وضعت الحرب التي دارت على مدى ستة أشهر في مساحة محافظتي صعدة وعمران أوزارها، بعد قرار الرئيس علي عبدالله صالح بوقف العمليات العسكرية التي ظل الجيش يخوضها ضد المتمردين الحوثيين على مدى ستة أشهر، لكن هذه الحرب خلفت آلاماً وأوجاعاً للجميع.
وعلى الرغم من تراجع سقف التفاؤل الشعبي إزاء مظاهر التسوية للصراع بين الجانبين والتي أعقبت الحرب بسبب مخاوف من أن يكون الهدوء الطارئ منذ أسابيع على جبهات القتال هو ذات الهدوء الذي تخلل سنوات الحروب الخمس الماضية قبيل أن تهب مجددا عاصفة الاحتراب، إلا أن نبرة التفاؤل بانتهاء الحرب لا تزال قائمة، خاصة وأن التحركات على الأرض لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بدا وكأنه هذه المرة أكثر جدية من ذي قبل.
الخليج زارت المناطق التي كانت مسرحاً لقتال ضار استمر لستة أشهر، وكانت أول صحيفة تدخل هذه المناطق وتنقل صورة أوضاع ما بعد الحرب، وخرجت بهذه الحصيلة:
"مخيم المزرق".. لجوء ومعاناة ودموع
تحولت صعدة القديمة التي تكتنز الكثير من الشواهد والمعالم التاريخية إلى ساحة لحرب عصابات ضارية اندلعت خلال الأربعة الأشهر الأخيرة من الحرب السادسة في مناطق متفرقة من المدينة.
وعقب الإعلان عن انتهاء الحرب السادسة بدأت السلطات الأمنية إجراءات حثيثة لإعادة فتح الطرقات أمام حركة الناس والسيارات ورفع الحواجز المرورية ونقاط التفتيش، في توقيت تزامن مع انسحاب مجاميع مسلحة من أتباع الحوثي من المدينة التي عاشت خلال الثلاثة الأشهر الأخيرة أوقاتاً عصيبة أجبرت معظم السكان على ترك منازلهم والفرار من أحيائهم التي تحول العديد منها إلى مسرح لاشتباكات نارية مكثفة وعمليات نفذتها وحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب ضد الحوثيين.
ويصف إبراهيم شمس الدين الوادعي، أحد سكان المدينة القديمة الظروف التي عاشتها صعدة القديمة خلال الأشهر المنصرمة من الحرب السادسة قائلاً: هرب معظم سكان صعدة القديمة من الموت لأن الحرب انتقلت فجأة من حيدان وغمر والملاحيظ لتندلع وسط أحياء المدينة القديمة بين قوات الأمن والحوثيين، الذين كانوا يتبادلون إطلاق النار من منزل إلى منزل وكل شيء أصبح مستهدفاً، وشخصياً اعتقد أن ما حدث في المدينة من مواجهات مسلحة كان فظيعا إلى حد لا يمكن تصوره إلا في مشاهد أفلام السينما.
الدخول إلى مخيم المزرق بمديرية حرض التابعة لمدينة حجة يمثل مقاربة مؤثرة لفظاعة التداعيات التي خلفتها حرب صعدة السادسة في نفوس الرجال ووجوه الأطفال وعيون النساء.
المزرق لم يكن في نظر الكثيرين من هؤلاء الذين وفدوا قبل ستة أشهر من الملاحيظ والقرى التابعة لمديرية ضحيان أكثر من مجرد ملاذ آمن لحياة لم تعد تعني أحداً من طرفي الصراع في صعدة.
الحاجة فاطمة سعد في السبعينات من العمر، والتي وفدت إلى مخيم المزرق برفقة نجلها الأكبر وعائلته وأولاده، لم تعد قادرة على الاحتفاظ بأمنيتها القديمة بالسفر إلى مكة لأداء مناسك الحج، فأشهر الشتات في المخيم البارد اختزلت أمنياتها في مجرد العودة إلى غمر لتموت وتدفن بجانب قبر زوجها.
أما عاتقة مصلح، والتي لم يمض على زفافها بابن عمها سوى أسبوعين قبيل اندلاع الحرب السادسة واضطرارها للنزوح مع زوجها وأسرته إلى المزرق، فقد وجدت نفسها محشورة في خيمة قماشية متهرئة مع زوجها وأسرته.
