جيداً، حتى النص التوراتي، يكتشف أن من جعل أرض قبط هي مصريم التوراتية باللغة اليونانية، ومن تابعه من أوروبيين، فاته بسبب جهله بجغرافية المنطقة وشعوبها ولغاتها، أن ينتبه إلى سطور تفضح هذا التحريف، مثال ذلك قصة الجفاف الذي يستمر لمدة سبع سنوات، وهو أمر لا يحدث إلا في المناطق التي تعتمد على الأمطار، لا في البلاد التي تتدفق فيها الأنهار، ومثال ذلك، أن أفراد قبيلة يأتون من البادية إلى مصريم لا يمكن بعد جيل أو جيلين أو ثلاثة ان يتفوقوا عدة وعدداً، كما يزعم كتبة التوراة، على سكان مملكة القبط الذين يعدون بالملايين .
القصة القرآنية هي التي لا نجد فيها كل هذه التناقضات، لأنها قصة مبنية على وقائع يأخذ بعضها برقاب بعض، فالمصر في القرآن قرية واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها . . (سورة يوسف- الآية82) . وصاحبها ملك وليس فرعونا وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي . . (سورة يوسف- الآية 54)، والمسافة بين المصر المعني ومضارب إخوة يوسف وأهله قريبة، ولا يحتاج قطعها بحثاً عن الطعام إلى سفر شهور في الصحراء (أي بين فلسطين المفترضة وأرض قبط)، لأن إخوة يوسف بلسانهم يتحدثون عن مسافة قريبة فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا . . (سورة يوسف -الآية 63) . وأخيراً، أليس المجيء من بادية المصر هو ما تشير إليه الآية التالية: وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو (سورة يوسف/الآية 100) .