لكل بلد طريقة معينة في تقبل العزاء بعد دفن الميت، وفي دولة الإمارات تعود الناس على أن يعزوا أهل الميت مرة واحدة بعد الدفن مباشرة وعند القبر، ومرة أخرى يعزونهم في منزل الفقيد أو في منزل أحد أفراد أسرته، حيث إنهم يجلسون ثلاثة أيام على الأقل، يستقبلون المعزين من الداخل والخارج .
- إنني في الواقع لا أريد أن اتحدث عن تقبل التعازي في المنزل، حيث إنه يتم من غير الاضرار بالآخرين، فمنهم من يقيم العزاء في مجلسه ومنزله، ومنهم من يستأجر خيمة لتستوعب جموع المعزين القادمين من الداخل والخارج .
- لكني أود الحديث عن التعازي التي تتم عند القبر وبعد الدفن مباشرة، حيث إنها تشتمل على مخالفات ومحظورات وأمور غير مستحبة .
- تعود الناس في الإمارات أن يشاركوا في الصلاة على الميت، ثم المشاركة في تشييع الجنازة الى القبر حسب السنة، لكن الذي ليس من السنة هو تدافعهم مباشرة على أهل الميت لتقديم العزاء .
- لاحظت أن الجمع الغفير يتدافعون بطريقة غير منظمة، وكأن الكل يريد أن يكون هو أول المعزين، وكأن الكل يحسب أن شيئاً ما يفوته لو وقف في الطابور ومشى بانتظام .
- هذه الطريقة غير الحضارية تجعل متلقي التعزية يرهق أكثر، بعد تفرغه من الدفن واهالة التراب على الفقيد وتجعل الناس يدوسون القبور القديمة حول القبر الجديد للوصول الى أهل الفقيد، وفي هذا اساءة الى الميت ومخالفة لآداب دخول المقابر، ولآداب التعامل مع المواقف المزدحمة عموماً .
- ولاحظت أيضاً أنهم لا يكتفون بالمصافحة فقط، بل ينهالون على أهل الميت بالقبل والمعانقة أكثر من يوم العرس، وهذه القبل في نظري لا تعني شيئاً، لأنها ليست بعاطفية ولا هي شرعية، بل عادة موروثة ومجاملات متبادلة، ووسيلة لنقل الأمراض .
- والسنة الواردة في مثل هذه المواقف هي سنة قولية أكثر من أن تكون فعلية، فالرسول صلى الله عليه وسلم وردت عنه أقوال مأثورة مثل: أحسن الله عزاءكم، وورد ايضالله ما أعطى وله ما أخذ .
- ومثل هذه الأقوال يمكن ان نتبادلها مع أهل الميت بالمصافحة فقط أو من غير مصافحة، حيث إنها اخف عليهم وصحية أكثر . ويمكن أن نقولها إذا التقينا بأهل الميت بعد الدفن في المقبرة، أو في منزل الفقيد إذا كانت العادة أن يجلس أهل الفقيد لتلقي العزاء .
- لكن ليس بالضرورة أن نعزي مرة في المقبرة، ومرات في المنزل، وإذا قدمنا العزاء في المقبرة فليس من الجائز ان نتزاحم على القبر وندوس القبور القديمة للوصول الى أهل الميت الجديد .
- هذه الطريقة ليست مشروعة، ويجب رفضها تماماً، وقد نبهت الناس من خلال مقالاتي الجمعية أكثر من مرة، واقترحت على مدير دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، أن يعمل في المقابر مثل ما عملت دولة الكويت في مقابرها، فأهل الكويت إذا كانوا لم يوفقوا حتى الآن في معالجة الفوضى التي تسود جلسات مجلس الأمة، إلا أنهم وفقوا في تنظيم المقابر، وأوجدوا آلية طيبة لتلقي العزاء من المعزين في المقابر .
- ففي الكويت لا عزاء على القبر، بل الكل يتوجه الى السرادق الكبير المقام عند باب المقبرة، حيث يقف أهل الفقيد في صف منتظم، والناس يمرون عليهم واحداً واحداً، ويعزونهم في سهولة ويسر، من غير دوس على القبور ولا ارهاق لأهل الميت تحت وهج الشمس الحارة .
- إذن أناشد دوائر الشؤون الإسلامية في دولة الامارات للمرة الثالثة، واطلب فرض هذه الطريقة الراقية، وليس من العيب أن نتعلم من غيرنا، ولكن العيب أن نبقى على العيب وكأننا لسنا أمة النظام .