انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة لا تقل في خطورتها عن الكثير من الظواهر المجتمعية الأخرى، التي تلاحقها الجهات الأمنية، وتتصدى لها، غير أن الجانب الذي يزيد من خطورة الوضع، أن الظاهرة، التي تعتمد على السحر والشعوذة، اتسع نطاق انتشارها ليطال المحال التجارية التي بات عدد كبير منها يعتمد على هذه الأساليب التي يرفضها الشرع والدين، لدرجة تحوّل الأمر فيها مع أصحاب تلك الأعمال إلى استيرادها من خارج الدولة والتنافس فيما بينهم على قوة كل عمل يستخدم .

الخليج، قامت بجولة ميدانية شملت عدداً من المحلات التي يتردد أنها تتعامل بالسحر في جذب الزبائن، وكانت محصلة الجولة مجموعة من الأحجبة والتمائم والطلاسم التي يخبئها العاملون في المحلات، في أماكن يصعب اكتشافها .

في أحد المحال، التي حرص صاحبها على تعليق آية الكرسي مزيّنة بإطار فخم، بادر أحد العمال باتهامنا بأننا نرى أن تعليق السور القرآنية في المحال نوع من السحر، وأن مبدأنا خطأ، ثم قام بإعطائنا محاضرة مستخدماً فيها صوته الأجش، الذي كاد أن يختفي، بعد أن اكتشفنا أن البرواز الكبير يخفي ما يخفيه من أحجبة وطلاسم، وسرعان ما تحوّل العامل ذو الصوت الأجش إلى شخص آخر يتوسل بعدم الإبلاغ عنه، وأنه سيتلف كل التمائم الموجودة في محله .

وفي المحل الآخر أنكر العاملون استخدامهم أي نوع من أنواع السحر، وأنهم يعتمدون على جودة عملهم في استقطاب الزبائن، إلا أن مهارة مصوّر الخليج مكّنته من رصد تميمة محفورة تحمل رمزاً وأرقاماً غريبة تم وضعها خلف مجموعة من البضائع، وعند مواجهتهم بدأت مرحلة التوسل التي كانت تستمر معنا في كل محل نزوره .

السحر موجود

بداية يقول الدكتور حسن المرزوقي، مساعد عميد كلية القانون في جامعة الإمارات، إن السعي وراء الرزق مطلوب، إلا أنه مقيد بضوابط شرعية، لاسيما أن طلبه أمر واجب على المسلم . ويضيف ان الأساليب التي يتخذها التجار في سعيهم للرزق وتوسيع نطاقه كثيرة من بينها المشروع وغير المشروع، وأما الطرق المشروعة فهي واضحة أمام التجار وغيرهم، وأما الأخرى فهي كثيرة، ومنها السحر الذي لا يستطيع أحد نكرانه لأنه موجود ومذكور في القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو أمر لا خلاف عليه .

إن انتشار التعامل بالسحر مؤخراً تحوّل إلى ظاهرة لا تقتصر على جلب الرزق فقط، بل إنها امتدت إلى نطاق الاستعانة به في الحصول على وظيفة، وكسب رضا المسؤولين وغيرها من الأمور التي يسعى الإنسان، من خلالها، إلى أن يكون الأفضل .

والجهود التي تقوم بها الجهات المختصة في التصدي لمثل هذه الممارسات هي جهود مقدرة وحالت دون انتشار الظاهرة، وتحولها إلى آفة جديدة .

وحول عدم استصدار قانون خاص بمكافحة السحر والشعوذة، ذكر المرزوقي أنه من الصعب استصدار قانون من هذا النوع، حيث إن السحر له أنواع كثيرة منها ما هو محسوس، وما هو غير محسوس، وبالتالي فإن الشرع يقول إنه لا توجد جريمة من دون دليل، وبالتالي فإن السحر إن كان غير محسوس كرش الماء والتمتمات وغيرها من الأساليب التي لا يمكن استخدامها كدليل إدانة، فإنه لا يجوز توجيه تهمة إلى الساحر، أما السحرة من متبعي الوسائل المحسوسة كالتمائم والطلاسم والأشكال الأخرى فإن الجهات المختصة ترصدهم وتطيح بهم باستمرار، لافتاً إلى أن عقوبة الساحر في الإسلام قد تكون تعزيرية أو حدية تصل إلى القتل .

وأثار جانباً آخر من القضية، وقال: إن الأعوام الماضية شهدت انتشار نوعية جديدة من القنوات الفضائية تبث سمومها المتصلة بالسحر والشعوذة، وأن الكثير من هذه المحطات تتعمد استخدام أساليب ترويجية مدروسة بحيث تتمكن من إقناع المتلقي بمصداقية ما تبثه من مغالطات، وتنجح في استدراجه ليقوم بالاتصال بها، ويبدأ بعد ذلك مسلسل استنزاف أمواله من دون جدوى، مشيراً إلى أن الإنترنت أيضاً تحوّل إلى أداة تخدم السحرة والمشعوذين، الذين نجح العديد منهم في إنشاء مواقع خاصة بهم يدعون فيها ما يشاؤون من مقدراتهم الخارقة على جلب الرزق، وتوسيع نطاق أرباح التجار وغيرها من الأمور التي لا يمتلكها البشر، مطالباً الدول العربية بالقيام بحملة مشتركة تتصدى لهذه القنوات الفضائية وتقوم بتوعية المشاهدين لاسيما أن أعدادها تتزايد بشكل يومي .

