يعتبر البروفيسور محمود مامداني أحد أبرز الباحثين المعاصرين في الشؤون الإفريقية، وبفضل دراساته وأبحاثه ومؤلفاته، التي يتبع فيها أسلوب التقصي التاريخي العلمي الممنهج، نال مامداني جوائز علمية دولية مرموقة، واكتسب شهرة عالمية باعتباره خبيراً في التاريخ، والسياسات والعلاقات الدولية الإفريقية . وبعد أن نال مامداني الدكتوراه من جامعة هارفرد الشهيرة، في العام ،1974 عمل محاضراً في عدد من الجامعات الإفريقية، ثم انتقل للعمل والعيش في الولايات المتحدة، حيث يترأس حالياً معهد الدراسات الإفريقية في جامعة كولومبيا في نيويورك .
في الآونة الأخيرة ركز مامداني المولود في أوغندا لأبوين من ذوي أصول هندية اهتمامه على قضية دارفور ونشر عدة أبحاث وكتب حول دارفور، أبرزها كتاب المنقذون والناجون: دارفور السياسة، والحرب على الإرهاب، الذي صدر العام 2009 .
في هذا الكتاب، يقول مامداني إن انتشار الإسلام في سلطنة دارفور جاء نتيجة للتوسع، ونتيجة لقوة ونمو السلطة المركزية في السلطنة، ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما بدأت سلطنة دارفور تتماسك، وقويت السلطة المركزية، بدأ الإسلام ينتشر ويتمدد، وكان انتشار الإسلام مترافقاً مع اللغة والثقافة العربية وكانتا أبرز روافد ومصادر البناء الهيكلي والتنظيمي للدولة، وساهمتا كذلك في التوسع التجاري، وأصبحت اللغة العربية، لغة التعامل الرسمية في إدارات الدولة، وكانت بمثابة عامل جذب واستقطاب للتجار والمعلمين من كل أنحاء العالم الإسلامي .
ووفقاً لمامداني، حدثت أول هجرة ذات ثقل من غرب إفريقيا لدارفور، في نهايات القرن السابع عشر . وكان معظم المهاجرين من غرب إفريقيا ينتمون لقبائل الفلاتة، وقد انقسموا لفئتين، الفئة الأولى وهي الأقلية كانت فئة مستوطنة غير مترحلة، والفئة الثانية وهي الغالبية كانوا رحالة رعاة أبقار ومواشي، وهؤلاء تزاوجوا بحرية مع قبائل البقارة العرب .
الهجرات والعبيد
ويجادل مامداني بأن تلك الحقبة شهدت كذلك، هجرات قسرية كان ضحيتها عبيد من مناطق متنوعة من الجنوب، وبالرغم من اختلاف المناطق التي رحلوا منها، استطاع هؤلاء العبيد تكوين هوية أحادية خاصة بهم . وحينذاك كانوا يعرفون ب الفرتيت، ولكن لاحقاً أطلق عليهم لقب الفور . وقد كان تحول هوية الفرتيت إلى الفور جزءاً من عملية تكون وتشكل الدولة .
وقد أثرت عملية تشكل الدولة على مجموعتين من الفرتيت المجموعة الأولى أصبحت عبيد سلطنة الفونج، والثانية حدث لها الاسترقاق في دارفور . وبناء على ذلك أصبح غالبية العبيد في سلطنة الفونج عرباً، بينما غدا معظم من كانوا عبيداً في سلطنة دارفور فور .
ويقول مامداني إن القرن السادس عشر كان بمثابة ضربة البداية لانسياب تأثير إسلامي ومنظم في السودان . فالناس الذين نشروا الإسلام في السودان كانوا مجموعة من الرجال المنتمين للطرق الصوفية . ولذلك اقترن الإسلام في السودان حينذاك بالصوفية، وعبر المدارس القرآنية والمساجد انتشر الإسلام في شمال السودان . وكان الآباء يرسلون أطفالهم للمدارس القرآنية حيث يمضي الأطفال أوقاتاً طويلة يتلقون فيها دروساً إسلامية . ويقول مامداني إن الدارفوريين ظلوا يعرفون بحرصهم على ترتيل وتلاوة القرآن بدقة وعناية حتي اليوم .