بعيداً عن أمنياتها الوردية كعروس بترت الحرب فرحتها، لم تتمالك نفسها وهي تستعد لتروي لنا بعض تفاصيل معاناتها، قبيل أن تختزل روايتها في دموع عبرت فضاء عينيها لتتوارى خجلاً وقهراً داخل الخيمة القماشية.
كان مخيم المزرق قد شهد خلال الثلاثة الأشهر الأخيرة توسعا مطرداً لقدرته الاستيعابية على استقبال المزيد من الأسر النازحة، إثر إنشاء معسكرين إضافيين يتسعان لأكثر من خمسة آلاف نازح بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومنظمة الإغاثة الإسلامية، إلا ان هذه التوسعات والإضافات لم تخفف من معاناة الأسر النازحة في المخيم لاعتبارات لخصها أحد النازحين ويدعى عبدالسلام احمد جحاف بالقول: ازدحام الناس في المخيم لم يكن سبب المعاناة الوحيد، فنحن اليمنيين لدينا سعة صدر، لكن المعاناة الحقيقية هي في ان المخيم لا يمتلك الاحتياجات الضرورية للعائلات النازحة، إذ لا يوجد ماء نظيف إلا بكميات محدودة والكثير من الأدوية غير متوفرة والأدوات اللازمة لمكافحة الحشرات والقوارض منعدمة.
وتجاوزت معاناة النازحين في مخيم المزرق مع وقف الحرب في صعدة مجرد المكابدة اليومية للحصول على احتياجات الأسر والأطفال من الماء والغذاء والدواء، إلى القبض على جمرة الصبر بانتظار حلول موعد الرحيل والعودة إلى القرى والمنازل.
يقول مجاهد عبدالله محمد البطلي الذي يعيش في إحدى الخيام مع ستة من أولاده وزوجته: لا أحد يريد البقاء في هذا المخيم يوماً آخر لكن ليس باليد حيلة سوى الصبر والانتظار في هذا العذاب حتى نستوثق من أن الحرب بين الدولة والحوثيين فعلا انتهت ولن تتجدد بعد أيام أو أسابيع.
التوثق من كون الحرب انتهت ولن تعاود الاندلاع مجددا ليس السبب الوحيد الذي لا يزال يحول بين النازحين والعودة إلى مناطقهم، حيث وضعت السلطات المحلية المشرفة على تسيير شؤون المخيم والنازحين ضوابط محددة ومزمنة لإجراءات ملزمة لبدء عملية إعادة النازحين إلى قراهم.
وبحسب ما أفاد به عدد من المشرفين على المخيم والناشطين في منظمات إغاثية عاملة في المزرق فإن إعادة تسكين النازحين في مناطقهم يستلزم استكمال فتح الطرقات وتطهير المناطق التي شهدت الحرب زراعة الكثير من الألغام ومخلفات القتال وتأمين خط سير العودة، إلى جانب توثيق بيانات النازحين، وهو ما قد يستغرق أسابيع أو أشهراً، نظرا لكثافة عدد النازحين، ما حدا بمدير مكتب الشرق الأوسط وشمال افريقيا في المفوضية العالمية للاجئين رضوان نويصر إلى التأكيد على أهمية عدم الاستعجال بعودة النازحين إلى مناطقهم قبيل وضع ترتيبات مدروسة لتنظيم عملية العودة.
ويؤكد محافظ صعدة العميد طه هاجر، الذي تزامن تعيينه في منصبه مع وقف الحرب في صعدة، أن السلطات المحلية بصعدة طلبت من المنظمات الإنسانية والاغاثية الإقليمية والدولية مساعدتها على توفير قاعدة بيانات بالنازحين ومناطقهم في كافة مخيمات الإيواء المؤقت، والذين يبلغ عددهم 300 ألف نازح في مختلف المخيمات، منهم 100 ألف بمخيم المزرق و90 ألفاً بصعدة و48 ألفاً بعمران و12 ألفاً بالجوف و20 ألفاً بصنعاء و14 ألفاً بمنفذ علب الحدودي.
ويعتبر أن العدد الكبير من النازحين يستدعي بالضرورة إجراءات وضوابط وإمكانات واستعدادات يجب توفيرها قبيل عملية إعادتهم إلى مناطقهم.
