هل أدركت الولايات المتحدة أخيراً أهمية سوريا والدور السوري في كل قضايا المنطقة؟ وهل فهمت أن سياسة المقاطعة وفرض العقوبات، والتهديد والتخويف، ليست المدخل المناسب الى حل المشاكل؟
لعل هذا هو ما توحي به التحليلات التي تناولت، الاتصالات الأمريكية الأخيرة مع سوريا، وقرار ادارة اوباما تعيين سفير لها في دمشق .
تناولت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية (18/2/2010)، في افتتاحية لها التطورات الأخيرة في العلاقات السورية الأمريكية، وبيّنت ما تتوخاه ادارة اوباما من تعزيز تلك العلاقات، وقالت إنّ واشنطن تأمل في أن يفلح تودّدها الى دمشق في إخراج الأخيرة من فلك ايران، وفي إقناعها بوقف دعم حزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة . كما يمكن ان تكون سوريا ذات أهمية كبيرة بالنسبة الى جهود السلام الفلسطينية الإسرائيلية، التي تشكل واسطة العقد في دبلوماسية الرئيس الأمريكي، باراك اوباما في المنطقة، إذا وافقت سوريا على استئناف محادثات السلام غير المباشرة مع إسرائيل، التي كانت قد انقطعت في وقت سابق من هذا العام .
تضيف الصحيفة أن دفء العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا، ظل يأتي على شكل دفقات متقطعة . وكان التعامل مع سوريا أحد التعهدات التي قطعها اوباما على نفسه أثناء حملته الانتخابية، كما أبدت واشنطن خلال العام الماضي إيماءات عديدة نحو الرئيس الأسد، من بينها إعلان نيتها إعادة تعيين سفير لها في دمشق . ولكنّ المسؤولين السوريين كانوا في أواخر العام الماضي، يتذمرون من بطء التقدم، مستشهدين بامتناع واشنطن عن عدم تعيين مبعوث، وقلة الدلائل على جدّية البيت الأبيض في التحرك باتجاه إلغاء العقوبات الاقتصادية .
وقد رشحت الولايات المتحدة سفيراً لها في سوريا، يوم الثلاثاء، 16/2/،2010 هو الدبلوماسي روبرت فورد، الذي سيكون أول ممثل للولايات المتحدة في دمشق منذ فبراير/ شباط ،2005 عندما استدعت واشنطن مبعوثها من هناك، بعد أن أودى تفجير حملت سوريا مسؤوليته، بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري .
وقد ركزت محطة تلفزيون فرنسا 24 (17/2/2010) في موقعها على شبكة الانترنت، على المعارضة التي أبداها الجمهوريون الأمريكيون لهذا التحرك، الذي اعتبروه إشراكاً متهوراً لسوريا . ونقلت المحطة عن الينا روزليتينين، الرئيسة الجمهورية للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، قولها مع هذه التسمية للسفير، تجازف سياستنا الخارجية مرة أخرى بإرسال رسالة مفادها أن بقاء الدولة عدوّاً عنيداً للولايات المتحدة، خير لها من التحول الى حليف مخلص لواشنطن فعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية مدّت لسوريا يد التعاون، استمرت الأخيرة في رعاية جماعتي حزب الله وحماس، وفي تقويض سيادة لبنان، والسعي الى امتلاك قدرات صواريخ وأسلحة غير تقليدية .
أما صحيفة فانكوفر صن الكندية، (17/2/2010)، فهي ترى أن الولايات المتحدة، جددت الاتصالات مع سوريا على مستوى عالٍ، يوم الأربعاء، 17/2/،2010 من أجل كسب المساندة في فرض عقوبات أمميّة شديدة على ايران، حيث أرسل الرئيس باراك اوباما، أعلى دبلوماسي أمريكي يزور سوريا منذ ست سنوات، هو نائب وزيرة الخارجية للشؤون السياسية وليام بيرنز، لإجراء محادثات مع الرئيس بشار الأسد، بعد يوم واحد من ترشيح أول سفير أمريكي في دمشق منذ خمس سنوات .
وتقول الصحيفة، إن الدبلوماسيين يقولون إن هذه التحركات الأمريكية، تهدف أساساً الى إضعاف العلاقات السورية مع ايران، في محاولة لعزل الجمهورية الاسلامية في المنطقة . كما أن سوريا ذات أهمية كبرى في تحقيق اتفاق سلام في الشرق الأوسط، يمكن ان يضمن الأمن لإسرائيل، التي استولت على مرتفعات الجولان السورية في الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967 .
ولكنّ زيارة بيرنز، تأتي حتى رغم تجاهل سوريا دعوات الإدارة الأمريكية لها لإحكام السيطرة أولاً على حدودها مع العراق، وإنهاء دعم حزب الله وحركة حماس، المناوئين لإسرائيل .