والمعروف أن السلاطين في دارفور شجعوا ودعموا نشر المفاهيم الإسلامية . فعلى سبيل المثال، شيد السلطان أحمد بكر (1682 - 1722) المساجد والمدارس، واستجلب السلطان محمد تيراب (1787 - 1756) كتباً بحثية من مصر وتونس، وعمل السلطان عبدالرحمن الرشيد (1801 - 1787) على تشجيع وجذب أساتذة العلوم الإسلامية الأجانب على الاستقرار في دارفور .
وقد انتظمت المجتمعات الإسلامية في دارفور في الطرق الصوفية . وهكذا، تحولت المعاهد التعليمية الدينية التي أسسها معلمو وباحثو الدين الإسلامي المهاجرون، تحولت لاحقاً إلى أنساق صوفية .
ويقول مامداني إن الطرق الصوفية كان لها تأثير كبير، وتمكنت من فرض سلطتها ببراعة على أعضائها . وقد نتج عن ذلك نشوء مؤسستين متوازيتين: السلطنة، والمؤسسات الدينية المركزية . وقد كانت المؤسسات الدينية مستقلة، ومع ذلك كانت تعتمد على السلطنة لكي تخصص لها امتيازات أراضي، وتعفيها من سداد الرسوم الحكومية .
وتتسق أبحاث مامداني مع كتابات وبحوث مفكرين وأكاديميين غربيين آخرين، ومنهم البروفيسور شين أوفاهي، أستاذ التاريخ الإفريقي في جامعة برغن بالنرويج، الذي كتب في 1977 بحثاً تحليلياً حول تاريخ دارفور جاء فيه: تواجد المسلمون والفور في دارفور منذ البداية أو منذ أزمان بعيدة وكانا إما مستوطنون (سكان أصليون) أو وافدون إلى دارفور من مناطق أخرى، وعلى العموم كان الفور والمسلمون يكملان بعضهما أحياناً، ويتنافسان أحياناً أخرى، ونسبة لهذا الحضور والتواجد التاريخي للمسلمين والفور أو الإسلام والفور، ولما كانت البراهين التاريخية التي تحدد بدقة تاريخ نشأة سلطنة دارفور، شبه معدومة، فمن الصعب للغاية تحديد تاريخ نشوء أولى المؤسسات الإسلامية في دارفور .
وفي أبحاث أوفاهي اللاحقة، أشار في العام 2008 إلى أن انتشار الإسلام في سلطنة دارفور لم يكن مماثلاً لنمو وانتشار الإسلام في سلطنة الفونج . فعلى سبيل المثال، لم يواجه الملوك الأفارقة في دارفور مشكلة فقدان الهيبة، وهالة التوقير التي تربط المملكة بالشعب لأن الإسلام أصبح مصدراً جديداً للسلطة والشرعية . وفي الواقع استغل السلاطين الإسلام لتسويغ سلطتهم وتجميل امتيازاتهم الاجتماعية .
وكان السلاطين يحبون أن تكون شخصياتهم أشبه أو أقرب لشخصيات رجال الدين الأتقياء، فعلى سبيل المثال، كان السلطان علي دينار حريصاً على سلوكه كمسلم صالح، وكان السلطان محمد الحسين معروفاً بطاعته وإكرامه لعلماء المسلمين الزائرين . وقبيل ارتقائه للعرش، عاش عبدالرحمن أعواماً كثيرة، كرجل دين ورع .
ويصف أوفاهي مسالك السلاطين ومنهجهم، بأنها كان بمثابة أسلمة دارفور من القمة للقاعدة، أو انسياب الإسلام من قمة المجتمع الدارفوري إلى معظم طبقات المجتمع . وقد ترافقت هذه المنهجية مع التحول من نمط الحكم والتقاضي الأهلي التقليدي نحو حكم المحاكم . وقد سرعت ظروف واحتياجات التجارة، تبني القوانين والنظم الإسلامية .
سلطنة كيرا
وجدير بالذكر أن السلطان عبدالرحمن عندما تولى الحكم عمل على تقوية وتمتين أسلمة سلطنة كيرا التي كانت بوتقة سلطنة دارفور . وبناء على ذلك لم يعد التواجد المشترك للقوانين والأعراف الإسلامية والفوراوية، يقبل بسهولة . وقد كان أول ظهور لسلطنة أو دولة كيرا حوالي سنة 1650 تحت حكم السلطان سولويوديو .
وبحلول العام 1700 بدأ خلفاء سولويوديو، يستولون على المناطق غير الفوراوية من دارفور . وبحلول العام 1750 كانوا يحكمون دولة متعددة الأعراق تقع في قلب شبكة طرق ووصلات تجارية متنامية .