التحسن النسبي في مستوى ونوعية الخدمات الذي طرأ على مخيم المزرق بدأ من الشهرين الأخيرين قبيل وقف الحرب في صعدة، وما أعقبه من قرار السلطات المحلية بحجة تحويل مخيم المزرق إلى معسكر إيواء دائم للنازحين وتطوير إمكاناته ومرفقاته لم يكن مجرد استشعار بأن صعدة تحولت ومنذ خريف العام 2004 إلى بؤرة صراع مزمن قابل للانفجار في أي وقت وأن مخيم المزرق قد يضطر مجددا إلى استقبال أفواج من النازحين، بقدر ما مثل استدراكا لفداحة الأضرار التي لحقت بالنازحين نتيجة افتقاد مخيم الإيواء للحد الأدنى من مستلزمات الإغاثة الإنسانية الضرورية.
ويقول الدكتور امجد عبدالغني هاشم، أحد الناشطين في منظمة أطباء بلا حدود: لقد استشرى بعض الأمراض والأعراض في أوساط النازحين نتيجة سوء التغذية وانعدام البيئة الصحية النظيفة، وقد كان الأطفال من الجنسين الأكثر تعرضا للإصابات حيث تم تسجيل أكثر من حالتي وفاة ناجمة عن سوء التغذية الحاد والإصابة بأعراض جلدية غير معروفة.
الخوف من حرب سابعة
تحول صعدة إلى بؤرة مصدرة للاضطرابات وبيئة اجتماعية غير مستقرة مفتوحة على احتمالات اندلاع شرارة حرب سابعة ونزاعات أهلية على خلفية التداعيات التي خلفتها الحروب الستة الماضية، لايزال وبالرغم من مظاهر السلام التي بدأت تنسحب ببطء على مفردات المشهد الأمني والاجتماعي في كل صعدة وحرف سفيان بعمران، يمثل هاجسا مؤرقا تتشاطره السلطات اليمنية والسكان المحليون.
ويشير أحمد عبدالرحمن زيد المطاع احد خطباء المساجد في صعدة إلى رؤية يشاطره الكثيرون إياها في صعده إزاء طبيعة التسوية الطارئة على الصراع بين الحكومة اليمنية والحوثيين بالقول: لا يمكن اعتبار تسوية الحرب السادسة حلا جذريا لأزمة صعدة لأن ما حدث من تسوية لا تزيد عن كونها حلحلة مؤقتة وآنية لمشكلة الحرب وليست لأزمة الصراع المستفحل منذ العام 2004.
مظاهر التطبيع البطيئة لمفردات الحياة العامة في صعدة والتي لاتزال تتراوح في مربع التخفيف من المظاهر المسلحة والتفاوض حول الآليات المتعلقة بتنفيذ بنود اتفاقية التسوية الأخيرة وصولا إلى التسريع بتسوية مخلفات الحرب السادسة التي أفرزت حالة مفهومة من الترقب المشوب بالإحباط وعدم الثقة بإمكانية أن تتجاوز صعدة قريبا تداعيات ما بعد الحرب السادسة، وما أفضت إليه من خارطة معقدة من المصالح والضغائن والتحالفات والثارات المؤجلة التي تشكل في مجموعها خلاصة مخاوف وتوجسات عبر عنها العديد من النازحين في مخيم المزرق بحرض.
يقول منصر عبده أحمد العزب، البالغ من العمر 40 عاما: يجب ألا يظل الجمر تحت الرماد، الحوثيون سينزلون من الجبال وسيسلمون بعض أسلحتهم إلى الدولة وسيخزنون الأسلحة الأهم والأثقل في مخابئ أعدوها في الجبال وستفرج الحكومة عن أتباعهم المعتقلين في السجون وستهدأ الأوضاع شهرين أو ثلاثة أشهر أو حتى سنة ثم تبدأ حرب سابعة، من لديه القدرة ان يتحمل حروب جديدة؟.
ويتهم النازح الصعدي الجيش والحوثيين بتدمير صعدة قائلا: الجيش والحوثيون دمروا كل شيء في صعدة والملاحيظ وغمر وشدا وساقين وسحار والطلح وضحيان ومران والمهاذر وغيرها من مناطق صعدة، لم يعد هناك قرية إلا وتضررت من الحروب بين الدولة والحوثيين.