طلبات مرفوضة

الخليج التقت أحد المعالجين الروحانيين المعروفين في مدينة العين، والذي اشترط عدم ذكر اسمه، حيث قال إن استخدام السحر في التعاملات الإنسانية بشكل عام يعتبر أمراً مرفوضاً، خاصة أنه يتعارض مع مبادئ ديننا الحنيف، إلا أن ما يحدث أحد أمرين، الأول: هو ما ارتبط ببعض العادات التقليدية والاجتماعية التي درج البعض على استخدامها إلى أن تحوّلت إلى موروث، مثل المعتقد السائد في بعض دولنا العربية الذي يقوم من خلاله التجار برش الماء أمام محلاتهم عند فتح أبوابها خلال الفترة الصباحية على اعتبار أن ذلك الأمر يجلب الرزق، إضافة إلى غيرها من الممارسات من تجار الجنسيات الأخرى .

أما الأمر الثاني فهو استخدام مواد وأساليب غير مشروعة في السعي إلى توسيع الرزق وجلب الزبون، وهنا تكمن المشكلة التي تحتاج إلى وقفة جادة وحازمة من قبل الجهات المختصة وأفراد المجتمع ومؤسساته، لاسيما أن معظم النار ينطلق من مستصغر الشرر، موضحاً أن القيام بترويج مثل هذه الأساليب من قبل مستخدميها قد يدفع ضعاف النفوس إلى اللجوء إليها في كل مسائل حياتهم، وبالتالي ظهور مزيد من السحرة والمشعوذين إلى جانب متحيني الفرص الذين يستغلون الناس في عمليات النصب والاحتيال .

ويواصل المعالج الروحاني، إن حقيقة السحر مثبتة في القرآن والسنة، وان ضعف ضعف الثقافة الدينية يدفع أفراد المجتمع إلى التوجه نحو الشخص الذي يرون أنه ينجز غايتهم بشكل أسرع أياً كانت الوسيلة، وإذا كان السحر يجلب الرزق فإنه لا يعني جوازه ديناً وشرعاً، حيث إن الربا يُزيد الأموال، ولا يعني ذلك جوازه شرعاً، كما أن ما جلب بالحرام ممحوق ولا يبارك لصاحبه فيه، وفي الحلال غنى عن الحرام، فهنالك الكثير من الوسائل المشروعة التي يمكن أن تزيد الرزق .

ويروي موقفاً صادفه قائلاً: أحد التجار المعروفين طلب مقابلتي فرحّبت به، وفوجئت بالتاجر يقدّم لي عرضاً مالياً مقابل أن أساعده على تسخير الجن من أجل إنجاح تجارته، والقضاء على منافسه الذي يبيع منتجات شبيهة، وعندما رفضت طلبه، ضاعف المبلغ، ثم غادر منزعجاً، عندما باشرت في توضيح حجم الخطأ الذي ينوي ارتكابه في حق نفسه وأسرته إلى جانب معصيته لله تعالى .

وأثار المعالج نقطة مهمة، وقال إن هناك من يقوم بجلب أسحار وطلاسم من إحدى الدول الآسيوية، وهنا ينبغي الالتفات إلى أن بعض أنواع السحر التي تعتمد على الطلاسم الشيطانية التي ينفذها السحرة في بلدان آسيوية يستخدمون فيها كل نجس .

واقترح القيام بإصدار قانون يجرم استخدام السحر في المحال والمنشآت التجارية، وتغليظ العقوبة على المتورطين في مثل هذه الأمور، مشيراً إلى أن غياب القانون الخاص بهذا الشأن هو الذي أوجد الظاهرة .

48 ساعة فقط

في مواقع الإنترنت الخاصة بالسحرة والمشعوذين صادفنا موقعاً يدعي صاحبه الكثير من القدرات الخارقة، التي من بينها جلب الرزق خلال 48 ساعة، إلى جانب تحديد مواقع الكنوز واستخراجها، وغيرها من المغريات المادية التي يقدمها لأصحاب الأعمال والباحثين عن فرص لجلب الرزق .

وبعيداً عن خدمات رجال الأعمال واللاهثين وراء المال، فإن صاحب الموقع لديه باقة لا بأس بها من الخدمات الإضافية الأخرى، مثل جذب العريس والعروس للراغبين في الزواج، إلى جانب قائمة لا نهاية لها من إمكانات الشخص الذي وصف نفسه بأنه أحد أشهر المتخصصين في دول الخليج العربي، وله معرفة واسعة وتجارب طويلة في علاج الأمراض الباطنية النفسية كالسحر والصرع والمس الشيطاني، وغير ذلك من الأمراض التي لا تخضع لتشخيص طبي حديث أو عملية جراحية بآلات متطورة، مثل مسائل لتسخير قلوب الناس بالمحبة والقبول، وتزويج البنت المتعسرة عن الزواج، وجلب الحبيب للخطوبة والزواج، وعدم زواج الرجل على زوجته، ودفع الشدائد، والحصانة من الظالمين، والتخلص من الحزن والكآبة، والقبول والجاه عند الناس، وتفريج الكروب وزوال الضيق، ومعرفة الحوائج هل تقضى أم لا، وعقد الألسنة، وتسهيل المصاعب، والحفظ من الأعمال الشيطانية، ومسائل للقضاة وأرباب المناصب والمسؤولين، وعلاج المبتلين بالخمور والزنا من الرجال والنساء، وجلب الزبون، والرزق في البيع والشراء، والمحبة بين الزوجين، وبين جميع الناس وغيرها من المسائل .