وفي موقع انتي وور، (19/2/2010)، كتب تشارلس فروم أن معظم المحللين، وكذلك الحكومة السورية نفسها، كانوا يتوقعون أن تحدث الخطوات الأخيرة نحو تطبيع العلاقات، في وقت أبكر من هذا، في عهد ادارة اوباما، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار، انتقادَ اوباما أثناء حملته الانتخابية، رفْضَ بوش التعاملَ دبلوماسياً مع مَن كان يعتبرهم أعداء واشنطن في المنطقة . وبالفعل، فإن أول مرة أعلنت فيها ادارة اوباما رسمياً، نيتها إعادة السفير الى دمشق، كانت في شهر يونيو/ حزيران الماضي . ولكنّ مقاومة العناصر الصقورية ضمن ما يسمّى اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة؛ والمخاوف من أن تقارباً مبتسراً يمكن ان يعزز موقف حلفاء سوريا في لبنان؛ بالإضافة الى تركيز الإدارة الأمريكية المبكر على إعادة إطلاق عملية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، أخّرت العمل، على الرغم من أن مبعوث اوباما الخاص الى عملية السلام العربي الإسرائيلي، السيناتور السابق، جورج ميتشل، زار دمشق ثلاث مرات منذ يونيو/ حزيران الماضي .
ويقول الكاتب، إن تركيز بيرنز على مسار السلام العربي الإسرائيلي في ملاحظاته يوم الأربعاء، يوحي بأن واشنطن، تعطي أولوية كبرى لتحريك عملية التفاوض السورية - الإسرائيلية، وبخاصة على ضوء المأزق المستعصي على الجبهة الإسرائيلية - الفلسطينية .
فقد يساعد احتمال إحياء ما يسميه البعض خيار سوريا أولاً، في إقناع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بإسقاط مطالبته بقيام إسرائيل بتجميد تام للنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، كشرط مسبق للمحادثات الإسرائيلية - الفلسطينية، وفق ما يقوله بعض المحللين الأمريكيين .
ولكن كون تحركات اليومين الماضيين تأتي في غمار حملة دبلوماسية ضخمة موجهة ضدّ ايران، يوحي بأن أولوية واشنطن الكبرى ممنوحة لاختبار مدى رغبة دمشق في تخفيف تحالفها مع طهران من أجل تحسين العلاقات مع واشنطن، التي تعتبر ضمن أمور أخرى، مهمة لآمال سوريا في استعادة مرتفعات الجولان من إسرائيل . وجاء في موقع غلوبال سكيوريتي (18/2/2010)، أن هذا النهج الجديد الذي تتبعه ادارة اوباما، قد تعرض للانتقاد في أمريكا من قبل ناشطين في مجال حقوق الإنسان على اليسار، وأعضاء متطرفين في الحزب الجمهوري، على اليمين . ولكن المسؤولين في الإدارة الأمريكية يدافعون عنه بالقول إنه فلسفة نابعة من البراغماتية: التي تعترف بالخلافات، ولكنها تسعى الى تحقيق المصالح والأهداف المشتركة .
وفي ردّ فعل على غصن الزيتون الذي يرفعه اوباما، ارتفعت صيحات غضب من بعض أعضاء الكونجرس، حيث سيصوّت أعضاء مجلس الشيوخ على ترشيح فورد، السفير الجديد .
ويقول الكاتب، هيثر ماهر، إن الولايات المتحدة، بعد خمس سنوات من الغياب عن دمشق، لم يعد بوسعها تجاهل الأهمية الجوهرية التي غدت تتمتع بها سوريا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط . ومن بين المصالح المشتركة، أن البلدين يريدان أن يُبصرا عراقاً مستقراً، ولا يريدان أي يشهدا مواجهة بين ايران وإسرائيل، من شأنها ان تشعل النيران في المنطقة برمتها .
وينقل الكاتب عن الخبير السياسي السوري الأصل، مرهف جويجاتي، الذي كان مستشاراً لسوريا في محادثات سلام الشرق الأوسط، وعمل لدى اللجنة الأوروبية في دمشق، قوله إن سوريا لاعب أساسي في الشرق الأوسط، بما لها من تأثير في لبنان، وعلى الجبهة الإسرائيلية - الفلسطينية، وعلى الوضع في العراق . وموقفها في كل ذلك مفصلي . ولذا فإن نهج محاولة تغيير النظام أو حتى استخدام العنف ضده، وفرض العقوبات عليه، لم تُجْدِ فتيلاً .
ويتفق الخبراء والمحللون على أن العلاقة الوثيقة بين سوريا وايران، هي أحد الأمور التي تتمنى الولايات المتحدة رؤيتها تتغير، ولكن جويجاتي يقول إن تحسن العلاقات مع واشنطن، لن يكون على حساب علاقات سوريا مع طهران . ويضيف: لا أعتقد ان لدى واشنطن، كثيراً من الوهم بأن هذا سوف يخلق فجوة واسعة بين سوريا وايران . وأرى من منظور سوري، أن تحسن العلاقات السورية الأمريكية لن يكون على حساب العلاقة السورية الايرانية .
ويتساءل الكاتب قائلاً: هل سيجلب قرار الولايات المتحدة استعادة العلاقات مع سوريا، السلام بين العرب وإسرائيل، والاستقرار في العراق، وهل سيُفقد ايران حليفاً رئيسياً؟ ويجيب: إن الزمن هو الكفيل بالإجابة عن كل ذلك .
ولكن ما هو واضح كما يقول جويجاتي، أن عكس اتجاه السياسة الأمريكية القديمة غير المجدية إزاء دمشق، كان مستحقاً منذ زمن طويل . وهو يعتقد أن الوقت قد حان لمنح الفرصة للحوار الثنائي .