وعندما بدأ خلفاء سولويوديو يتحركون خارج عالم دارفور أخذوا معهم لغتهم، التي لم تنسخها اللغة العربية كلغة تخاطب في المحاكم، وأخذوا معهم أيضاً نظامهم الهرمي الذي كان يقسم الزعامة والمناصب الإدارية على أسس دينية وقبلية، ويقول أوفاهي إن الإسلام خلق تأثيره الفعال في خضم هذه المفاهيم، والأفكار، والممارسات شديدة التعقيد، في دارفور .
ويقول أوفاهي إن محصلة كل ما سبق تتلخص في أنه لا يوجد برهان أو أي دليل تاريخي يرغم المرء على أن يجادل بأن سلطنات الفور تواجدت ككيانات ذاتية متأصلة ونقية من النواحي العرقية، والاجتماعية والسكانية، وأن هذه السلطنات لم تتلوث بالتأثيرات الخارجية . والدارفوريون أنفسهم خلقوا ضبابية وغشاوة دائمة لهوياتهم عبر تغييرهم لمهنهم ومواقعهم، أو عبر التغيير في لغتهم، وكذلك أسهمت المصاهرة والزواج من عرقيات أخرى في طمس معالم الهوية الدارفورية .
أصل الصراع
هذا إذن هو التاريخ، الذي أجبر البروفيسور مامداني على أن يخرج بنتيجة حاسمة، مفادها أن الصراع في دارفور لم يكن في أي لحظة صراعاً بين العرب والأفارقة . وفي الواقع نجم هذا الصراع من مشكلتين رئيسيتين، هما الجفاف البيئي، وتفكيك نظام الإدارة الاستعماري بطرق أدت لصنع فراغ، وفجوة إدارة وحكم .
ففي العام ،1986 أرغم الجفاف 384010 أشخاص على النزوج من شمال دارفور للعيش في الجنوب (جنوب دارفور) الذي يعتبر معقل الفور، وحينذاك فككت إصلاحات جعفر نميري نظام الإدارة الأهلية الذي ينتمي للحقبة الاستعمارية، ما أدى لخلق فراغ في السلطات الإدارية تزامن مع هجرة آلاف النازحين الفارين من تمدد الصحراء للاستقرار، على عجل، في الغرب والجنوب .
وقد أدى هذا الوضع، إلى مطالبة الفور ب احترام حقوق السكان الأصليين، وبالمقابل جادل النازحون بأن المهم ليس حقوق القبائل بل حقوق المواطنين أنفسهم .
ولم يكن أي طرف من الجانبين مستعداً للمساومة أو التنازل، وعلى إثر ذلك، اندلعت حرب أهلية . وقد ادعت القبائل العربية أنها ضحية تبني الفور لتوجه يهدف لإزالة العرب من أراضيهم . وبالمقابل بدأ الفور في الإشارة لأنفسهم باعتبارهم أفارقة، وزعموا أنهم مهددون من العرب . وهكذا، يقول مامداني ظهر على السطح، انقسام واستقطاب سياسي صمم وشيد حديثاً عنوانه: العرب ضد الأفارقة علاوة على ذلك، بدأ شكل الصراع يتغير، فلم تعد الغاية منه تحديد أو تعيين الفواصل والحدود بين الذات والآخر، بل التشكيك في وجودية أو أحقية وجود هذا الآخر .
وقد بدأت الحرب الأهلية في 1987 وانتهت في 1989 واندلعت جولة القتال الثانية في ،1995 وتوقفت في 1999 . وخلفت الحرب الأهلية الثانية مئات القتلى، وأدت لفرار 100000 لاجئ إلى تشاد . ويشير مامداني إلى أنه لم تكن هنالك سلطة تحفظ النظام، ولم تكن هنالك آلية لمعالجة الصراع، وكان الوضع مأساوياً .
ويقول مامداني إن غياب حد وأفق للصراع، دفع مجموعات عرقية مختلفة لتأسيس، وتدريب وتسليح ميليشيات، وهكذا تهيأ المسرح الدارفوري لجولة العنف الأخيرة والأكثر تدميراً . وعندما التهب الصراع مرة أخرى بعد العام ،2003 اندفع نحو قمم جديدة . فقد فقد آلاف الناس أرواحهم، واحترقت قرى بأكملها، ونهبت العقارات والممتلكات، وتحول الصراع إلى حرب، وقادت التمرد مجموعة جيش تحرير السودان وأخرى تحمل اسم حركة العدل والمساواة . وبالمقابل، قاد الجيش الحكومي جبهة مكافحة التمرد التي ضمت ميليشيات الجنجويد التي دعمت الحكومة تسليحها .