من جهته قلل ناجي صلاح عبدالله مريط (35 عاما) من أهمية مظاهر التسوية التي أعقبت وقف إطلاق النار في جبهات صعدة بالقول: الحوثي لن يظل بلا أتباع أو سلاح من اجل أن يفي بالتزامه واتفاقه مع الدولة، فهو لن يضعف نفسه، لأنه يعلم ما فعلت حروبه مع الجيش والقبائل بالناس وأرواحهم وممتلكاتهم، وأنا لا اصدق انه سيسلم أسلحته للحكومة ويعود ليقفل عليه باب منزله في مران وهو آمن من انتقام المتضررين منه ومن أتباعه.
طلاب بلا مدارس
استأنف بعض مدارس صعدة فتح أبوابه لاستقبال الدارسين على اختلاف أعمارهم ومراحلهم التعليمية بعد ما يقدر بسبعة أشهر من الإغلاق القسري فرضته أشهر الحرب التي تسببت في تدمير ما لم تدمره الحروب الخمس السابقة من بنية تحتية تعليمية هشة.
مراكز الحوثيين الدينية ومدارس الحكومة حظيتا بنصيب وافر من النيران المتبادلة طيلة الأشهر الماضية ليقضي معظم تلاميذ مدارس صعدة ما يزيد على نصف العام الدراسي في مخيمات النازحين بعيدا عن الكتب والفصول وجرس المدرسة وطابور الصباح.
حسين أحمد حمزة، معلم في إحدى مدارس التعليم بصعدة قبيل إغلاقها وتحوله إلى نازح في مخيم المزرق اعتبر أن دوائر العنف المتلاحقة في صعدة دمرت كل شيء بما في ذلك البنية التعليمية، مشيرا إلى ذلك بالقول: الحروب المتلاحقة لست سنوات دمرت كل شيء تقريبا في صعدة بما في ذلك المدارس والمنشآت التعليمية محدودة العدد، والتي لا تتناسب واحتياجات المناطق، لقد مرت سبعة أشهر عصيبة بسبب الحرب السادسة بين الدولة والحوثيين، وأنا لا أتصور أن طلاب مدارس عاشوا لأشهر ظروف وضغوط الحرب سيقبلون على استئناف التعليم ولديهم الحد الأدنى من الحافز أو الرغبة.
إرجاء إعمار المناطق المتضررة في صعدة كقرار احترازي غير معلن اتخذته الحكومة اليمنية تحسبا لتفادي أية خسائر محتملة كالتي منيت بها عقب اندلاع الحرب الخامسة التي طالت نيرانها مشاريع قيد الإنجاز في عدد من مناطق صعدة أضفى المزيد من المعاناة على واجهة المشهد الاجتماعي في صعدة التي، وإن تجاوزت أتون الحرب السادسة، إلا أنها لا تزال على موعد مع هموم إضافية وتوجسات مفتوحة على احتمالات متزايدة باندلاع حرب سابعة، وهو ما يعني التأرجح في بوتقة مفرغة من الانتظار لصافرة بدء إعادة الإعمار المشروطة بسقف زمني غير محدد تتحقق خلاله معادلة الاستقرار الصعبة.
ويقول المهندس جازم عبدالرحمن المقطري: تكلفة إعمار صعدة تضاعفت عقب الدمار الذي أحدثته الحرب السادسة ربما تتجاوز التكلفة مليار دولار، هناك أكثر من مائة وخمسين منشأة دمرت ومائة مسجد ومئات المنازل والمزارع، لقد أتت الحرب على كل شيء تقريبا في صعدة.
ويرى جمال اسعد ناصر البابلي، وهو طالب جامعي أن استقرار صعدة لا يمكن تحقيقه من دون إنهاء ظاهرة حمل وحيازة الأسلحة، معبرا عن رؤيته بالقول: استقرار صعدة مرهون بنزع سلاح القبائل وتحديدا الأسلحة المتوسطة والثقيلة لأن هناك قبائل تمتلك أسلحة لا تمتلكها إلا الجيوش النظامية، وقد استطاع الحوثي أن يخوض ست حروب لأنه يمتلك أسلحة تضاهي أسلحة الجيش، واستقرار صعدة لن يتحقق إلا أذا أصبحت مدينة خالية من السلاح.
واعتبر حسن حمود الرباص، الذي يعمل مدرسا في إحدى مدارس المدينة القديمة أن نزع سلاح القبائل لن يحل مشكلة الأمن والاستقرار المفتقد في صعدة وأن استقرار صعدة مرهون بتحقيق معادلة أخرى أيضا مفتقدة.