دور الإعلام الغربي
وفي ما يتعلق بمعالجة الإعلام الغربي لقضية دارفور، يقول مامداني إن أجهزة الإعلام الغربية اعتبرت موضوع دارفور مادة دسمة للأخبار والتقارير، ولم تجهد نفسها في البحث وتقصي أسس النزاع التاريخية، والتحقق من الأسباب الحقيقية للصراع، وقد ذهبت الميديا الغربية لترديد وتكريس التقارير والتحليلات التاريخية المضللة والمغرضة التي تصور الصراع باعتباره صراعاً بين العرب والأفارقة . وهذا التبسيط السيء والمخل للواقع الإفريقي يخدم آيديولوجيتين، هما تحديداً: الامبريالية والحرب على الإرهاب .
تشويه الإعلام الغربي للصراع في دارفور، يخدم الايديولوجية الاستعمارية بتصوير إفريقيا كقارة بلا تاريخ، لم تستطع تطوير شخصيتها أو كيانها، قارة لاتزال خاضعة لسجيتها وطبائعها الأصلية . هذا ما يفسر تغطية الإعلام الغربي للحروب في إفريقيا بتقارير مشوهة وسطحية . ويذكرنا مامداني في كتابه أنه لا يوجد صحافيون متخصصون في إفريقيا في معظم وسائل الإعلام الغربية الكبرى . وغالباً تعتبر إفريقيا بمثابة معمل تدريب للصحافيين المبتدئين، حيث الأخطاء في التقارير إما محتملة، أو لا يتم ملاحظتها من الأساس .
ويقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي إن حبكة العرب ضد الأفارقة تخدم بروباغندا الترويج للحرب على الإرهاب، لأن تصوير الصراع في دارفور على أنه حرب العرب على الأفارقة، يغذي ويحرض على كراهية العرب خاصة كراهية الأمريكيين والغربيين للعرب ومن الرائع أن نقف مع الأفارقة السود . وهكذا بالتركيز المستمر على الأفارقة باعتبارهم ضحايا الحكومة السودانية العربية، يتم ترسيخ وإشاعة ثقافة العداء للعرب خاصة والمسلمين عامة، وفي ذات الوقت إضفاء شرعية وعقلانية على الحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق .
وضمن هذا السياق يجادل مامداني بأن التحرك لإنقاذ دارفور هو في حقيقته قناع للحرب على الإرهاب .
إن مجادلة مامداني بأن حملة إنقاذ دارفور التي تقودها منظمة انقذوا دارفور الصهيونية، هي في الحقيقة حملة علاقات عامة مزيفة، محورها حشد الشعب الأمريكي وتوجيهه ضد عدو رسمي مختلق، مجادلة مقنعة للغاية، والبراهين التي قدمها مامداني في كتابه، براهين تستند على وقائع تاريخية وحقائق سياسية واجتماعية .
وهكذا يتضح لنا من خلال الوقائع التاريخية التي عرضها مامداني وغيره من الأكاديميين والمفكرين أن اقتلاع الصراع الدارفوري من جذوره وسياقاته التاريخية والاجتماعية، أفضى إلى خلق مزاعم، وفبركة أخبار وتقارير لا تمت للواقع بصلة، وأن الصراع في دارفور لم يكن صراعاً بين العرب والأفارقة، لأن العرقيات في دارفور تمازجت واختلط العرب والمسلمين بالأفارقة، بحيث أصبح مستحيلاً التفريق بينهم .
ويكشف لنا مامداني أن أسباب الصراع الحقيقية في دارفور ترجع للنزوح القسري بسبب الجفاف، والنزاع الذي تلا ذلك على الأراضي والمراعي، وأن السبب الآخر للحرب في دارفور، تفكيك حكومة نميري للنظم الإدارية الاستعمارية من دون توفير بديل لها، ما أحدث فراغاً إدارياً قاد لفوضى سياسية وحرب أهلية في دارفور، والحقيقة الأبرز التي أوضحها مامداني، أن ملهاة حرب العرب على الأفارقة في السودان، ملهاة فبركتها الدوائر الاستعمارية والصهيونية، خدمة لمصالحها الخبيثة .
ترجمة: محمد إبراهيم فقيري
* كاتب ومحلل سياسي واجتماعي مقيم في جنوب إفريقيا